خدعة التوزان

عادل الحسن الحسني – باحث في الإصلاح الديني

حين تفلس حججنا نهرب إلى الوسط، هروبا من التطرف في جانب، وهروبا من الحقيقة الجديدة المفزعة والمؤلمة الجديدة.

حين نُحرج من لحظة الاعتراف، نهرب إلى الوسط،لأنها الحقيقة، صارمة لا تعطيك أبدا جميع خيوطها و لا تستقر في رؤوس الكسالى والوثوقيين، لأنها ستهدم كبرياءنا، ولكي نخادع جمهورنا يجب أن نهرب إلى الوسط حيث لا يضرنا الإفصاح عن جزء منها ولا السكوت عن الاعتراف بها كاملة.

الحقيقة ملعونة لأنها لا تحابينا كل الوقت، نراقبها بحسرة وهي تنتقل من اليمين إلى اليسار، تهدم صورتنا المهيبة على يد فتى يافع أو فتاة متمردة خطفا عشق الحقيقة منا نحن اللذين ندعي قراءة في الكتب و نحافظ على علاقاتنا بطمس الحقيقة .. ويسيطر الخيار الذي لا يحركنا نحو التطور، الهروب إلى المنطقة المضللة؛ إلى الوسط . نخاف أن تهدم سمعتنا المعرفية والقيمية في أعين الأغبياء اللذين صدقونا دون التفكير فيما نقول، نخاف أن يكفروا بنا، والإيمان فقط بلحظة التفكير الرائعة ذاتها، ولأننا نخاف من خسارة الأغبياء، نهرب إلى الوسط، إلى ما نسميه توازنا. يقول بعض أصدقائي حين أنتقد رجال الدين و أنقد التراث الديني؛ اني رائع، لكن حين أسمي رجالهم وأضرب أمثلة بالقواعد الدينية التي يؤمنون بها ؛ يقولون لي بانفعال أني فقدت التوازن، يجب أن اكون معتدلا في الانتقاد! وأن لا أتطرف للجهة الاخرى! وقالبهم المعرفي يقول لهم أني في طريق الإلحاد، وهذا عامل كاف للخوف على أنفسهم من هذه الأفكار! كذلك صبأ المسيح في ذهن كهنة اليهود ومحمد في ذهن كهنة قريش ، وقبلهما موسى عند سحرة فرعون.

حين أكشف مثلا أن الريسوني والقرضاوي ومن على صورتها المقدسة في ذهن أجيال من المتدينين، أنهم يجعلون من الإسلام بقعة زيت فاسدة في وسط بحرالتنوع الفكري في العالم، أي دينا معتدلايقر بهذا بوجود هذا البحر و يعترف بالعلم والديمقراطية والقيم الكونية مبدئيا، لكن في نفس مقالاتهم وكتبهم وخطبهم يجعلون هذا الدين ومنتسبيه خارج التاريخ وفوق القوانين الخارجة من رحم الترقي الإنساني منذ آلاف السنين، العلم متوافق عندهم مع الدين (رغم تقادم الفكرة) وفي نفس الوقت يتعسفون في ضرب بعضهما ببعض وتغليب رأيهم المشفوع بمنبر الجمعة أو كتاب مصدر بخطبة الحاجة. إنهم مصرون على جعل الدين متوافقا مع العلم وكلهم قد يكون “عالما” في التراث الديني لكن يستحيل أن نحسم أن أحدا منهم فهم فكرة الخط الفاصل بين العلم والدين عند باشلارمثلا، والتي توضح حتى للأطفال (فطرة الفهم ) استحالة التوفيق بين العلم والميتافيزقا، ولأنهم مترفعون بما عندهم من ” علم ” فليس لهم النظر الكافي للإعتراف بنتائج هذه الكارثة، إنهم الآباء الروحيون لخدع الإعجاز الذي يظهر اسم الله أو رسوله في أماكن تافهة من الطبيعة، إنهم الراعي الروحي والفكري الجامد لمشعوذي الرقية والتداوي بالنصب والاحتيال، وإنهم المسؤولون الكبار عن إحساسنا الواهم بالمجد والشرف والقوة ونحن نقاوم إسرائيل ولا نرى هزيمتنا التي تتحقق كل موسم نواح من أجل فلسطين ، في الوقت الذي فصلت فيه اسرائيل بين الدين والعلم ورفعها العلم في المجالات، وقدمت واجهتها الدينية للإعلام ، لتعلن بفخر لحظة الانتصار، بينما ننتظر نحن شجر الغردق ليساعدنا في طردهم إلى البحر. تذكروا، أن هؤلاء الفقهاء هربوا من طرفي التفكير وتوجهوا نحو الوسط، فأرضوا بذلك غرورنا الديني اتجاه اليهود وفي نفس الوقت حافظوا على لمعان انتمائنا إلى العصر برفضهم شكلا الفكرة السلفية الصريحة:

أن العلم يجب أن يُلغى أمام النص. كتب أحد الباحثين المتدينين مقالا بعنوان “القلوب الإسفنجية”، إنه آخر ما قرأت من “الدراسات” والمقالات والكتب التي تنادي بنداء غاضب ، أن إرجع للوسط أنت تناقش الدين. وإذا كنتُ أمينا في نقل خلاصة مقال الباحث فإنه يرى أن اللذين يثيرون “الشبه” الدينية قلوبهم ضعيفة من الإيمان وأن هذا الدين بتراثه أقوى من شبه هؤلاء! الملفت في المقال أن الباحث لم يرتفع بسقف استدلالاته عن حجج ابن تيمية وابن القيم، أي الجزء الضيق الذي تستعمله السلفية المعاصرة من الحكمة البشرية التي تشمل مئات الفلاسفة والمفكرين اللذين قادوا أممهم فعليا للمجد عكس هذين الإثنين ، ثم يختم حججه بمقطع منقول يفيد نفس الفكرة التي تعبر عن الهروب لملجأ الوسط: أن ارجع إلى الوسط إلى التوازن! لن يستطيع التساؤل عن صحة الفكرة، لكن يكفي أن تكون مؤلمة لكي تكون مرعبة ترجعنا للوسط، المقال عينة من الألم الذي يعبر عنه المسلم المؤدلج لمواجهة الأسئلة التي فاقت مداركه المحدودة في التراث والكتابات التي تجتر التراث. إن التوازن والإعتدال يتحقق بالتعلم والتفكير والاجتهاد وليس التموقع الآمن في الوسط بين طرفين، الطرف الجديد منهما سيء فقط لأنه جديد ومؤلم؛ حين يكثر الظلم ندفعه بجهدنا إلى أن يستتب العدل وهنا يتحقق التوازن وليس الهروب إلى منطقة وسط تهرب إليها خوفا من إغضاب الله؛

إله الفقهاء، التخويف الذي صنع به الفقهاء منطقتهم المقدسة و أخضعوا له الأمة وحجبوا بها كل حكمة العالم.

في نقدنا للتعاطي مع قضية القدس أو نقد كتب التراث أو التأويل السائد للدين فإن منطقة التوازن أو الوسط هي التي ترفع الظلم عن المرأة وليس اتخاذ موقف وسط بين ضربها ضربا مبرحا أو ضربها رمزيا، منطقة التوازن هي حين يعيش المسلم و زاده الحقيقي في هذا الوجود هو جهده وأخلاقه وعقله وليس كونه مسلما فوق العالمين، التوازن يتحقق بأن يرمي الفلسطينيون كل الأوهام الأيديولوجية التي جعلتهم ضعافا أمام محتليهم والتسلح بالعلم الحقيقي والحضاري ليكونوا أندادا لخصومهم . التوازن أيها السادة يتحقق بالفعل والمبادرة ، وليس أن نحدد منطقة آمنة بين تطرفين على خط لانهائي يسمح بالتضليل ثم تتهمون من تبنى بشجاعة الرأي الواضح ويتحمل مسؤوليته فيه بعيدا عن إقحام الله تعالى.

شاهد أيضاً

فرقة مسرح تافوكت: أولى جولات أوبيريت أرﯕانة

كوة: خاص بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية و بتعاون مع المسرح الوطني محمد الخامس. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *