الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / “ادغار موران”وجرأة” النقد”

“ادغار موران”وجرأة” النقد”

رضوان ايار

كاتب مغربي

أولا، دعونا نطرح هذا السؤال: لماذا الحديث والتفكير في/حول” النقد” اليوم؟ ولماذا “إدغار موران” بالتحديد؟

لابد أولا من القول بأن النقد لم يعد ضرورة فقط بل صار حقا.. صار حقاً لأن العيش المشترك لم يعد معطاً جاهزاً و شراً لابد منه بل صار فناً، حيث العيش المشترك صار يستلزم الفاعليَّة، يستلزم عودة الفعل والفاعل، المشاركة والإبداع وتصحيح المسارات بين الحين والحين.. و حيث ان حرمان الناس من الحق في الحساب والمحاسبة، والكشف والمكاشفة، و إرهابهم و تخويفهم من/ بعودة محاكم التفتيش، هو دفع بالناس نحو الإحباط والصمت، أو العنف أو اللامبالاة، و كل الأمراض الاجتماعية التي تهدم العيش المشترك.

ولا بد تانياً من القول بأن اختيار السيد “ادغار موران” ليس اعتباطيا، فالرجل فيلسوف وعالم اجتماع و ابستيمولوجي ومتعدد وكوني ومدافع شرس عن حق الناس في التفكير وفي تملك أدوات انتاج الموقف.. وفي النقد.

و سنحاول تقريبكم في هذه الورقة من ذلك/ من أهمية النقد كممارسة و كحق، و من أشكال النقد و الجرأة التي يرتجي السيد”ادغار”، و التي نرتجي لنا و لبلداننا لنرتقي، و ذلك من خلال العودة الى نصه حول مدرسة فرانكفورت.

أكد “ادغار موران” من خلال نصه الذي ضمنه كتابه حول”Mes philosophes” على انه تعرف إلى نظريات مدرسة فرانكفورت “ادورنو، هوركهايمر،ماركوز،…و البقية”في الفترة التي كان يدير فيها مجلة”Arguments”، أي ما بين 1957و1962 ، و هي ذاتها الفترة التي كانت فيها المجلة تسائل الفكر الماركسي، و ما أثار انتباهه حينها أنهم مارسوا النقد يمينا و شمالا، و لم يوقروا أحدا، كما أنهم حرضوا الطلبة و المهتمين بالفلسفة و العلوم الانسانية و الاداب و الفنون على النقد و النقد الذاتي، ما أثاره هو التالي:

أولا: أن مفكرين كبار من طينة أدرنو و هوركهايمر، بقدر ما كانوا يشتغلون و يفكرون من داخل الماركسية، و بقدر ما كانوا يحفظون جوهرها الجدلي و النقدي، بقدر ما كانوا في نفس الآن يجتهدون لتحريرها من الصنمية على مستوى المفاهيم و على مستوى المنهج،حيث لم يكتفوا بنقد النظام الاقتصادي، و بتفتيت ميكانيزمات تراكم الرأسمال، بل إنهم توجهوا نحو رمي رمح نقد”الاغتراب”و”الكليانية”و”العقلنة المفرطة في التقنية”-التي تقتل انسيابية الحياة الإنسانية-إلى أبعد الحدود، و بذلك فان مفكري مدرسة فرانكفورت كانوا في يومياتهم بصدد إعادة تقييم الفكر الماركسي، لقد مارسوا النقد و النقد الذاتيو “البراكسيس”في أبهى حلله،مارسوه إزاء مرجعيتهم نفسها،ذلك أنهم كانوا يعدون ورثة الفكر الماركسي لقد اعتبروا أن الأفكار الكبرى ملزمة بأن تناضل ضد العادات الفكرية و”البراديغمات” المهيمنة بمنطق الفهم الدقيق للواقع و الالتحام اليومي باليومي، و لا بمنطق التعالي و الترف الفكري و الاقامة داخل المفاهيم، ذلك لأنه لا وجود لثقافة خارج التاريخ، و لا وجود لفن خارج التاريخ، و لا يمكن تصور ثقافة و فن لمجرد الإمتاع و المؤانسة. كما و أن المفكرين الكبار كذلك ملزمون بإعادة أنساقهم و أدوات تفكيرهم و تحليلهم إلى الأزمة، ففي الأزمة يتولد الفكر، و أزمة الفكر تصادمه مع اليومي.

ثانيا: ما أثار السيد”ادغار موران” هو نقد أعمدة “مدرسة فرانكفورت” للعقل و العقلانية والعقلنة بمنطق الانفتاح، لقد بدا له مهما نقدهم للعقل”الآداتي”، و نقدهم ل”المعرفة الآداتية” حيث لا تكون للمعرفة و الحقيقة قيمة في ذاتها بل فيما نجنيه منها إلى حد أننا صرنا في مواجهة المعرفة انتهازيين، و نقدهم التفكير في “العالم كأداة” حيث لا جمال و لا فن و لا حب في العالم، و العالم فقط وسيلة بكل ما فيه لخدمة جشعنا…لقدرأوا أن العقل عندما ينغلق على ذاته يصير سلطويا، إذ أنه يؤله نفسه، و يعتقد في شساعة نطاق إدراكه و سيطرته على العالم و بقدراته”اللامحدودة”، فيبخس دور الاحتكاك بالواقع..يغرق في” التجريد” أو في “الميكانيكية”.. يصبغ العالم بمقولاته فيتعالى في الحالتين، التجريد و الميكانيكية، عن الواقع. لقد رأى” ادغار موران” أن العقل عندما يقدس نفسه يحاول أن يخضع العالم لمقولاته، و يسمي ذلك زورا و بهتانا بال”عقلنة”، في الوقت الذي يجب على العقل ملاحقة الواقع، فهمه، تحليله و  تفكيكه أو كما قال “الجابري”:{ملاحقة الموضوعات في بيوتاتها الجديدة}، و في هذه العقلانية “الملفقة”إن لم يوافق الواقع منطق العقل، يرفض العقل الواقع و ينفيه، يصير العقل متعجرفا، كما لو أن الواقع ملزم بموافقة و مطابقة العقل، في”سوريالية”ممرضة. يؤكد السيد”ادغار موران”هنا إذن أن على العقل أن يكون من جهة أكثر وضوحا و صرامة، و من جهة أخرى متواضعا كذلك، و أن يعي أن في الواقع حضور  لعناصر لا يمكن عقلنتها، بما يعني حضور” الصدفة”في الواقع و “المجهول” و “المبهم” و كذلك”الخرافة” و”السحر”..

ما أثار إذن السيد” ادغار”هو قدرة مفكري مدرسة فرانكفورت الرهيبة على نقد العقل و نقد مرجعيتهم، ممارستهم للمطرقة ضد “الأصول”، و توصيتهم غير المباشرة للأجيال اللاحقة من المفكرين، المثقفين و الساسة و الطلبة، بأن يجعلوا عقولهم قادرة على استدماج إمكانيات الامتحان الذاتي، الشك، اللايقين، الحدود، أن يجعلوا العقل عندما ينشغل و يشتغل بالتدبير السياسي و الاقتصادي، أو بالتأمل الفلسفي متحررا من أمراضه، من أضداده، من محبطاته الذاتية التي تخنق حركيته، و منها الكسل و الخمول و الانتهازية و سطوة التمثلات و الحس المشترك، و جبروت المحاباة و المهانة، حتى لا يشعروا بالصدمة إزاء طارئ ما لم يحسبوا حسابه، و توصيته بأن مهمة العقل ليست هي النفخ في الأفكار و الأشخاص، تقديس الأفكار و تنميقها و الدعوة إليها و المراهنة على مراكمة التابعين و تابعي التابعين، و تقديس”الكاريزمات الهلامية”من المفكرين و أساتذة الجامعة و القادة الميدانيين، تلك الزعامات التي تنكسر كالرذاذ في أول منعرج.. ان وظيفة العقل و مهمته أن يفحص أدواته و أدوات الأنساق الأخرى، أن يقوم بالهدم الذاتي لدوغمائيته، و أن يفضح “دوغمائية” الأنساق الأخرى..مهمة العقل ليست هي التبرير و التسامح، بل هي التعرية و الفضح و المجابهة تحليلا و متابعة و مواكبة، حيث إنالعقلانية و العقلنة لا تتولد من العقل ذاته، بل من الواقع..و بقدر ما نبتعد عن الواقع نجني على الواقع..و هنا تبدو جرأة النقد.

يصرح السيد”موران”في نصه أيضا بما يجعله قريبا أدرنو و أصحابه، و من يبعده عنهم، حيث أكد أن”أدورنو” هو من ترك أثر كبيرا في نفسه، انه ،”أدورنو”، يصر في كل مناسبة بأن الحقيقة توجد في التناقضات، لا في الخلاصات السعيدة للعقل، الحقيقة تتكشف عند ضبط التناقضات المهولةفي/لتجاربنا الشخصية، عندما نقف أمام المرآة لنمارس المكاشفة..هذه المكاشفة تحررنا من أمراضنا، و تدفعنا نحو تنقية المسارات. كما يؤكدادغار موران أن مجالات المعرفة الإنسانية متعددة، و خلاصاتها قد تكون متناقضة، و في وعينا بحدود إمكاناتنا العقلية و المنهجية و الإدراكية يمكننا أن نبلغ مستوى النقد، و من خلال الروح النقدية نبعد عجرفتنا من جهة، و نبعد السحر و الهلوسة و تلفيق المعاني، و هنا يؤكد “موران” أن ما تعلمه من “أدورنو” هو أن الفرد/المثقف لا يمكنه أن يفكر في “البراكسيس أو بالبراكسيس”إن لم يبتعد عن المعرفة العامة و العامية إن لم يبتعد عن كسلنا الذي يوحي إلينا أن المعرفة معطى جاهز و ليست بناء، اكتساب دون جهد و تعب، لكن و في ذات الوقت ما يجد “موران” نفسه بعيدا عنه عند “ادورنو” و “ماركوز” هو نقدهم اللاذع / الكارثي لثقافة العامة، حيث إنهما أكدا أن ثقافة العامة انعكاس للإعلام، و تشبع بالإعلام، و الإعلام مقاولة للتخدير و التنويم، و هو من تم مقاولة لإبعاد العمال و الفلاحين عن مهامهم الثورية، و هذا حكم لا يمكن أن نتفق معه جملة و تفصيلا، حيث إنالإعلام مقاولة / تخدير/ تنميط/ قهر / قولبة ..أي نعم، لكن للناس ثقافتهم و لا يجب تبخيسيها .

إن الأغاني و المسرح و الفولكلور حسب السيد ادغار هو تعبير من الناس عن اهتماماتهم و عواطفهم، رغباتهم، كما أن أشكال تعبيرهم هاته تلفت النظر إلى حقائق انتروبولوجية عميقة، إلى وقائع و سيرورات تاريخية . ما يروج بين الناس ليس كله إنتاجا لمقاولات القتل و التنميط، و التجييش و العسكرة، بل انه نتاج لتفاعل الناس على مر تاريخهم مع الطبيعة و المقدس و مع بعضهم. صحيح أن الأسطورة و الخرافة حاضرة في هذه التعابير، لكن على كل حال يمكن نقدها دون تبخيسها، تنقيتها دون التفكير في نفيها من خلال ثقافة الحداثة و تسلط فكرة “ما يجب أن يكون “.

ما يمكن استخلاصه اذن أن النقد لا حد له، لا خط أحمر و لا بني، فقط لابد من تعلمه، فالنقد ليس سبا و لا تجريحا..النقد حق لابد من الحث عليه و فسح المجالات، و فن لابد من الابداع فيه.

من مقالات رضوان ايار:

الحلم ساحة عراك طبقي ـ رضوان أيار

لماذا لا يمكن أن تنتج المدرسة المغربية “نخبا” ؟

كيف تنشأ الشعبوية.. و على يد من تموت ؟ 

 

شاهد أيضاً

علاقة الأخلاق بالسياسة في الفلسفة اليونانية {أفلاطون نموذجا}

 الكاتبة: نجيب جيهان        تأطير عام: عادة ما يقال أن الفلسفة السياسية تزدهر عندما ينتاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *