الرئيسية / منتخبات / حميد زناز / أردوغان.. الانقلاب هدية من السماء

أردوغان.. الانقلاب هدية من السماء

العرب – حميد زناز 

كانت محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 2016 بمثابة الهدية التي نزلت على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من السماء، وفرصة انتظرها منذ توليه الحكم ليصفّي المنافسين، ليس السياسيين فحسب بل حتى الناشطين في المجتمع المدني، إذ سمحت له حالة الطوارئ التي فرضت تحت ذريعة الانقلاب بشن حرب ثقافية واسعة على الجامعة التركية والمثقفين بصفة عامة. ومن المحتمل أن يبقى هذا النظام الاستثنائي ساري المفعول حتى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في نهاية 2019.

ولئن كان الانزلاق الاستبدادي واضحا منذ وصول أردوغـان وحزب العـدالة والتنمية للحكم منذ 15 عاما واشتد منذ الانقلاب المذكور، فإن ذلك الاستبداد هو امتـداد واستمرارية لاستـبداد جمهورية تركيا وقد مهـد له الطريـق الطابع الاستبدادي للمؤسسات التي تركها الذين نفذوا انقلاب 1980 وكذلـك تلك الميـول التسلّطية والعنصرية والعنفية التي تعتمل في عمق بعض التيارات في المجتمع التركي المعاصر.

وتعززت سلطة أردوغان في السنوات الماضية الأخيرة لأنها استجابت لتطلعات مماثلة في المجتمع. لذلك فإن التسلطية الأردوغانية ليست شعبوية فقط بل هي أيضا شعبية ولو جزئيا وتنـدرج ضمن حرب ثقافية تدوم منذ أكثر من 100 سنة بين المحافظين والحداثيين.

ويحاول أردوغان وحزبه بهذا الخليـط الإسـلامي الوطني إعـادة إنتاج الهيمنة بتغذية الحقد ضد النخب من مثقفين وصحافيين وكتـاب وفنانين وجامعيين وكل اليساريين والديمقراطيين.

أتاحت حالة الطوارئ التي فرضها الرئيس أردوغان بعد 4 أيام من محاولة الانقلاب تعليق دولة القانون والحريات الأساسية أكثر بكثير مما يستدعيه الأمر أو الحاجة من أجل السيطرة على منفذي الانقلاب وأنصارهم والذين دعموهم.

ولم يخف الرئيس نفسه “سعادته” ساعات فقط بعد تأكده من فشل المحاولة، قائلا إن محاولة الانقلاب تحولت إلى “نعمة من الله” طبعا نعمة بالنسبة إليه ولحزبه وللإسلاميين عموما. وفي الحقيقة، فمنذ 2014 وهو يحاول إقامة نظام رئاسي مطلق ولكن لم يحظ مشروعه بترحاب كبير في المجتمع التركي بل وحتى بين صفوف حزبه.

ولكن في أعقاب حالة الطوارئ تمكن من فرض تنظيم استفتاء لتعديل الدستور نحو هذا الاتجاه الشمولي. واستطاع أن يفتك أغلبية ضعيفة صوّتت بـ”نعم” لصالح “نظام حكومة رئاسة الجمهورية”، كما تقول العبارة المفبركة خصيصا لهذه المناسبة.

وعلى الرغم من الشبهات التي حامت حول نزاهة نتائج الاقتراع، فقد أصبح أردوغان على إثرها رئيس الدولة ورئيس حزب الأغلبية ويملك كل الصلاحيات لتعيين الأعضاء والتحكم في التسلسل الهرمي القضائي.

يجد المتابع لخطابات أردوغان ومؤيديه في الإعلام تلك النكهة التي تطبع الخطاب الشعبوي المعاصر وخاصة ذلك التأكيد على العلاقة المباشرة بين القائد الملهم وشعبه. فهو التجسيد للإرادة الشعبية الذي يقهر كل العقبات التي تقف بوجه تلك الإرادة.

وقد استطاع أردوغان في ظل حالة الطوارئ أن يقوم بتطهير كبير وعام لقطاع الوظيفة العمومية وينتهج سياسة قمعية واسعة ضد المجتمع المدني راح ضحيتها الكثير من الجمعيات والمؤسسات التي تم غلقها بتعسف.

ولم يتردد لحظة واحدة في تكميم أصوات المعارضة وسجن المعارضين: 12 نائبا في شهر أكتوبر 2017، أكثر من 80 رئيس بلدية، وأكثر من 150 صحافيا وحوالي 500 محامي والكثير من المناضلين في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعلاوة على الأشخاص والهيئات التي يتهمها أردوغان بالانتساب إلى منظمة فتح الله غولن والمناضلين والمنتخبين المنتمين إلى الحركة السياسية الكردية، فإنه يصب جام غضبه وقمعه على الأساتذة والصحافيين والنقابيين والنشطاء التابعين لمنظمات غير حكومية تحت ذريعة الانتماء إلى منظمات مسلحة إرهابية أو الدعاية لها.

عطّل أردوغـان قوانين الدولة وبات الأشخاص المحتجزون رهن المحاكمة يخضعون لظروف اعتقال قاسية ويجد محاموهم صعوبة كبيرة في الاتصال بهم ودراسة ملفاتهم.

واعتمادا على تأويل تعسفي لمفهوم حالة الطوارئ، طردت حكومة أردوغان الموظفين غير المرغوب فيهم عن طريق المراسيم، دون محاكمات ودون إمكانية أي طريقة نقض. وتم طرد 380 جامعيا عن طريق مرسوم و96 من طرف رؤساء الجامعات واستقال 25 وأرغم 21 على التقاعد، من بين الـ1128 الذين أمضوا على العريضة “لا يمكن أن نكون متواطئين مع هذه الجريمة” في يناير 2016 التي احتج فيها الموقعون على جو العنف الذي نشره أردوغان والقمع الذي يمارسه على جزء من الشعب التركي.

وحسب جمعية “أكاديميون من أجل السلام”، فقد تم فتح تحقيقات تأديبية في حق 550 جامعيا، وابتداء من أكتوبر 2017 بدأت الاستدعاءات الفردية تصل إلى المـوقعين على العريضة من محاكم إسطنبول.

وانتهازا لفرصة حالة الطوارئ واستفراده بالسلطة قلب تنظيم البنية الجامعية رأسا على عقب، فأوقف نهائيا تعيين رؤساء الجامعات عن طريق الانتخاب واحتفظ لنفسه بحق التعيين. وفي الحقيقة لقد فعل ما فعلته الطغمة العسكرية سنة 1982 حينما حاولت إبعاد الجامعة عن الحياة السياسية للبلد.

في 28 مايو 2017 لم يتردد أردوغان في تشويه الجامعيين في خطابه بإسطنبول “أناس ومجموعات غريبة عن الثقافة وتاريخ بلدهم وأمتهم لا يزالون يحتلون مواقع تأثير في مجالات متعددة، في الحقوق والعلوم والتكنولوجيات والإعلام والسينما، رغم 14 سنة من حكم حزب التنمية والعدالة دون انقطاع”. ويبدو أن سلطان تركيا الجديد غير راض عما اقترف لحد الآن ويريد أسلمة تركيا بيد من حديد في الأيام القادمة.

كاتب جزائري – حميد زناز

 

شاهد أيضاً

الوحدة الثقافية العربية إنجاز كبير يحب الحفاظ عليه – وجهة نظر

رسلان جاد الله عامر – سوريا أول ما قد يتبادر للذهن عند قراءة عنوان هذه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *