الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / تاريخ فلسفة الفن

تاريخ فلسفة الفن

جيهان نجيب

يستعمل مصطلح الجماليات في الثقافة العربية للدلالة على ما تحمله كلمة إستيتيقا من معان هكذا يتوقف تعريف مفهوم الجماليات على تحديد معنى ودلالة مفهوم الإستيتيقا وما من شك أن كلمة استيتيقي تدل على كل ما هو جمالي أي كل ما يتعلق بالجميل من حيت هو شعور و إحساس وذوق وحكم قيمة تختص به أحاسيسنا وشعورنا بالرضى و الإعجاب و الانبهار و الشوق و السعادة و الامتلاء… إلخ. أو العكس النفور القبح…. وقد ظهر مصطلح الجماليات أي الإستيتيقا لأول مرة في منتصف القرن 18م للدلالة على نظرية الفن و الجميل أو بالضبط للدلالة على ذلك التخصص الفلسفي و الأدبي و الفني الذي يتخذ من أحكام القيمة الصادرة عن ملكة الذوق المتعلقة بالجميل و القبيح موضوعا له. وهذا يعني أن مصطلح الإستيتيقا يشير إلى ذلك التخصص الفلسفي الذي يعالج الفن.

فهل يصح القول و الحالة هذه أن الإستيتيقا هي فلسفة الفن؟

إن أول فيلسوف استعمل هذا المصطلح هو الفيلسوف الألماني “بومجارتن”:Baumgarten 7)17242/16( وذلك عندما تبنى الكلمة الإغريقية الدالة على الإدراك و الحس ليعبر من خلالها عما اعتبره هو “علم الإدراك الحسي:science de la perception وقد ورد تعريفه للإستيتيقا بهذا المعنى في كتابه تأملات في الشعر, أما المصدر الذي استلهم منه هذا المصطلح فهو التقليد الفلسفي القديم سواء عند الفلاسفة الإغريق أو آباء الكنيسة و الذي كان يميز بين “العالم المحسوس le monde percu ” و “العالم المعقول le monde sue ” أي بين المدركات الإستيتيقية بما هي مدركات حسية وبين المدركات العقلانية بما هي تعيينات مجردة على نحو ما سيعمق ذلك كانط في تمييزه بين عالم الظواهر الحسية  الفينومين :phénomène  وعالم الجواهر العقلية النومين nomene متل الشيء في ذاته.

على هذا الأساس يمكن القول أن مفهوم الإستيتيقا قد استعمل للدلالة على ذلك التخصص الذي يهتم بدراسة عالم الظواهر المحسوسة أي تلك التي تهتم بموضوعات حسية أو الحس . وبما أن الفن هو أكتر الممارسات في الإنسانية ارتباطا بهذه الموضوعات فقد أصبح من مهام الإستيتيقا دراسة الفنون أيضا ،هكذا ستصبح الإستيتيقا هي فلسفة الأخلاق .

الإستيتيقا إذن وبالنظر إلى أهلها في دراسة العالم المحسوس و الظواهر الحسية سواء انطلاقا من الذات المدركة لهذه الظواهر وما تخلفه فيها من احساسات وهذا ما يسمى بالموقف الإستيتيقي الذي يحدد طريقة خاصة ومعينة في الإدراك Attitude esthetique أو انطلاقا من الموضوع الحسي الذي يولد متل هذه الأحاسيس والانطباعات          l’objet esthétique.

لقد ازدادت أهمية الإستيتيقا بازدياد أهمية التجربة الحسية لاسيما عندما بدأ الاهتمام بملكة الذوق la faculte du gout كمفهوم جديد يفرض نفسه بإلحاح خصوصا عند كانط إلى جانب معظم فلاسفة القرن 18م الذين أرادوا من خلال توظيفهم لهذا المفهوم إثارة الانتباه إلى ردود أفعال الإنسان في الجمال و الخصائص الجمالية و الإستيتيقية و أنماط التجربة الحسية.

هكذا أصبحت ملكة الذوق هي ملكة الحكم في التجربة الجمالية , فهي أيضا شأنها شأن الفن عبارة عن حس مرهف وعلى حدس مباشر بعيد عن المنفعة وعن الحاجات اليومية و الظرفية ،من هنا مصدر الفكرة القائلة بأن التجربة الجمالية هي تجربة تعاش لذاتها باعتبارها غاية في حد ذاتها.

إن الإستيتيقا بهذا المعنى تعالج موضوعها بوصفه نوعا من الوهم نظرا لارتباطه بالحس ولخلوه من المنفعة وابتعاده عن الواقع العملي وعن مجال الممارسة اليومية ،أي أن الإستيتيقا كتقليد فلسفي قد تطورت انطلاقا من اهتمام الفلاسفة منذ القديم بمفهوم الجميل. علما أن الجمال هو خاصية توجد في الفن وفي الطبيعة في نفس الوقت، الشيء الذي يعني أن مجال الإستيتيقا واسع ولا ينحصر فقط في دراسة الظواهر الفنية، مادام أن الجمال لا يتوقف على الفن وحده ولقد ترتب عن هذا اللبس أن تم حصر الإستيتيقا في فلسفة الفن بصفة عامة أي أنه قد تم الخلط بينها وبين فلسفة الفن أي بين الإستيتيقا وفلسفة الفن.

إن مجال الإستيتيقا يمتد ليشمل ثلاثة أبعاد أساسية هي الفن و العمل الفني و الجمال و الجميل , والتجربة الوجودية للإنسان في انفتاحها عن الفن و الجميل.

فالإستيتيقا من حيت هي فلسفة الفن تطرح السؤال حول ماهية الفن و العمل الفني , ومن حيت هي علم بالجمال تطرح السؤال حول ماهية الجمال و الجميل أما من حيت هي المعرفة العلمية التي تتناول التجربة الإنسانية المتعالية كتجربة أساسها الذوق و الإحساس و الحدس العقلي و الحسي فتطرح أسئلة حول قيمة الفن ودور العمل الفني في التعبير عن حقائق الوجدان والوجود وماهية الحقيقة ومن تم عن منزلة الفن و التجربة الفنية ودور العمل الفني في المعرفة الإنسانية بوجه عام , لذلك ستتمحور أسئلتنا بصدد الإستيتيقا بأبعادها الثلاثة حول الأسئلة التالية:

ما هو الفن ؟ ما هو العمل الفني ؟ ما هو الجمال؟ وما الجميل؟ ما قيمة الفن في حياة الإنسان؟ وما منزلته في الفلسفة و الوجود؟ وما دوره في التجربة الوجودية للإنسان ؟ وما مدى قربه أو بعده من الحقيقة كشكل من أشكال التعبير؟

  • المحور الأول: في ماهية الفن و العمل الفني:

سنحاول أن نجيب عن السؤال التالي:

أية علاقة للفن بالعمل الفني ؟ ما ماهيتهما ؟ وكيف يتحددان سواء في علاقتهما ببعضهما البعض أو في علاقتهما بالتجربة الوجودية للإنسان التي يرتبطان بها كتجربة متعالية؟

ما من شك أن الفن يحيل على ممارسة إنسانية توصف بكونها خلقا وإبداعا وهي تجربة ضاربة بجدورها في باطن النفس الإنسانية وفي ماهية الحقيقة التي هي عين الوجود وعين تلك التجربة بالذات . إلا أن الفن يظل مع ذلك فعلا لا يفصح عن نفسه إلا مجسدا في أشكال فنية نصطلح عليها بالعمل الفني , هذا الأخير لا يخلوا بدوره من ازدواجية فهو يرتبط من جهة بالحدس لكونه لا يحيل مباشرة على الشخص الذي أنجزه ولا على ظروف وتاريخ إنجازه بقدر ما يحيل على قيمته ودلالته ومعناه وعلى ما يصلح له كما يقول موريس بلانشون في “كتابه الفضاء الأدبي” أي أن ما يمجده العمل الفني ويحيل إليه هو العمل الفني نفسه والفن الذي أمسك به مجتمع به أو تجمع فيه. إلا أن هذا الطابع الرمزي و المثالي و الدلالي للعمل الفني , لا يحول دون القول أنه يرتبط بالحواس خاصة حاستي السمع و البصر، ذلك أن الفن يتخذ بالضرورة من العمل الفني شكلا ماديا يتجسد حسيا، بمعنى آخر إن الفن لا يتحقق إلا في العمل الفني الذي بواسطته يتجسد في العالم  فهو يتجسد في موضوع أو حدث فيزيائي ما متلما يتجسد الشخص الإنساني في الجسد .

إن ماهية العمل الفني وهويته والحالة هذه ترتبط دائما بهوية وماهية الموضوع الفيزيائي الذي يجسده ،هذه العلاقة الوطيدة بالفن بالعمل الفني ، لا تحول دون تمايزهما واختلافهما إذ لا يكون هناك وصل إلا بقدر ما يكون هناك فصل ذلك أن الفن ظاهرة عارضة وطارئة تتجاوز نطاق الأعمال الفنية ،فأن تكون فنانا ليس معناه أن تعمل دائما على إبداع أو صنع شيء ما و إنما أن تنخرط في مشروع تقافي يسهر على اقتراح أعمال فنية وعلى تتمينها . ذلك أن تمة سياقات ثقافية واجتماعية هي التي تحدد ما يكونه الفن وما ينبغي أن ينتمي إليه كما تحدد دلالاته ومعانيه ،لاسيما وأن الفن في عالمنا المعاصر قد أصبح أوسع من مجال الخلق و الإبداع الفني ، إلى درجة أن كل مزحة عن الفن كما يقول أحد الدارسين يمكنها بدورها أن تتحول إلى عمل فني وتصبح جزءا من العمل ذاته.

إن عالم الفن يمتد ليشمل الممارسة الفنية وما تنتجه من عمل فني ويتجاوزهما في نفس الوقت , نحو ماهية الوجود و الحقيقة , لكنه يظل في جميع الحالات مرتبطا بمجموعة من الأنساق والنظم والخلفيات المرجعية و المؤسساتية التي تسمح بإضفاء طابع العمل الفني على الموضوعات التي ينبغي لها أن تنتمي إلى عالم الفن ،فالمسرح والنحت و الأدب و الموسيقى … هي نظم و أنساق ومؤسسات اجتماعية علما أن تمة أنساق أخرى يمكنها أن تنضوي تحت اسم الفن كمفهوم عام , وهي أنساق لا حصر لها  وأن كل نسق عام وشامل يتضمن بدوره نظما إضافية أخرى تمكن من استقبال الأنشطة الإبداعية الأكثر نشاطية وغرابية وائتلافها واحتواءها , إذن من الممكن أن ينضاف نسق جديد كلية , إلى نسق قديم شبيه به متل النحت الذي يوظف المخلفات الصناعية إلى درجة أن هذه البدع قد تتحول بدورها إلى نظام ذي سلطة خاصة يتحدد بموجبها ما ينبغي اعتباره عملا فنيا , هكذا يكون النشاط الإبداعي الجدري وروح المغامرة و الحيوية الفنية شيئا ممكنا في قلب مفهوم الفن رغم أن هذا الأخير كمؤسسة يظل في جميع الحالات محددا بواسطة الشروط الضرورية الكافية لجعله منغلقا على نفسه.

يتحدد الفن إذا بأبعاده الاصطناعية Arte factuality الاصطناع وبحوامله الموضوعية بتجلياته الحسية ومنزلته المؤسساتية وسياقاته الاجتماعية و الثقافية ،ورغم طابعه المؤسساتي ومساطرها وإجراءاتها الصارمة فهو يقبل مع ذلك النزق و الطيش و العجائب و الغرائب و الفانتازيا دون أن يفقد مع ذلك جديته وهدفه ومسؤوليته، لأن الفن يقتضي بالدرجة الأولى القصدية الإنسانية التي لا يكون الأثر المادي المجسد كعمل فني سوى تعبيرا عنها حتى وإن غاب افتقار العمل الفني إلى الخلق و الإبداع ،متل قيام معرض بدون معروضات أو عرض لوحات من إنجاز القردة والخلق و الإبداع الذي يجسده مفهوم الاصطناع صفة قد تخلع على الموضوعات في بعض الأحيان دون أن تكون نتيجة المجهود الذي انصب عليها ,إذ يكفي أن تحظى هذه الموضوعات أو المنتوجات الفنية بالتثمين وترشح للترويج هكذا تصبح موضوعات الطبيعة نفسها أعمالا فنية رغم كونها لم تكن موضوعا لعمل الفنان خصوصا وأن كل ما هو مرئي أو مسموع يمكن النظر إليه جماليا أي تأمله بهدف التعرف على خصائصه الجمالية .

إن خاصية الاصطناع و الخلق والإبداع ليست ضرورية دائما لتحديد ما يكونه العمل الفني لكنها تكون في حالة العمل الفني الصادر عن الفنان شرطا ضروريا لتعريفه إلى جانب الخصائص و المفاهيم الأخرى وهي:

  • أولا: ارتباطه بالمؤسسة و بالسياق الاجتماعي و الثقافي سواء أكان عملا فرديا أو جماعيا: )الرقابة(.
  • ثانيا: كونه يتصنع بمنزلة اجتماعية تجعله قابلا لأن يرشح من أجل التتويج كعمل فني.
  • ثالثا: يتم تتمينه.

إن الفن و الحالة هذه متله متل الفلسفة ظاهرة ثقافية وكل عمل فني خاص يتوقف في جانب كبير منه على المؤسسة الفنية و السياق الثقافي و الاجتماعي الذي ينقل رسالته ويتداولها إلا أن الأهم في كل هذا هو أن هذه الرسالة التي ننقلها ونتداولها اجتماعيا وثقافيا هي بمثابة فكرة تم حدسها ،”التجربة المتعالية وتجسيدها فنيا بواسطة العمل الفني” , هذه الفكرة التي أساسها الحدس و التي هي بمثابة تجربة جمالية لا يمكنها أن تكون موضوع الفن وحده مادام أن العمل الفني لا يتحدد بخصائصه التي تحدد ما يكونه هذا العمل الفني أو ذاك وإنما انطلاقا من التجربة الجمالية التي هي تجربة إنسانية متعالية أي وجودية.

نفهم إذن لماذا لا يكون موضوع الإستيتيقا التي تعالج موضوع الفن , تحت مسمى التجربة الجمالية هو وحده موضوع نظرها وتفكيرها ،أي أنها تتجاوز الفن إلى كل ما من شأنه أن يعبر عن هذه التجربة الجمالية مادام أن كل شيء يمكن النظر إليه جماليا ومادام أن الجمال كيفية نعتر عليها في الفن وفي الطبيعة على حد سواء.

إن هذه الازدواجية التي يتميز بها الفن كما العمل الفني هي ما يجعل منهما وجهان لعملة واحدة في التجربة الجمالية بوصفها تجربة إنسانية متعالية إنها التجربة التي تعطي للعمل الفني دلالته ورمزيته وتجعل منه هدفا في حذ ذاته الشيء الذي يضفي عليه طابعا روحيا يتجلى في بعده المادي ،لهذا السبب نفهم لماذا اعتبر “كروتشه” أن الحدس نتاج الفن.

إن الحدس هو أساس الفن ذلك أن الحدس هو يتصف أيضا بالازدواجية باعتباره حدسا حسيا لموضوعات العالم المادي من جهة ولكونه يتم انطلاقا من الذات كتجربة وجودية واعية بذاتها ولا تنشد غير ذاتها لهذا السبب، نفهم لماذا صح القول “إن الحدس لا يكون إلا حدسا غنائيا أي فنيا ولماذا يكون الفن واقعة روحية قبل أن يكون واقعة مادية .”

إن الحدس من باب النظر لا العمل أي من قبيل التأمل لذلك لا يجب تصنيفه كفعل نفعي لأن هذا الأخير يروم الوصول إلى اللذة وتجنب الألم أو بالأحرى ،إن الفن لا شأن له باللذة علما أنه صورة خاصة منها أي كما يقول كانط “إن الفن ممتع في ذاته أو بالأحرى هو ممتع لأنه جميل وليس جميلا لأنه ممتع “كما أنه ليس فعلا أخلاقيا لأن الحدس من حيت هو فعل نظري يتعارض مع كل ضرب من كل ضروب التأثير العملي ،كما أنه متخلص وحل من كل تمييز أخلاقي فهو ليس نابعا من الإرادة , يضاف إلى هذا أن اعتبار الحدس من حيت هو عين التجربة الوجودية الفنية المتعالية للإنسان هو أساس ومنبع الفن، و العمل الفني يعني بالضرورة أنه بعيد كل البعد عن المعرفة المفهومية ، أي أنه فكر بدون مفهوم، بخلاف الفلسفة التي تسعى في صورتها الخالصة إلى أن تكون واقعية وعلمية وهو مالا يتأتى لها إذا اعتمدت جهازا مفاهيميا معينا.

إن الفن كحدس يرتفع فيه التمييز بين الواقع و لا الواقع أي بين الحقيقة والوهم كما سيقول نيتشه ،لأنه تعبير في العمق عن التجربة المتعالية التي هي تجربة صوفية ومثالية ،هذه الصفة المثالية هي الميزة والخاصية الأساسية التي تميز الفن بما هو كذلك وبهذا الصدد يقول كروتشه: “إن الفكر ما أن يتجرد من صفته المثالية  هذه حتى يتبدد الفن ويموت في الفنان الذي يتحول إلى مجرد ناقد )المفهوم( ويموت في المشاهد الذي يصبح مجرد ملاحظ للحياة في حالة وعي بعد أن كان يلاحظها في حالة وجد. أي منخرط في التجربة”

إن حالة الوجد هذه التي توجد في أصل العمل الفني هي التعبير الحقيقي و المظهر الفعلي للتجربة الوجودية المتعالية التي تتحدد في العمق بوصفها تجربة صوفية.

لهذه الأسباب مجتمعة يلخص “موريس بلانشون ،تصوره لماهية الفن و العمل الفني ولعلاقتهما بمفهوم الجمال و الجميل كما يلي :”إن للعمل الفني هدفا وليس هذا الهدف هو هذا الهدف نفسه “فهو ليس وسيلة أو طريقة لممارسة الفكر بل هو الفكر عينه الذي ليس بشيء إذا لم يكن عملا فنيا .

فما هو العمل الفني؟

إنه اللحظة المتميزة التي تصبح فيها الإمكانية قدرة حيت يصير القانون و الشكل الفارغ الفقير إلا من لا التحديد ولا تعين، وحيت يصير الفكر يقينا بهذا الشكل المتحقق وهو هذا الجسد المتعين في الشكل وهذا الشكل الجميل الذي هو بمثابة جسد جميل. إن العمل الفني هو بمثابة فكر أي حدسه والفكر هو انتقال في العمل الفني من اللامعين مطلقا في أقصى حالاته إلى المتعين إلى أقصى حد, انتقال فريد من نوعه ,لا يكون واقعيا إلا في العمل الفني الذي لا يكون أبدا واقعيا ومنتهيا باعتباره ليس إلا إنجازا ،لما في الفكر من لانهائي , حيت لا يشكل العمل الفني بالنسبة له سوى مناسبة للتعرف على ذاته وممارستها بشكل لا محدود ولا متعين إنه عود على بدء”

2(المقاربة الأرسطية للفن:

إذا كانت الفلسفة الأفلاطونية تمثل بحق، أول فلسفة في الجمال وأول نظرية متكاملة في الفن مؤسسة تأسيسا نظريا ومعرفيا ومنهجيا محكم البناء التي تأسست انطلاقا منه وبنيت على أنقاضه صرحها الفلسفي و فكرها المذهبي، فسقراط لم يؤسس للعقلانية وللتفكير العقلاني إلا على أنقاض الفن الذي سعى إلى هدمه باعتباره منافيا للعقل ومضرا به وبعيدا عن الحقيقة التي هي دقة الحكم وصواب النظر و القياس و البرهان . ومعلوم أن الفن الذي أبعده أفلاطون من دائرة العقل و المدينة الفاضلة التي هي المدينة العاقلة على أساس أن الإنسان الفاضل هو الإنسان العاقل , كان ممثلا في الشعر لاسيما وأن هذا الأخير هو ماهية كل الفنون التي تنحل وترد إليه باعتبارها عملا شعريا في عمقها وماهيتها على نحو ما يوضح ذلك أفلاطون في محاورة المأدبة على لسان العرافة “تيودين” التي تقول مخاطبة سقراط: “إن الشعر كلمة ذات معاني مختلفة وأنها تعني بصفة عامة كل فعل يعمل على نقل شيء ما من اللاكينونة إلى الكينونة أي يخرجه  من العدم إلى الوجود بحيث تكون كل الإبداعات في كل الفنون شعرا وكل الفنانين في كل الحرف و المهن شعراء ومع ذلك تضيف أن من جميع ما هو شعري ، وحده الفن الذي يعتمد على الموسيقى و الوزن قد حمل اسم النوع بكامله” فإن الفلسفة الأرسطية التي ورتت عنها الطابع العقلاني الصارم والمذهب النسقي المفهومي للتفكير الفلسفي كبناء نظري علمي لم تخل هي أيضا من مقاربة الفن والجمال لا سيما بالنظر إلى  كتاب الشعر الذي يتضمن أهم الأطروحات في هذا الموضوع وبإمكاننا أن نتعرف من خلال هذا الكتاب على ماهية الجمال والجميل وعلى ماهية الفن ودوره في بلوغ الحقيقة ومقاربتها والتعبير عنها ومن تم على منزلته وأهميته ، لا بالنسبة للفلسفة فقط وإنما أيضا بالنسبة للتجربة الإنسانية الوجودية والمتعالية . فأرسطو وبخلاف أفلاطون وكما ذكر ذلك هيدغر في مقالته “رسالة في النزعة الإنسانية” “سيعتبر أن الشعر أنجع مقاربة للحقيقة من التحري المنهجي الموجود. ” أي أنه سيعترف للفن بكامل الأهمية وإن كان يقر على غرار أفلاطون بأن ماهيته هي المحاكاة وذلك أن للمحاكاة عنده معنى أشمل وأوسع بل وأعمق من المفهوم الأفلاطوني لها بوصفها مجرد استنساخ وتقليد براني وبئيس للحقيقة أو للطبيعة، فأرسطو كما يقول أحد الدارسين ، لا يعارض في كون الفن محاكاة ، إلا أنه يرد لها الاعتبار ويعتبرها طبيعية وحقيقية ، فالفن بالنسبة لأرسطو ليس جهلا ولا خداعا وإنما فعالية مطابقة للطبيعة أي أن المحاكاة طبيعية بالنسبة للإنسان ، ومن الطبيعي أن يجد لذته فيها، إذ ينبثق الفن من عفوية طبيعية ما قبل فنية ، بحيث ينتج حقلا خاصا به لا يقل أهمية وقيمة عن مستوى الطبيعة إلا أن محاكاة الفن للطبيعة ، لا يعني إعادة نسخها وإنتاجها وإنما تعني القدرة على  منافستها وعلى الإنتاج مثلها ،إن لم نقل أفضل منها ، إنها أي المحاكاة نمط إنتاج مستقل مماثل للإنتاجية المبدعة لأشكال الطبيعة. إن صيغة الفن يحاكي الطبيعة تعني حين ينتج مثلها يكون قادرا على تجاوزها وعلى القيام بما لم تستطع هي القيام به.”

إن الفن كمحاكاة يستمد أهميته من كونه لا يقول فقط ما هو كائن، وإنما يتعدى ذلك إلى قول ما كان وما ينبغي أن يكون، بحيث أنه يتجاوز حدود الطبيعة ويتفوق عليها. فالإنسان الذي زودته الطبيعة باليد والتي هي أقوى الأسلحة كما يقول أفلاطون يستطيع أن ينتج من الفنون ما يكمل به الطبيعة ويقومها، وهكذا تكون المحاكاة خلقا وإبداعا. إنها فعل إنساني يتماهى مع ماهية حقيقة الوجود التي تتعالى على الطبيعة ، لذلك كان الشعر كما يقول أرسطو وما يسري عليه هنا يسري على الفن بصفة عامة “أسمى مقاما من التاريخ وأوفر حظا من الفلسفة ، لأنه يروي الكلي بينما التاريخ يروي الجزئي . والكلي هو وجه الاحتمال والضرورة معا.” بهذا المعنى يكتسب الفن منزلة وأهمية كبرى ويحتل منزلة أسمى ، لا تقل أهمية عن الفلسفة والتاريخ والعلم في المعرفة ، إن لم نقل كما قال أرسطو، بأنه يتفوق عليهما متلما تتفوق المحاكاة في الفن عما هي عليه في مجال الطبيعة ،أو على الأقل لا يمكنه أن يخضع لمعايير المفهومية ذات الطابع العلمي ، لأن معيار التقويم كما يقول أرسطو ، ليس واحدا ، لافي السياسة ولا في الشعر ولا في سائر العلوم، هكذا يكف الفن على أن يكون جهلا كما عند أفلاطون ليصبح معرفة أرقى وتوسيعا لمجال الإدراك ، ذلك أننا في العمل الفني :”نشعر باللذة بشكل طبيعي ، أمام  محاكاة الرسم و النحت والشعر… وأمام  كل موضوع تم تمثيله بوفاء حتى وإن كان هذا الموضوع غير جذاب في حذ ذاته”

وفي هذه الحالة فنحن لا نشعر باللذة تجاه هذه الأشياء في ذاتها وإنما نشعر بذلك لأننا نماثل فيما بينها وبين صورها عن طريق نوع من الاستدلال القياسي فننمي بذلك معرفتنا ، وبالتالي فاللذة هنا لا تكون مجرد إحساس أو وهم بقدر ماهي إشباع يصاحب الحكم الذي نكتشف به مطابقة وتشابه العمل الفني بما يمتله.

إن الفن إذن ، مجال للمعرفة بقدر ما هو مجال للمتعة واللذة أو بالأحرى إنه مجال للانبهار بجمال القدرة على المحاكاة كخلق وإبداع ولا كاستنساخ . فهي محاكاة “لا تقتصر على تمتل الأشياء الطبيعية بل تستند إلى معرفة حقة مادام يحق لنا أيضا أن نحاكي الكيفية التي تبدوا عليها الأشياء ،أي أن نحاكي ما هو افتراضي وما يمكن أن يكون عليه الشيء ، أي ما هو نموذجي ومتالي ، فالمتعة الجمالية تنتج عن معرفة الموضوع الذي تمت محاكاته ولا تهم طبيعة الموضوع.

إن مهمة الفنان كما يقول أرسطو متحدتا عن الشاعر ليست هي رواية الأمور كما وقعت فعلا بل هي رواية ما يمكن أن يقع و الأشياء ممكنة، إما بحسب الاحتمال أو الضرورة ذلك أن المؤرخ والشاعر لا يختلفان في كون أحدهما يروي الأحداث شعرا و الآخر نترا وإنما يتميزان من حيت أن أحدهما يروي الأحداث التي حدثت فعلا بينما الأخر )الفنان( يروي الأحداث التي يمكن أن تقع وهنا يتجلى واضحا أن الفن يقدم معرفة لا يمكنها أن تكون موضوعا لغيره من المعارف ، مما يجعله يسموا على كل أنماط التعبير ، وأشكال المعرفة الأخرى ، لاسيما إذا أخدنا بعين الاعتبار كما يقول أرسطو “أن المستحيل المقنع أحسن من الممكن الذي لا يقنع “.

بالإضافة إلى هذا الطابع المعرفي المميز للفن و الخاص به دون غيره من المعارف هناك ميزة أخرى لا تقل أهمية وهي أنه )الفن( بقدر ما كف على أن يكون جهلا وزيفا وضلالا كما عند أفلاطون كف كذلك على أن يكون رذيلة، ذلك أن الفن عند أرسطو فضيلة وهذه الفضيلة هي اسهامه في تطهير النفس من النوازع الشريرة والغرائز العمياء ، وهذا التطهير هو أيضا من عمل المحاكاة ونتيجة لها وحسنة تضاف إلى حسنتها السابقة أي المعرفة ، ذلك أن التطهير لا يتم إلا بمحاكاة ظروف ملائمة ومماثلة لتلك التي تتار فيها الانفعالات في الحياة الواقعية.

هكذا أصبحت المحاكاة من حيت هي ماهية العمل الفني وتجلي للجمال في الجميل مصدر قوة الفن ورفعته وسموه وليست مصدر ضعفه وانحطاطه ودونيته كما عند أفلاطون.

إن المحاكاة هنا إبداع وخلق يتماهى بموجبه الفنان أي الإنسان مع الطبيعة ليسموا عليها ويتجاوزها في نفس الوقت.

إنها ليست استنساخا ولا تتم أصلا في العمل الفني بهدف تحقيق هذه الغاية. إن المحاكاة هي في حقيقة الأمر فعل يتماهى مع ماهية الحقيقة ذاتها ليعوض ما يشوبها من نقص وعوز إنه انعكاس الوعي على نفسه كحدس قبلي لفعل الحدس ذاته. فالفنان حتى وهو يستنسخ نماذج من الطبيعة لا يتحدث من خلال عمله الفني كما استنسخه بقدر ما يتحدث عما به ولأجله يتحقق فعل الاستنساخ ذاته ألا وهو الوعي بشروط التجربة المتعالية بما هي تجربة جمالية، تسمح بتجلي فكرتها عن ذاتها بوصفها تجربة وجودية، لذلك لم يكن الحديث عن ماهية الجميل أو العمل الفني لينفصل عن البحت في ماهية حقيقة الوجود ، لا يمكن أن يكون الفن والحالة هاته سوى صورة خالصة أو حدسا خالصا كما يقول كروتشه وهذا بالضبط ما سبق أن تجلى في النظرة الصوفية للفن عند أي أفلوطين.

3(المنظور الصوفي للفن الأفلوطيني:

لاشك أن الأفلاطونية ، ليست مجرد إحياء للأفلاطونية كما توهمنا بذلك تسمية الأفلاطونية المحدثة أو الجديدة ، بل إنها تتجاوز حدود وإطار الفلسفة الإغريقية كلها كما يؤكد ذلك “إميل بريهيه” الذي يعتبرها فلسفة ذات أصول شرقية ، فهي تكشف عن بعد صوفي ، يذيب كلية ،العقلانية الإغريقية الشيء الذي لا يمكن تفسيره إلا بالنظر إلى المستجدات الظرفية التي تجد أصولها في ظهور عوائد عقلانية جديدة مستمدة من نشأة معتقدات دينية جديدة ضاربة بأصولها في الشرق لا في الثقافة الهلنستية . ومما لاشك فيه ، أن أفلوطين قد تجاوز إطار الفلسفة الهلنستية من حيت أنه أحاط بها وعمق إشكاليتها بقدر ما تجاوز الفلسفة الأفلاطونية ذاتها لاسيما بالنظر إلى موقفه من الفن ومن العمل الفني ومفهومه لكل من الجمال و الجميل .

 فما هو هذا المفهوم ؟ وماهو هذا الموقف؟

من الواضح عند أفلوطين أنه يذهب شأنه شأن أفلاطون وأرسطو إلى القول بأن المحاكاة هي جوهر العمل الفني وماهيته ،إلا أن مفهومه عن المحاكاة يختلف جذريا ، عن المفهوم الأفلاطوني ويتجاوز المفهوم الأرسطي وإن كان يتأسس عليه ويقترب منه بالمعنى الإيجابي حيت  يعتبرها انكشافا لفعل الخلق والإبداع . وإذا أخدنا بعين الاعتبار أن جوهر الفلسفة الأفلوطينية ونواتها هو مفهوم الواحد التي تصدر عنه الموجودات وتفيض عنه الأقانيم من عقل وعالم معقول ، وعقول جزئية  ونفس كلية هي نفس العالم ، التي تفيض عنها نفوس الكواكب ونفوس البشر ونفوس الأجسام ، جاز لنا أن نقول بأن الجميل الذي يسطع في العمل الفني هو إشراقة هذا الواحد بالذات ، أي أن ماهية الجميل تكمن بالضبط في هذه الإشراقية ، بحيث يكون الجميل بهذا المعنى هو “التجلي الكلي ” لما لا ينقسم ويتعدد في ما ينقسم ويتعدد. إنه إذن هو ما يجعل الموجود موجودا، أي كينونته حيت يكون الجميل هو تجلي الواحد، باعتباره هو ما يتجلى في التجلي، هكذا يمكن القول:

“أن الجمال بمثابة صفة مخلوعة عن الموضوعات من قبل الماهية الأزلية والأبدية أو الطابع الثابت الذي يشع من خلالها , إن الواحد هو مصدر الصورة الفنية ومبدعها  وهو الذي يفيض بها على من ارتقت روحه من الفنانين , وخالق جميع الأشياء في نظر أفلوطين هو الفنان الأعظم الذي يخلع عن المخلوقات كل ما يسبب لها الجمال ويجعل منها أشياء جميلة”

ليس الجميل إذن شكلا معينا ومحسوسا وإنما هو ما به تتحدد الأشكال مادام أصله أقرب ما يكون من الأصل المطلق الذي هو الواحد. صحيح أن الجمال يتمثل على وجه الدقة في الصورة التي يضفيها الفنان على المادة ، لكن جمال الأشياء المادية إنما هو انعكاس للفكرة الإلهية عليها ، بحيث أن ما يسحرنا ليس هو صورة معينة للجمال وإنما الجمال الشامل والمطلق الذي يسمح بتجلي الجمال في العالم المعقول وإذا ما وجد الجمال في الطبيعة أو الفن فإن مصدره هو دائما الصورة التي تنسب لهذا العالم العقلي الذي منه يستمد الفنان الصورة الكاملة المعقولة التي تتشكل بها الطبيعة ،أي الجميل ليس فقط ما نراه وإنما أننا كوننا نراه. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الواحد الذي هو المبدأ الأول المتعالي و المجرد تجريدا مطلقا وغير القابل للإدراك من طرف أية تجربة حسية أو لأي إدراك عقلي يحدده والذي لا يمكن الحديث عنه أو تعريفه إلا بالسلب.

يصح هاهنا تعريفه وتحديده إيجابا بالقول إنه هو الجميل ذاته مادام أن الجميل هو إشراقته الوامضة التي بها يتجلى كل ما يتجلى بما في ذلك التجلي ذاته. إنه كينونة الموجود وما يجعله موجودا وما فيه من حميمية ومن بساطة ومن تملك ذاتي أصيل وأصلي.

كم نحن بعيدون أيضا ، عن الموقف الأفلاطوني من الفن رغم القاسم المشترك بينهما أي بينه وبين أفلوطين  ألا وهو نزعتهما المثالية. فليس الجميل هاهنا كما يعرضه الفن مجرد تقليد للمحسوس واستنساخا له، بل هو انكشاف للماهية وتجلي لها بشكل مباشر وجوهري أكتر من أي تجلي حسي. إنه البعد المقدس للوجود نفسه كما سيقول هيدغر فيما بعد، كما أنه موقف لم يرقى إليه حتى الموقف “الهيغيلي” الذي لا يقل عنه مثالية أيضا والذي سيذهب إلى القول بأن الجميل هو التجلي المحسوس للفكرة لأن الفكرة هنا هي التجلي للواحد وهي إشراقته ولمعانه وما فيه تكمن ماهيته حيت أن ماهية الجميل تكمن في هذه الإشراقة بالضبط. هكذا نجد أن أفلوطين وهو يضفي قدسية وأهمية على المحاكاة ويبوئها مكانة رفيعة في التجربة الوجودية المتعالية والجمالية للإنسان من حيت هي تجربة فنية شأنه في ذلك شأن الموقف الأرسطي فإنه مع ذلك يختلف عنه بالقول أن الجمال يكمن في البساطة لا في التركيب. هكذا وبخلاف المذهب الأرسطي الذي يرى أن النقد ينبغي أن يخضع لمعايير عقلانية، ضرورة توفر الوحدة العضوية في العمل الفني والتناسب في الأجزاء. والتآلف والانسجام بين العناصر  ، فإن “أفلوطين” يرى على العكس من ذلك أن الجمال ليس هو تناسب الأجزاء مادام أن الجميل لا يمكن أن يكون مركبا ومعقدا ولا ينعدم في الأشياء البسيطة ، كما لا يمكن أن يكون الكل هو الجميل وتكون الأجزاء قبيحة ، ففي عالم الأفكار جمال وهو عالم بسيط وليس مركبا.

 

شاهد أيضاً

روايــة “على فراش فــرويــد” للكاتبـة نـهــلـــة كــــرم

بُرهان شاوي انتهيت من قراءة رواية “على فراش فـرويد” للكاتبة الشابة نهـلة كـرم، التي كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *