الرئيسية / منتخبات / ترجمة / ترجمة مقال ” نهاية الفلسفة ” عن اللغة الاسبانية

ترجمة مقال ” نهاية الفلسفة ” عن اللغة الاسبانية

 بقلم يونس امهاضر

Martin Heidegger : El final de la filosofia y la tarea del pensar, traduccion de Jose Luis Molinuevo, publicada en HEIDEGGER, M. Tiempo y Ser, Madrid, tecnos, 2000. Pp1-2.

 أين يتجلى وصول الفلسفة إلى نهايتها في الوقت الحاضر؟

  1. معنى نهاية الفلسفة

الفلسفة هي الميتافيزيقا. إنها تفكير في الوجود في كليته وشموليته-العالم، الإنسان، الإله-وفي كل ما يتعلق بالموجودات. وليست الميتافيزيقا مجموعة من الآراء والتصورات فحسب، وليست مجردة مادة تنتمي للفلسفة، بل إنها تاريخ حقيقة الكائن.

لم يقصد هيدغر بنهاية الفلسفة المعنى السلبي “للنهاية”، فقط تعودنا أن نفهم “نهاية شيء ما” بالمعنى السلبي؛ أي كتوقف وانقطاع عن السير، أو كسقوط وعجز، بل على العكس من ذلك فما يعنيه هيدغر بنهاية الفلسفة هو وصولها إلى الاكتمال، لكن لا يعني بلوغ الكمال أو بلوغ غاية كانت تتجه إليها الميتافيزيقا، بل يعني أنها حققت مع نيتشه الإمكانات القصوى المتضمنة فيها، وهذا أيضا لا يعني بدوره أن الاهتمام بالميتافيزيقا سيزول أو أنه لم يبق من الممكن أن تنشأ أنساق ميتافيزيقية جديدة، بل إنه لم يبق من الممكن وضع مشروع ميتافيزيقي أصيل، وهذا لا ينفي إمكانية إحياء أشكال ماضية للميتافيزيقا أو استعمال عناصر منها في بناء تصورات ميتافيزيقية جديدة، وهكذا فإن ما ابتدأ مع أفلاطون سيعرف اكتماله مع نيتشه.

فأفلاطون أول من خطا تجاه التعلق بالموجود وحده، وجعل الوجود مثالا يعاين، كما جعل من الذات سندا لوجود الموجود؛ ومنه لم يكن ما فعله أفلاطون حدثا عارضا في تاريخ الميتافيزيقا، بقدر ما كان عرضا مؤسسا، ومن هنا جعل هيدغر كل الميتافيزيقا أفلاطونية. فالفكر الأفلاطوني بقي قاعدة عامة على امتداد تاريخ الفلسفة ككل. وما فعله نيتشه ما هو إلا قلبا للأفلاطونية، لكن قلبه هذا لا يغادر الميتافيزيقا، بل يبقى قائما في إطارها واقفا على أرضيتها. إن فلسفة نيتشه تستخلص النتائج القصوى للميتافيزيقا الحديثة وتمثل اكتمال الميتافيزيقا، ولهذا فالحوار مع نيتشه هو في نفس الوقت تفكير وحوار مع التفكير الغربي بأكمله.

يبقى إذن، حسب هيدغر، لكل عصر مميزاته، غير أنه وإن حققت الفلسفة اكتمالها فإنه لا حاجة لتقييم كمال عصر الميتافيزيقا بأخرى: فليس هناك من حق للقيام بهذه الأحكام. فالتفكير الأفلاطوني ليس أكثر كمالا من تفكير بارمنيدس، وفلسفة هيجل ليست أكثر كمالا من الكانطية. فكل عصر له احتياجاته الفلسفية الخاصة. هكذا ندرك ببساطة أن الفلسفة هي كما هي، وليس لنا أن نفضل واحدة على أخرى.

وهنا يتجه هيدغر إلى بسط سؤال الميتافيزيقا التي تحدد التاريخ والتفكير الغربيين، فالمتمعن التاريخي حول الميتافيزيقا لا يكتفي بالوقوف عند أنساق ميتافيزيقية محددة، بل يعمل على النفاذ إلى الميتافيزيقا في وحدتها دون أن يهمل الفروق القائمة بين مختلف المواقف الميتافيزيقية.

يعد المعنى القديم لكلمة “نهاية ” دالا على معنى “المكان”، وبالتالي فالقول بـ”من فلسفة إلى أخرى” معناه من مكان إلى آخر. فنهاية الفلسفة هي المكان الذي يجتمع فيه تاريخها في أقصى إمكانياته، فالنهاية كاكتمال تحيل إلى هذا التجمع.

في أشكال مختلفة، بقي الفكر الأفلاطوني كقاعدة عامة على مر تاريخ الفلسفة، وهذا التحول الذي ابتدأ مع أفلاطون هو قرار يهم التاريخ الغربي ويحدد حتى عصرنا المطبوع بسيطرة التأويل العلمي-التقني للعالم.  فالميتافيزيقا لا تزال حاضرة في عالمنا الحاضر، فقط ننساق إلى الاعتقاد أن هذا العصر ترك الميتافيزيقا وراءه وأن ما يحدد حياتنا اليوم هو الأسلوب العلمي-التقني في تأويل الكائن والتعامل معه. لكن هيدغر يبدد هذا الاعتقاد ويبين أن الحضارة القائمة على العلم والتقنية لا تترك الميتافيزيقا وراءها بل على العكس من ذلك. إن الحضارة العلمية –التقنية، ونظام المجتمع الملائم لها-هي الشكل الذي تتخذه الميتافيزيقا اليوم.

إن ما سعى إليه هيدغر هو محاولة تقديم رؤية كلية لتاريخ الميتافيزيقا، وهو ما تطلب منه الدخول في حوار مع كل الفلاسفة تقريبا عبر تاريخ الفلسفة، لذلك فاللحظة الهيدغيرية هي لحظة عودة للتواصل:

  • أفلاطون؛ نظرا لأهميته التاريخية وبوصفه المؤسس الأول لانحراف الميتافيزيقا الغربية نحو التعلق بالموجود ونسيان الوجود
  • أرسطو؛ بوصفه مؤسس الميتافيزيقا، وواضع أصولها كعلم، وبوصفه طارحا لرؤية مباينة إلى حد ما لرؤية أفلاطون.
  • ديكارت؛ بوصفه أبا للفلسفة الحديثة، وأول من جعل من اليقين مبدأ الفلسفة الأولى.
  • ليبنيتز؛ من حيث أنه طارح لأكثر الأسئلة عمقا وبوصفه معبرا عن الشكل الأكمل الذي وصل إليه المنطق.
  • كانط؛ بوصفه أول من وضع السؤال عن الموجود وعن الزمان في الفلسفة الحديثة، وبوصفة محاولا لتأسيس الميتافيزيقا، وأيضا باعتباره ناقدا للعقل البشري ورادا لحدوده.
  • هيجل؛ بوصفه معبرا عن اكتمال الميتافيزيقا الغربية في شكلها المطلق.
  • نيشه؛ بوصفه الفيلسوف العدمي، وقد وصلت الفلسفة إلى نهايتها على يده، إنه الفيلسوف الذي عبر عن الشكل الأخير للنزعة الذاتية.
  • هوسرل؛ بوصفه أول من حاول تجاوز أزمة النزعة الذاتية في الميتافيزيقا الغربية.

ما لاحظه هيدغر هو أن الميتافيزيقا جعلت الموجود شغلها الشاغل ونسيت الوجود، وبالتالي بقدر ما نسأل عن الموجود بما هو موجود نبقى فيه ولا نعود أبدا إلى الوجود، إنها تساؤل حول الكائن. أما سؤال الكون الذي يسمح بظهور الكائن يبقى غير مفكر فيه، يقول هيدغر: إن الميتافيزيقا منذ بدايتها تقوم على أساس أن الكون في اختلاف عن الكائن، وبالتالي يجب العودة إلى التفكير في الكون ذاته، ليس بالابتعاد عن الميتافيزيقا بل بالرجوع إلى أساسها.

هكذا نفهم المقصود بنهاية الفلسفة، إنه ليس تجاوزا أو نفيا للميتافيزيقا، كما لا يعني إبعادها من مجال التكوين الفلسفي.  ولا يعني أيضا أن النهاية هنا نبذ للميتافيزيقا، بحجة أن العالم العلمي التقني لم يبق محتاجا إليها، بل معناه أن الميتافيزيقا تبلغ أوجها في الحضارة -التقنية-العلمية الحديثة.

إن نهاية الفلسفة استمرار بكيفية ضمنية لا مبالية بل وناسية لذاتها، فالنهاية هنا معناها بداية السيطرة اللامشروطة للميتافيزيقا في شكل انتصار التنظيم العلمي والتقني للعالم ولنظام المجتمع الملائم لهذا العالم.

  1. هل من الممكن أن تكون نهاية الفلسفة وقفا لطريقة تفكير؟  

حسب هيدغر يكون مثل هذا الاستنتاج متسرعا، لأن النهاية تشير إلى التحقق أو الكمال، كاجتماع في إمكانات قصوى، ويكون تفكيرنا ضيقا ما دمنا نتوقع انبثاق فلسفة جديدة للنمط الراهن، وننسى أنه حتى في الفلسفة اليونانية قد ظهر توجه حاسم للفلسفة وهو بناء علوم. وفي نفس الوقت فبناء العلوم جديدة هو دليل على انفصالها عن الفلسفة واستقلاليتها، وهذا الحدث بالذات ينتهي إلى تحقيق الميتافيزيقا.

فانبثاق الميتافيزيقا مرتبط بكل مجالات الموجود، صحيح أنه يظهر كتفكك للفلسفة إلا أنه في حقيقة الأمر هو تحقيق لها، بل إنه اكتمالها. ويشير هيدغر إلى أمثلة عن استقلال وانفصال علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا باعتبارها أنثروبولوجيا ثقافية. كما يشير إلى اللسانيات والمنطق الرياضي…لكي يرصد كيف أن الفلسفة تحولت إلى علوم تجريبية للإنسان.

أي إلى كل ما يمكن أن يكون بالنسبة للإنسان موضوع تقنية قابل للتجربة، هذه التقنية بفضلها يتمكن الإنسان يتموضع في العالم.

هكذا فنهاية الفلسفة معناه ظهورها بشكل مستقل، في ظل علم جديد “علم أنظمة التحكم”، وقد وجدت الفلسفة مكان لها في العلوم البشرية الاجتماعية الفاعلة من أهم ما تتميز به كونها تحمل طابعا تقنيا. إنه بدء تأصيل للعالم الحضاري في التفكير الأوروبي الغربي.

        لكن هل تكون نهاية الفلسفة في انبثاقها في العلوم، وفي التحقق الفعلي التام لكل الإمكانات التي حُدّدَ فيها التفكير الفلسفي؟

شاهد أيضاً

هل العروي تاريخاني بالفعل؟

في نقد استحالة نقد العروي إدرس هاني يحيلنا العروي على كتاباته بإلحاح ولكنه لا يقبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *