جديد
الرئيسية / منتخبات / عامة / الوحدة الثقافية العربية إنجاز كبير يحب الحفاظ عليه – وجهة نظر

الوحدة الثقافية العربية إنجاز كبير يحب الحفاظ عليه – وجهة نظر

رسلان جاد الله عامر – سوريا

أول ما قد يتبادر للذهن عند قراءة عنوان هذه المقالة هو أنها مقالة “عروبية” تقليدية، تروج كالعادة لأطروحات الأمة العربية الواحدة، والوحدة القومية العربية، لكن بعيدا عن هذا الطرح بكل ماله وما عليه من الناحية السياسية التي فشل فيها فشلا ذريعا لأسباب عديدة لسنا بصدد الخوض فيها الآن ، فما سنركز عليه هنا هو الوحدة الثقافية، وهي الحسنة الوحيدة التي لعب  المشروع العروبي دورا يحسب له في صنعها!

نحن اليوم من المحيط إلى الخليج، نستطيع أن نقول – بالرغم من الاختلافات المتعددة والمتنوعة في البنى والبيئات الاجتماعية المتواجدة على امتداد هذه المساحة الشاسعة- أننا تمتلك حالة من الوحدة الثقافية على مستوى الأدب والفن والفكر، وبالأخص على مستوى الكتابة!

وهذه الوحدة عمادها ثلاثة عوامل أساسية، وهما وجود لغة مشتركة، وهي العربية الفصحى، وحصرا الفصحى، وثانيهما التشابه الاجتماعي بين شعوب هذه المنطقة- بالرغم من خصوصياتها واختلافاتها- في الكثير من الصفات والظروف الاجتماعية المتشابه، وثالثها هو اشتراكها بدرجات بشكل عام في تاريخ عربي إسلامي موحد يمتد على مدى أربعة عشر قرنا تقريبا!

هذه الوحدة الثقافية هي إنجاز جد كبير، ويجب علينا جميعا العمل على الحفاظ عليه وإغنائه، وبالطبع هنا سيطرح سؤال لماذا؟ وهو سؤال مشروع، فعند المطالبة بالحفاظ على شيء ما، فيجب إثبات أن هذا الشيء قيم ويستحق الديمومة والتطوير، وأول مطعن ستتعرض له الثقافة العربية المعاصرة سيكون هو دعوى أنها ثقافة جهل وتخلف وتعصب رثة، ويجب التخلص منها وليس الحفاظ عليها!

لا أحد ينكر كارثية ورثاثة الواقع العربي، ولكن ليس الثقافة، فالثقافة التي نتحدث عنها، وهي موجودة، هي ليست المذنبة في هذا الواقع الذي لا يسمح لها بالنمو والتطور، وليس العكس! والثقافة التي نتحدث عنها هي ذلك الكم الكبير من المفكرين والأدباء والفنانين القدماء والحديثين، على اختلاف ميادينهم ومستوياتهم، وهي ذلك الكم الكبير المتنوع والمتعدد المستويات فكريا وأدبيا وفنيا، وتلك الحصيلة المكتوبة بالعربية الفصحى الكلاسيكية أو الحديثة، وهذا كله يفهمه المغاربة والأفارقة العرب والمصريين، وعرب الهلال الخصيب والجزيرة، ويشعرون بأنهم ينتمون إليه وينتمي إليهم، وتسمية “عرب” لا تستخدم هنا بالمعنى القومي، بل بالمعنى الاجتماعي والثقافي!

وحين يكون المرء منتميا إلى مثل هذه الثقافة الممتدة على هذه السعة الجغرافية والكم البشري والعمق التاريخي، أفلا يعني له هذا معنى كبيرا، ويفتح أمامه المجالات الواسعة سواء كان قارئا أو كاتبا، أو باحثا أو فنانا، وإلى ما هنالك من مجالات الإنتاج الإبداعي والثقافي؟! بل وحتى هذا له قيمة عملية اقتصادية، فهذه الوحدة الثقافية تسهل بشكل عام على الكثيرين إيجاد فرص عمل في بلدان عربية غير بلدانهم!

هذه الوحدة الثقافية التي يشترك فيها اليوم أبناء الشمال الإفريقي ووادي النيل والقرن الإفريقي والهلال الخصيب وشبه الجزيرة العربية، هي عامل إثراء كبير لثقافة أبناء هذه المناطق، سواء على صعيد الثقافة كميدان إبداع إنساني وبناء حضاري ، أو على صعيدها كعامل علاجي في معالجة آفات التخلف، ونحن جميعا متشابهون في مشكلة التخلف ونعاني تقريبا من نفس الأعراض التي تعود إلى نفس الأسباب، ومن المنطقي هنا الكلام عن وحدة العلاج، وهذا العلاج يصبح أسهل على كل منا بوجود فضاء ثقافي واسع، يساهم فيه هذا العدد الكبير من الشخصيات والعناصر الثقافية، فالمصري يمكنه أن يستفيد من تجربة المغاربي، والمغاربي بدوره يمكن أن يستفيد من تجربة الإفريقي العربي، الذي يمكنه نفسه أن يستفيد من تجربة ابن الجزيرة أو ابن الهلال، وهكذا دواليك، ولاشك في أن هذا أفضل بكثير من انعزال كل واحد من هؤلاء وتقوقعه على نفسه!

هذه الوحدة الثقافية، تلعب فيها اللغة العربية المعاصرة دورا محوريا لا يمكن إلغاؤه أو استبداله، فهي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين أبناء المنطقة العربية المعاصرة، وهي الوسيلة الوحيدة للتواصل بين هؤلاء الأبناء وبين تاريخهم المشترك الذي يكود يبلغ ألفا ونصف ألف من السنوات! وبفضل هذه اللغة انصقلت حتى اللهجات العامية وتقاربت نوعا ما! وهي لغة ناضجة، على درجة عالية من التطور والتنظيم والثراء، وهي تتفوق بأشواط على كل العاميات المتواجدة على الساحة العربية، وهي عاميات ما تزال بعيدة بعدا تاما عن مستوى التحول إلى لغات، وسيحتاج تحويلها إلى لغات إلى جهود جبارة وأوقات كبيرة، وإن تم ذلك فرضا فماذا سنكون قد أنجزنا؟!! عندها سنجد أننا بعد كل هذا التعب والوقت المستهلك قد استبدلنا لغة بلغة أخرى، لغة محلية منعزلة، وليس ثمة أي ضامن بأن أصحابها عندما يستخدمونها  لن يلاقوا في تعلم قواعدها نفس الصعوبات التي يلاقونها في تعلم الفصحى، كما أنه ليس من ضامن في أنهم سينجحون أكثر فيما لو تم استخدامها لغة تامة للتعليم والتثقيف، وأصبحت لغة المناهج الدراسية والإعلام والنشر المكتوب!

صحيح أن اللهجات العامية اليوم تستخدم على نطاقات واسعة وفي شتى المجالات، ولكنها هي نفسها تستند على الفصحى، وهي في الأوساط الثقافية والعلمية والإعلامية “عاميات مفصحة”، وهي حتى الآن ليست لغات كتابة، ولا تستطيع أن تكون كذلك فهي ليست لغات بعد، إذ أنها حتى الآن غير منظمة قواعديا، ولا تقوم اللغة بدون قوعدة، ولا تقوم الكتابة بدون لغة حقيقية، والكتابة ليست مجرد فعل ميكانيكي يتم فيه نقل الأفكار من الدماغ إلى الورق، سواء كان هذا الورق تقليديا أم إلكترونيا، وكلنا نعلم  أن الكتابة هي ميدان قائم بذاته وله أسسه وضوابطه ونواظمه، وهي عملية فكرية جد رفيعة لانتاج النص المكتوب المنظم والمتناسق والثري!

ثمة اليوم هجوم واسع على اللغة العربية الفصحى، بعضه يشن بدوافع قومية غير عربية، وبعضه يشن بذريعة قصور الفصحى عن مواكبة العصر فكرا وعلما، وبعضه يشن لدوافع لا يعلمها إلا الله، ولكنه ما أنزل بها من سلطان!

وبالنسبة للاتهام الفصحى بالقصور أو العجز، فهذا كلام باطل، ولا يحتاج الأمر إلى عالم في اللغات للقول بأن قصور أو تطور اللغة هو أمر عائد إلى مستوى تطور مجتمعها وثقافتها، وكل لغة بحد ذاتها قابلة للتطور والتطوير في إطار عملية تطورية متكاملة، والفصحى على أية حال أقل قصورا- فيما لو أقرينا فرضا بقصورها – من كل اللهجات العامية، وفكرة استبدالها بلغات أجنبية فكرة خيالية، فتدهور المستويات التعليمية والتربوية العربية اليوم، وهذا أمر ليس عائد لاستخدام العربية الفصحى، سيجعل من تعليم وتعلم هذه اللغات أمرا محكوما بالفشل كغيره من مجالات العلم!

الفشل العلمي الذي نتخبط اليوم فيه ليس مرده استخدام العربية الفصحى، بل هو جزء من الفشل الكلي على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها! والفصحى بحد ذاتها متقدمة أشواطا على هذا الواقع، وهي اليوم تستوعب أفكار ونتاجات النخب العربية في كافة الميادين العلمية والفكرية، وليست لغة الشنفرى وعروة بن الورد وعنترة بن شداد، ولم تعد كذلك منذ أمد سحقيق، وقد استطاعت يوما أن تكون لغة العلم الأولى أيام ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، بل هي اليوم لغة كل  المفكرين والأدباء والمبدعين العرب في كل العالم العربي مشرقا ومغربا، شمالا وجنوبا!

فإن كنا حقا نتغيا التطوير الحقيقي، فعلينا تبرئة اللغة العربية كليا من تهمة عدم مناسبتها للتطور، لاسيما وأن اللهجات العامية هي واقعيا المستخدمة في الإلقاء والمحاضرة! ليست المشكلة قطعا في اللغة، وكل لغة بحد ذاتها قابلة جدا للتطور والعربية ليست استثناء! وما نحتاجه لهذا الغرض هو استراتيجية تطوير متكاملة، وبالطبع من الضروري فيها التركيز على عصرنة مناهج تعليم اللغة العربية نفسها وعصرنة نحوها، وعلى تعليم اللغات الأجنبية تعليما حقيقيا!

 

أما بالنسبة للشق الثاني من الهجوم، وهو المرتبط بالهجوم على اللغة العربية، بدوافع قومية غير عربية، فبدون أن أكون عروبيا ولا قوميا عربيا، أستطيع القول أن هذه أفعال شوفينية! وهذا تعصب لا يختلف عن تعصب القوميين العرب المسيّسين!

لدينا اليوم في سوريا مثلا من يرفع لواء “القومية السورية”، التي يدخل في عدادها كل الهلال الخصيب، وهو يريد إحداث قطيعة مع القومية العربية، لكن إن ابتعدنا قليلا فسنجد في لبنان من يرفض كلا من القومية العربية والسورية على حد سواء، ويحاول ترقيع عباءة جده الفنيقي، وهذا ما يفعله القومي المصري الباحث عن هوية فرعونية، والقومي الأمازيغي في كل من الجزائر والمغرب، والقومي الأفارقي في السودان والصومال، وهلم جرى! وبالطبع أكثرية هؤلاء القوميين يرى أحد أهم ركائز رسالته القومية هي محاربة العربية الفصحى، والمطالبة بالصوت العالي باستبدالها باللهجة المحلية، كون اللغات الأم لهؤلاء القوميين قد اندثرت كلغة الفراعنة أو انحصرت في زوايا ضيقة لا يمكنها مغادرتها، لتعود لغة جماهيرية كحال “السريانية” و”الأمازيغية”، وقد كان القوميون اللبنانيون هم السباقون في هذا المجال، وبجهودهم أصبحت اللهجة اللبنانية، التي لا يندر أن يسمونها بـ “اللغة اللبنانية” لغة شاملة في كثير من الأقنية الإذاعية والتلفزيونية، واليوم نجد مثل هذا المسعى في مصر، وفي الجزائر، حيث يهلل دعاة القومية الأمازيغية لقيام إحدى المحطات التلفزيونية بتقديم نشرات أخبار باللهجة المحلية، بل وحتى في دول الخليج نفسها!

منطقيا لا مشكلة بتاتا في استخدام العاميات في الإعلام، وهي هناك مستخدمة منذ فترة طويلة في الدراما والغناء وفي العديد من البرامج، وكما سلف الذكر هي أيضا تستخدم حتى في إعطاء الدروس في المدارس والمعاهد والجامعات! وهذا واقع قائم لا يمكن إلغاؤه، ولا مشكلة فيه، فاللغة سواء كانت فصحى أو عامية- وهذه صفات نسبية – هي وسيلة تعبير وتواصل وتفاهم، وبالتالي فالمطالبة العقيمة بإقصاء العاميات- عدا عن لا جدواها- هي سلوك تعصبي! لكن السعي أيضا لإقصاء اللغة الفصحى من حيث هي موجودة هو أيضا سلوك تعصبي! وهو لا يحقق أية نتيجة خيّرة لدعاته، فهو لا يتعدى كونه إرضاء لنزعاتهم العنصرية، أو حتى ربما يكون خلفه أجندات سياسية مغرضة، فمساعي استبدال الفصحى باللهجات المحلية ليست جديدة، بل أنها في كثير من الأحيان ترافقت بالسعي لاستبدال الحرف العربي باللاتيني بذرائع شتى!

القومية هي حق من حقوق الإنسان بالطبع، وله الحق بأن يُعترف بقوميته وأن يكون له ثقافته ولغته وتراثه وأعياده وهلم جرى! ولكن عند الكلام عن القومية والهوية القومية هل ثمة وعي واضح عند أصحابها بماهية المنطلقات القومية التي ينطلقون منها ويسعون إليها، أم أن الأمر لا يعدو كونه فورات عاطفية وردات فعل على فشل أو سوء تطبيق المساعي القومية العربية!

مما لاشك فيه أن الكثير من الحِراكات القومية غير العربية اليوم سببها فشل المشروع العربي!

وإذا تكلمنا بموضوعية، فهذا المشروع لم يقم على فراغ، ولم يفشل بسبب عروبته! فهو قام ولاقى قبولا على نطاق واسع في البلدان العربية نتيجة وجود أرضية اجتماعية قابلة للعروبة، وقد لعب فيها عاملا التاريخ والدين دورا أساسيا من ناحية، كما لعب فيها عامل “الحلم” دورا مماثلا، ففكرة قيام دولة عصرية تمتد من المحيط إلى الخليج بكل ثقلها البشري وتنوعها الجغرافي وغناها المواردي هي فكرة جد مغرية، وبالأخص إذا كانت مقترنة بإحياء تاريخ مشترك يقدم في صورة مجيدة عزيزة، ويرتبط ارتباطا جوهريا بالدين في بيئات جد متدينة، وهكذا اندفع أكثرية أبناء المنطقة العربية وراء هذا الحلم ببعديه البنائي والإحيائي، لكنه فشل، وجزء من فشله يعود بالتأكيد إلى افتقاره إلى العديد من العوامل الذاتية الضرورية، لكن الجزء الأكبر من أسباب فشله يعود إلى عوامل موضوعية داخلية وخارجية، وهذه العوامل ليست مرتبطة قطعا به، وهي أيضا أفشلت البدائل الأخرى المطروحة كالبديل الاشتراكي، والبديل الديمقراطي، وهي ما تزال موجودة، ولن يزيلها أي طرح قومي محلي اليوم، سواء في سوريا أو مصر أو الجزائر أو سواها! وعندما تفشل هذه البدائل، وهي اليوم حقيقةً بدائل ضعيفة الحظوظ حتى على مستوى الطرح الواقعي، والبديل الإسلامي المزعوم أقوى منها حظا بأضعاف مضاعفة، فماذا ستكون النتيجة؟ ستكون النتيجة هي انفضاض أنصارها عنها كما انفضوا سابقا عن المشروع القومي العربي، وعندها عن أي بديل سيبحث هؤلاء؟ ربما يمكننا الحلم بالبحث عن بديل ديمقراطي إنساني، ولكن الأرجح سيكون هو المزيد من التطرف الإسلامي!

العصبيات القومية، لا تحل مشاكل الواقع، وعلى القوميين المحليين، الذين يتبنون قوميتهم بدافع أصيل وليس كردة فعل أن يسألوا أنفسهم أولا، ماذا تعني القومية السورية، أو المصرية أو الأمازيغية أو الأفارقية أو سواها؟ وماذا تستطيع أن تقدم لدعاتها؟!

فإذا سألنا أي واحد منهم عن معنى قوميته وهل هي استجابة لمعطيات حقيقية واقعية، اما أنها تقوم على دوافع عاطفية وخيالية بماذا سيجيب؟!

فإن كان من نسأله قوميا سوريا، وسألناه عن واقعية سوريته الراهنة، هل ثمة لديه أية معطيات حقيقية تتحدد بها هذه “السورية”؟ فهو ليس لديه لغته السورية، وثقافته الحياتية وظروفه المعيشية لا تكاد تختلف عن ثقافة وظروف الجزائري والخليجي والسوداني وغيرهم من العرب؟ بالطبع ثمة خصوصيات في اللهجة وفي الفلكلور وفي بعض العادات والتقاليد، ولكن هذه الخصوصيات كلها نجدها بين منطقة وأخرى حتى ضمن سوريا نفسها، فهل سيقول لنا هذا القومي السوري: أنا سوري لأن جدي كان سوريا قبل كذا قرن أو كذا ألف من السنوات؟! حقا؟ من منا يستطيع اليوم أن يثبت من كان جده، وقد سكن أرض السورية العموري والكنعاني والآرامي والعربي والكردي، ودخلها اليوناني والروماني والتركي والقوقازي والأرمني وسواهم؟ ومع ذلك حتى لو كان الجد سوريا فأي رابط يربط سوري اليوم بجده السوري المزعوم، وهو لا يتكلم لغته ولا يحمل ثقافته ولا ديانته ولا عقليته؟!

نفس الكلام يمكن قوله للأمازيغي، فهو مشابه للسعودي وللعراقي وللسوداني أكثر بكثير من اختلافه عنهم، وأرضه التقى فيها جده الأمازيغي المفترض، والفينيقي والروماني والعربي والفرنسي وغيرهم؟ وكل ما يميزه اليوم هو اللهجة الأمازيغية وبعض الخصوصيات التقاليدية والفلكلورية!

وما قيل ينطبق على القومي المصري والأفارقي وغيرهما!

ومع ذلك من يصر على كونه أمازيغيا أو مصريا أو أفارقيا أو سوريا أو سواه، فله ذلك وهذا حقه! لكن ماذا بعد ذلك؟!

لنقل للقومي السوري: حسنا يا أخانا أنت سوري تماما! فهل إيمانك بسوريتك واعترافنا بها سيحل مشاكل المجتمع السوري، وستستيقظ غدا لتجد نفسك في دولة متطورة كروسيا مثلا؟!

وأنت أيها الأخ أو السيد الأمازيغي هل سيجعلك إيمانك بأمازيغيتك واعترافنا بك أمازيغيا مضاهيا للفرنسي في تطوره الحضاري مثلا!

كلنا نعرف أن الإيمان بالقومية والاعتراف بها لا يحل أية مشكلة من مشاكل الواقع! لكن هذا لا يلغي حق الإنسان بقوميته، ولكن هنا يجب أن ينتهي الأمر! وألا تقحم القومية في شؤون الدولة والسياسة، وألا يغالى فيها فتصبح تعصبا وتطرفا!

ويجب على كل القوميين غير العرب أن يعوا إلى أين ستقودهم طروحاتهم القومية، وماذا سيجنون من جرائها!

وهنا يجب التركيز من جديد على أهمية الوحدة الثقافية واللغة العربية!

فاللغة العربية اليوم هي ليست قطعا لغة قومية، فحتى في السعودية وبقية دول الخليج هناك لهجات محلية بعيدة بدرجة واضحة عن الفصحى! والثقافة العربية المعاصرة، والثقافة العربية الإسلامية والتاريخ العربي الإسلامي هي بدورها ليست قطعا قضايا قومية عربية، بل هي قضايا اشترك ويشترك فيها  الكثيرون من أبناء الأمم المختلفة، وبالتالي فكل من اللغة العربية والثقافة العربية العاصرة والإسلامية والتاريخ العربي الإسلامي هي أمور متجاوزة للقوميات!

وإن كان الأمازيغي والقومي السوري أو المصري أو الأفارقي أو غيرهم يرفض القومية العربية من منطلق قومي فهذا حقه! ولكن عليه الحذر من التعصب والتطرف القومي فهذا سيدفع به إلى مزيد من العزلة والتقوقع في قوميته الخاصة وسيضعه في كثير من الأحيان في حالة خصام بل وعداء مع القوميين الآخرين وأبناء القوميات الأخرى حتى في بلده نفسها!

العالم المتقدم اليوم يتخطى الأطر القومية التقليدية على كافة الصعد، وعلينا جميعا أن نسعى لبناء الدولة الوطنية الإنسانية الحقيقة، وأن نعالج جذور المشاكل وليس أن نهتم بالقشور أو نزرع المزيد من المشاكل، وكأن مشاكلنا الفائضة المستفحلة لا تكفينا!

وختاما يجدر القول لكل القوميين غير العرب عموما:

مع الاحترام الكامل لكافة حقوقكم القومية، فمساعي إقصاء أو إلغاء العربية الفصحى هي مساع شوفينية بالكامل! فما هي الغاية منها؟!! وما هي الفائدة التي قد تحققها؟! العربية الفصحى مفهومة من قبل الجميع، وإلغاؤها لا يقدم بتاتا أي شيء لأية ثقافة محلية، ولا يندرج إلا في إطار العصبية المحلية، وإرضاء الغرور والتطرف العنصري!

اللهجات المحلية موجودة والفصحى لا تهددها ولا أحد يسعى لإلغائها، ومن حقكم التمتع بلهجتكم، ولكن اللهجات المحلية لا يمكنها أن تكون بديلا تواصليا للفصحى، فلهجات المغرب هي مثلا بالنسبة للمشرق كاللغات الأجنبية تقريبا، والتخلي عن الفصحى سيجعلنا أغرابا بالنسبة لبعصنا البعض ويحدث بيننا قطيعة، وسنكون كلنا خاسرين عندها في الثقافة وفي غيرها من المجالات! فهل هذا ما تريدون؟! فإن كان ذلك هل هذا إلا عنصرية قومية!

دعونا نحافظ على اللغة العربية الفصحى، وليس من منطلق قومي عروبي قطعا، بل منطلق ثقافي، فهي وحدها تفتح أمامنا أفقا يمتد من المحيط إلى الخليج، ويمتد إلى 1400 سنة من التاريخ والإنتاج الثقافي المشترك بكل ما فيه من حسنات وسيئات!

وهي اليوم ليست لغة الأعشى ولا تأبط شرا ومن شابه!

فهي لغة أبو القاسم الشابي وعبد الله العروي ومحمد الجابري وأحلام مستغاني وفاطمة المرنيسي! ولغة جبران خليل جبران وإيليا أبوماضي وطه حسين وأحمد شوقي ونجيب محفوظ وحنا مينا ونزار قباني وبدر شاكر السياب وعبد الرحمن منيف وسعاد الصباح، وكل أمثالهم!

وهي اللغة التي نستخدمها اليوم ونتواصل بها بين المشرق والمغرب، كما نفعل الآن!

إن من حقكم أن تكوني قوميين أو أصحاب قومية!

ولكن حذار من التعصب، فهو يمسخ كل شيء جميل، ويضع القومية في حالة تناقض مع الإنسانية.. ويستعدي أبناء القوميات، ولا يقدم لأصحابه إلا الكراهية والحقد والصراع!

‏12‏/01‏/2018

 

شاهد أيضاً

اَلْصَّخْرَةُ المثيرة الملعونة

  بقلم: عمر بن أعمارة *هذا المقال كتب بمناسبة الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها تمثال …

2 تعليقان

  1. بعد التحية
    القومية السورية لا تدعي الى الغاء اللغة العربية , فالسوريون القوميون الاجتماعيون يعتبرون انهم حماة الضاد وسيف العالم العربي وترسه … اما عن موضوع الثقافة التي بدأتن مقالكم به فادعوك الى النظر بالنتائجها في مجتمعات العالم العربي من مشرقه الى مغربه … القومية العربية بدعة الانكليزي لاقامة وطن قومي لليهود في ارضنا السورية فلسطين وولحفاظ على مصالحهم في البحر المتوسط … اي ثقافة هذه التي تغيب عظمائنا الذين بنوا روما وقرطاج وقدموا للبشرية جمعاء اول مجتمع زراعي فصناعي واول تشريع واول حرف واول عجلة حياة ووو … اي ثقافة هذه التي انتجت اجيال العنف والبطش والقتل والتعصب الديني المقيت …
    عذرا نحن السورية لسنا عرب , فالعرب هم سكان العربة في الجنوب – شبه الجزيرة – من اتى منها وسكن بلادنا واختلط بنا اصبح منا تماما كأي بلد في العالم اتماما كالارمن والشركس …. اي منطق هذا ان نتنازل عن هوتينا السورية الضاربة في العمق التاريخ لاعراب جل ثقافتهم القتل والغزو والسبي والنكاح …
    ان الامم التي لا تتعلم من تاريخها محكوم عليها اعادته , فيجب علينا اذا كنا صادقين مع انفسنا وانتمائنا لارضنا ووطننا ان نعيد النظر بكل ما تم تلقيننا بعرب وعروبة وما شابه …
    اللغة الواحدة لا توحد الشعوب والامم ولا ثقافتها وعاداتها , فاذا نظرنا الى اميركا اللاتينية الناطقة بمعظمها بالاسبانية نرى دول ذات سيادة وانتماء ولا تشكل جزء من الامة الاسبانية ولا تشبه مجتمعها وثقافتها بشيء كذلك اميركا الشمالية وكندا وبريطانيا واستراليا …
    اللغة العربية لغتنا وبها نكتب اجمل الكلام ونتواصل بها مع مجتمعنا ومجتمعات اخرى ناطقة بها ولكن هذا لا يجعل السوري شبيه بثقافة العربي ولا المغربي شبيه بثقافة امة وادي النيل فلكل مجتمع ثقافته وتراثه وتاريخه وشخصيته التي يراد طمسه بوهم العروبة لغايات في نفوس الاغراب والاعراب …
    لتحي سورية امة الامم

  2. رد على السيد زيكار الحلاوي:
    المقال لم يتهم “السوريين القوميين الاجتماعيين” بأنهم يسعون لإلغاء اللغة العربية الفصحى، ولم يتوجه إليهم حصريا بالنقد. هناك من يسعى هذا المسعى من حركات قومية غير عربية أخرى، والمقال لم يخص بالنقد أي حزب أو حركة قومية حصرية سورية أو سواها، ونقد فكرة القومية السورية تم أسوة بالقوميات الأخرى، وذلك ليس بغاية نصرة القومية العربية، بل دفاعا عن حالة اجتماعية- ثقافية راهنة، تلعب فيها العربية الفصحى دروا أساسيا، وخير دليل على هذه الوحدة الثقافية وأهميتها، أننا هنا والآن نتحاور- ونحن مشرقيان- على موقع مغربي، فيكون حورانا مفهوما تماما لغة” وقضيةً، وهذه هي الوحدة الثقافية والاجتماعية التي يركز المقال على ضرورة الحفاظ عليها، وليس ثقافة شبه الجزيرة العربية حصريا!

    أما في ما يتعلق بالعرب والعالم العربي، فكيف يكون السوريون القوميون الاجتماعيون “حماة الضاد وسيف العالم العربي وترسه”، وبنظرهم وبنفس الوقت، ثقافة العرب هي “التي أنتجت أجيال العنف والبطش والقتل والتعصب الديني المقيت ” وهم ” أعراب جل ثقافتهم القتل والغزو والسبي والنكاح “؟!!!
    أليس في هذا تناقض فج لا يقبله أبسط العقول؟!

    ليس من العقل والضمير في شيء أن يحمل البعض مسؤولية الدمار الذي يجري في بلدانهم لشعوب الجزيرة العربية!
    وعلى أولئك – ومن بينهم السوريين- أن يبحثوا عن الأسباب الأساسية لهذا الدمار، وسيجدون المسؤول الأساسي عنها هي الديكتاتوريات السياسية الفاسدة التي دفعت بلدانهم إلى هذا الخراب.
    وعلى أولئك أيضا أن يكفوا عن تحميل شعوب شبه الجزيرة وزر السياسات المجرمة التي يقترفها حكام هذه الشعوب الديكتاتوريين بدورهم، كما آن لهم أن يخرجوا من حالة الاستعلاء المـَرَضي على هذه الشعوب والكف عن النظر إليها كبدو متخلفين!
    فهناك جوانب عصرية كثيرة سبق فيه الخليج وشيه الجزيرة المناطق العربية الأخرى!
    ومن المعيب على أي مثقف حقيقي الانحدار إلى ذلك المستوى من السذاجة الذي يقول فيه أن ثقافة عرب شبه الجزيرة هي ثقافة “القتل والنكاح”!
    هي لم تكن كذلك حتى قديما! فما بالك اليوم!
    وانا هنا لا أدافع عن عرب الخليج من منطلق قومي عربي، بل من منطلق إنساني واحتراما للثقافة والموضوعية، وللمنبر الذي أنشر فيه هذه الكلمات!
    وختاما أقول: من حق كل شخص أن يؤمن بالقومية التي يريدها، لكن لا أحد مخولا ولا مفوضا بأن يكون ممثلا للآخرين أو ناطقا باسمهم، ولو أجرينا اليوم إحصائية في سوريا حول من يعتبر نفسه سوريا (قوميا) ومن يعتبر نفسه عربيا ومن لا يبالي عماليا بالأمر، فالنتيجة بالتأكيد لن تكون في صالح “القومية السورية”.

    فلنكف عن هذه المهاترات، ولنسع جميعا لبناء الدول الوطنية الديمقراطية المتجاوزة للقوميات، فلا المشروع القومي العربي ولا المشروع القومي السوري ولا أي مشروع قومي آخر قادر على الرقي إلى مستوى المشروع الإنساني الوطني الحقيقي، وحين نتجاوز قرن هويتنا بقوميتنا، ونركز على هويتنا الإنسانية، سيغدو من السهل علينا أن نقبل بعضنا البعض عربا وسوريين ومصريين و مغاربة وأفارقة، ونقبل كل إنسان آخر، ونرى فيه صورة أخرى لإنساننا وشكلا آخر لإنسانيتنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *