الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / المسؤولية والمحاسبة أو”الأفعى التي تأكل ذيلها”

المسؤولية والمحاسبة أو”الأفعى التي تأكل ذيلها”

 

حميد الكعال – أستاذ الفلسفة بمرتيل

 

تنص الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور المغربي 2011، على “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

لماذا هذا التنصيص بعد بيان نظام الحكم مباشرة ؟ ماذا يعني كائن مسؤول إن لم يكن في نفس الوقت محاسب؟ ألا تتضمن المسؤولية داخلها فعل المحاسبة؟ أليس هذا علامة على الأزمة التي يعرفها المفهوم في حد ذاته ،والتي يشخصها واقع عيني يتمثل في هروب الأشخاص من مسؤولياتهم ،إما بسبب بواعث أنانية وتفضيل المصلحة الفردية ،أو الخوف من بطش السلطة السياسية والأحكام القانونية الجائرة؟ ما الذي يخفيه شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة؟

1)المسؤولية :الحاضر الغائب

تعرف المسؤولية بوجه عام كحال أو صفة من يسأل (بضم الياء) عن أمر تقع عليه تبعته ،إنها التزام الشخص بأداء العمل المنوط به طبقا لما هو محدد(المعجم الوسيط). كما أنها تفترض القدرة والاستطاعة للقيام بالفعل /الواجب.

ضمن هذا التحديد أليس الشخص المسؤول محاسب ضمنا على ما يقوم به (يسال عن أمر تقع عليه تبعته)؟.

إن من يتصور مسؤولية  خارج المحاسبة هو كمن يتصور الأفعال اتجاه الغير خالية من كل قصد غائي تترتب عليه جزاءات أو عقوبات. تتضمن المسؤولية في طياتها فعل المساءلة (سواء كانت مدنية أو جنائية)بالشكل الذي يجعل من أفعال الفاعل السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي ليست متروكة للعبث أو إتباع الميول والأهواء الذاتية.فالموظف المتغيب عن العمل بلا مبرر يساءل عن طريق استفسار كشكل من أشكال المحاسبة، والإدارة المقصرة في تسيير المرفق العمومي تساءل عن طريق لجان تفتيش كشكل للمحاسبة ،الأب يسأل عن التقصير في تربية الأبناء ،والأبناء يسالون عن الإخلال بالواجبات..الخ.

إذا كانت المحاسبة تدخل ضمن البنية المؤسسة لمفهوم المسؤولية، فإنهما فعلان يتمان جنبا إلى جنب في الآن نفسه: متى كان الإنسان مسؤولا عن فعل ما فهو أيضا يحمل داخل وعيه النسق العام للمحاسبة .أما الفصل بين واجب المسؤولية وواجب المحاسبة هو فصل إجرائي لتنزيل مسطرة الجزاءات والعقوبات منزلة عملية .والاختلاف بين الواجبين يرتبط بوجود فاعلين اثنين :القائم بالفعل والجهة المسؤولة عن المحاسبة، واختلال العلاقة بينهما هو الذي يؤدي أيضا إلى اختلال واجب المسؤولية ومعه في حالات كثيرة تعطيل آليات المحاسبة.

لماذا هذا التنصيص على ربط المسؤولية بالمحاسبة إذن في بداية الدستور المغربي والتي لا نكاد نجدها في مجموعة من الدساتير الكونية؟ هل هو تأسيس لنظرية جديدة في المسؤولية؟ أم أنه اعتراف ضمني بواقع اللامسؤولية كتعبير عن أزمة حقيقية؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل يحتاج فقط إلى تنصيص قانوني أم يجب أن يتجاوز ذلك إلى فعل التربية والتنشئة الاجتماعية للأفراد والجماعات؟

أعتقد أن هذا التصور الذي يضع إلى جانب المسؤولية شرط المحاسبة يعاني من نقص بسبب “الخطيئة الأصلية” التي تطبع تصوره للمسؤولية بشكل عام. خطيئة المسؤولية هنا هي الفراغ الأخلاقي الذي تعانيه . مسؤولية فارغة ،تنحصر في شكلية القواعد القانونية بالشكل الذي يجعل هذا المعنى يصبح معنى تقنيا ،يضع الفرد أمام القانون ك”مسؤول عن أفعاله” .هذا من جهة،ومن جهة أخرى ،فما تحتاجه المسؤولية هو التفعيل الخاص بالمحاسبة التي تتضمنها وليس تنصيصا دستوريا ،بمعنى تحتاج إلى إرادة سياسية قوية تقطع مع أشكال الريع والفساد المستشري بين العباد.هذا هو الغائب الأكبر إلى حدود الآن.

كيف تحضر المسؤولية عندنا؟

إن المسؤولية لا تحضر عندنا إلا كتشريف وليس كتكليف،وهذا الوضع نتيجة لثقافة ترسخت على الأقل منذ “الاستقلال”، وتعاقب الحكومات المشكلة إداريا على تقلد مهام المسؤولية .هذا التصور هو الذي يجعلني أقوم بالمسؤولية أولا وبعد ذلك احتمال التعرض للمحاسبة أو العكس.وبناء عليه يرهن المحاسبة بوضع هو خارج عنها ،يرتبط بالولاءات  للأشخاص وباحتلال مراكز القرار والنفوذ داخل أجهزة الدولة.وهو الشيئ الذي عطل كل محاسبة فعلية للكثيرين الذين تبث تقصيرهم بشكل فاضح في تحملهم لمسؤوليات داخل الدولة.ضمن هذا السياق سيصبح  الفساد قاعدة وليس استثناء.أما مكافحته ،فما لم تقم على استقلال القضاء وسيادة القانون والرقابة على السلطات ،فإنه لن يكون سوى “أداة شعبوية لكسب الشرعية لحاكم سلطوي” ،وإحلال فساد محل آخر.تثبت التجربة أن كل من يتقلد المسؤولية إلا ويرفع شعار محاربة الفساد !!!.كيف نحارب الفساد في ضل غياب استقلالية السلطة القضائية والمساواة أمام القانون؟

ضمن هذه المعادلة مسؤولية/غياب استقلالية القضاء ،نسجل أن المسؤوليات لا يتحمل وزرها أبد الدهر إلا الضعفاء ،وهم وحدهم المحاسبين على الإخلال بها ،أما السادة الأقوياء والنبلاء بلغة نيتشه فهم متحررون منها ،بل لا يبدون أي اهتمام أو اكتراث بالمسؤولية وبالجرائم التي يتركونها وراءهم.

إن التنصيص الدستوري السالف الذكر، يقوم على أولوية القانوني على الأخلاقي، والغاية من ذلك كما يبدو لي هي نوع من التربية على الخوف .وكأننا أمام نظرية في التربية ،قائمة على التهويل من عواقب المحاسبة ،بناء على سلطة الترهيب وليس اقتناع الأفراد بضرورة أداء المسؤولية.بمعنى يصبح الكلام عن المحاسبة مقدما على أداء المسؤولية بكل اقتناع وقناعة.

2) المغربي ليس أهلا للثقة ويجب تذكيره بشرط المحاسبة

يتأسس هذا الافتراض على فكرتين أرى أنهما ترسمان الممارسة السياسية عندنا:

الأولى: غياب الثقة في اللعبة الديموقراطية، كنتيجة لانعدام انبثاق السلطة من تعاقد المواطنين حول أصول الحكم. يضع نظام الحكم نصب عينيه –وهو يعرف ذلك مسبقا- أن ما تسفر عنه الانتخابات لا يمثل الأغلبية،ولكي يلمع صورته أمام البقية الباقية ،يلزم من تقلد مسؤولية الشأن العام بالمحاسبة. لو كانت الانتخابات تفرز نظاما ديموقراطيا ،فلن نكون في حاجة إلى هذا التنصيص على شرط المحاسبة في تقلد المسؤولية،الذي وصل إلى حد التخمة دون نتائج تذكر.

الثانية :النظرة الدونية والتحقيرية للجماهير بدعوى أنها همجية غير واعية ،وقاصرة مقصرة في واجباتها ومسؤولياتها سواء اتجاه المجتمع أو الدولة.حالة القصور هذه ينتج عنها بشكل آلي سلطة الحجر والوصاية كما  هي مستدمجة داخل مفهوم الرعية.

السؤال الذي يطرح هنا هو هل توجد عندنا كمجتمع ودولة تربية على المسؤولية؟

الجواب هنا هو أننا لم نربي الإنسان على أن يكون مسؤولا ، وإنما نربيه على أن يكون قاصرا. وحالة القصور هذه تستلزم بالضرورة حضور مفهوم الطاعة من حيث أنه الاستمرار التاريخي للمجتمع الابيسي كما يقول اريك فروم.إن عدم الطاعة هو أم الكبائر.لذلك تنبري لهذه المهمة كل المؤسسات الاجتماعية والتربوية، بدء بالأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والمقاطعة ..الخ.هنا نجد أن السلطة الرمزية عادة ما تخضع لتراتبية هرمية اجتماعية ،وعلى أساسها تتوزع “المسؤوليات” صعودا ونزولا.هناك صوت واحد يعلو فوق الجميع :”لا تفكر” ،كما قال كانط يوما في نص شهير يحمل عنوان”ما الأنوار؟”(الضابط يقول :لا تفكر،بل نفذ. ورجل المال يقول: لا تفكر بل ادفع. والكاهن يقول: لا تفكر بل آمن.). هذه النماذج تتلبس لبوسا أخرى عندنا وهي التي أفضت إلى إنتاج قضية معطوبة من الأساس”المسؤولية والمحاسبة”،والتي كما قلت لا نكاد نجد لها تنصيصا في مختلف دساتير الأرض.

إن الفكرة القائلة بان الإنسان لا يصير إنسانا إلا بالتربية ،تطرح على صعيد المسؤولية الدور الذي تلعبه الدولة كمربية المربين.وضمن العلاقة المتوترة حاكم/محكوم تأكل المسؤولية ذيلها(المحاسبة).فمادامت هذه العلاقة لا تتأسس على احترام الإنسان في ذاته وإنما على الخوف المولد لطاعة الذي يوجد في موضع رهبة/سلطة ،وليس طاعة القانون في حد ذاته والالتزام به ،فإنها لن تقود إلى تأسيس مسؤولية وواجب قائم على العدل .يقول فونتونيل:”إنني أنحني أمام إنسان جبار ،لكن روحي لن تنحني له أبدا”.

ان الوضع الذي تعيشه المسؤولية  عندنا وضع ارتكاسي يمكن تلخيصه في الصورة العامة التالية:

-العجز الذي أصبح يعتور الذات المغربية عن تقدير جهود بعض مكوناتها.

-الإتكالية والسلبية في الفعل والسلوك.

-سيادة فكر المؤامرة ضمن سياق إلحاق الأخطاء بالآخرين والاتهام المتواصل للكل ضد الكل بالتقصير في أداء الواجب

كيف يمكن التفكير في المسؤولية من منطلق التربية؟

*الفكرة الأولى لإعادة تأسيس مفهوم المسؤولية إذن، هي قداسة احترام حق الغير، كواجب ومسؤولية الدولة.والملاحظ في هذا السياق أن الدولة لكي تتنصل من مسؤولياتها بدأت تطرح شعارات مضللة حول المسؤولية المشتركة، وضرورة تقاسم التبعات الناتجة عن وضع لم يكن الأفراد ولا الجماعات مسؤولين عنه. كيف تحملني مسؤولية فشل تدبير صندوق التقاعد مثلا وتطلب مني تحمل النتائج؟ في الواقع لا توجد مسؤولية مشتركة إلا إذا كانت هناك وضعية مشتركة ساهم فيها الأفراد والجماعات المعنية بتقاسم تبعات المسؤولية، وإن بشكل متفاوت. إن فكرة ليفناس القائلة بأنني “مسؤول حتى عن مسؤولية الآخر”، لا ينبغي أن تفهم خطأ، خارج السياق الذي أنتجها.

*الفكرة الثانية هي إشاعة روح الاعتراف كثقافة مسؤولة عن الواجبات الجليلة التي يقوم بها الأفراد والجماعات داخل الدولة، وليس تكريما للبعض مفصلا على المزاج، وفي بعض الأحيان يأتي متأخرا بعد الوفاة، لكن اعترافا مؤسسا على الوجود الحر بالمعية، وكما يقول اسبينوزا إن الناس الأحرار هم الأكثر اعترافا ببعضهم البعض. وهنا تطرح مسألة السيادة الشعبية، والسلطة السياسية. بمعنى النقاش حول الأصول المؤسسة لحكم ديموقراطي.

*الفكرة الثالثة هي أن تربط المسؤولية بالإنصاف والعدل، والمعاملة بالمثل في الحقوق والواجبات.بمعنى فكرة حول المسؤولية تضع الهيمنة السياسية موضع سؤال.

إن رهان المسؤولية اكبر بكثير من تقنوية قانونية تقف عند حدود ترسيخ قانون العقوبات والجزاءات رغم أهميته في الدولة الوطنية الحديثة، وإذا كان الجانب الأخلاقي في المسؤولية نفسه اليوم أصبح موضع نقد بحكم الوضع التعيس الذي تعيشه المسؤولية الأخلاقية ،والمتمثل في إنتاج تعريف للمسؤولية يبرر خصوصا التوبيخ أو المديح الأخلاقي ،لدرجة جعلت هانس جوناس يقول بأن “عصرنا هو عصر الفراغ الأخلاقي” ،فإن رهان المسؤولية يكمن في التساؤل عن إمكانية تصور مسؤولية حقيقية للفاعلين الإنسانيين،أي هل يعتبر هؤلاء مسؤولين ضمن ممارسة اجتماعية للمسؤولية أم لا؟بمعنى آخر،هل يوجد مفهوم للمسؤولية يستند إلى أسس عقلية،يمكننا بناء عليه أن نحكم على مفاهيم المسؤولية التي تتضمنها ممارساتنا الاجتماعية أو نرفضها على الأقل؟ كما يقول مارك نيوبرغ.هذا الأمر هو ما لا يستحضره المشرع المغربي.

وبدون ذلك ،سوف تبقى المسؤولية ومعها حتى المحاسبة ،مجرد كرة ثلج تتلاشى شيئا فشيئا لكثرة ما تتقاذفها الأيدي والأرجل ضمن سلم الهرم الاجتماعي.

شاهد أيضاً

“الجميل وفكرة الحقيقة” تأليف: كارل فلهام سولغر 

ترجمة وتقديم: أ.د / كمال بومنير كارل فلهام سولغر Karl Wilhelm Solger فيلسوف ألماني ولد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *