بيّاعة الورد

هند الزيادي – روائية تونسية

تُمطر السّماء. وتتلبّد بالسّحب . فيحبّ العشّاق أن يحتموا من البلل تحت المطّريات الكبيرة. ويتعلّقون ببعضهم البعض وهم يتضاحكون ويسرعون الخطى إلى مقاصدهم.ويحدث أن تكون تلك المقاصد مقاه تفتح أبوابها على الشّارع الرّئيس.الجوّ في هذا الوقت من السنة يكون حميميا باعثا على الحب، مشجّعا على اللقاءات.كلّهم يخشون الشّتاء وبرده فيسرعون لربط علاقات قد تدوم العمر كلّه، وقد يخبو بريقها في الرّبيع المقبل بعد أولّ حوار جدّي أو أوّل قبلة.

يحلو للعشّاق أن يشاهدوا قطرات المطر وهي تنزل على الرّصيف، أو على بلّور واجهة هذا المقهى أو ذاك. قطرات المطر والضّباب المرافق لها يشكّل أجمل ما يمكن أن يطمح إليه عاشق هزّ الشّوق جوانحه. ويمكن للضباب والمطر أن يكونا منطقة أمان لمن لم يحدّد موقفه بعد ومن لم يحسم أمر تلك الأحاسيس المبهمة داخله.

في مثل ذلك الوقت، وحدهم العشّاق يكونون في الخارج عندما تمطر ووحدهم يُنبت لهم العشق أجنحة فيتقافزون بها فرحا فوق بركات الماء الصغيرة التي تتشكّل في حفر الشّوارع. ويغتنمون الفرصة ليستمتعوا بالقبل المسروقة أو بضمّة أو عظّة خفيفة تلهب الكيان وتعطي وعودا أن ّ القادم أجمل.

ولكي يكتمل جمال المشهد، لا بدّ لهم من بيّاعة الورد.

بيّاعة الورد وحدها حكاية.

وحده بيّاع الورد الذي لا يدري إن كان سيتغدّى يومها أم لا سيكون موجودا من أجلك أيها العاشق. لن تفتقد الورد الذي ستهديه لحبيبتك حتى في اليوم الممطر.

 

المقهى يُسمّى تواضعا مقهى التياترو، ذلك أنّه محاذ للمسرح البلدي. الزمان هو منتصف شهر جانفي. لكن قبل أن تصل إليه ، وانت تخوض الزحمة أمامه لا بدّ أن تمرّ بجيش كبير منهم وقد فرّقوا بينهم المهمّات.أحدهم يبيعك المناديل الورقية.والثّاني يعرض عليك علكة الكلوروفيل.والثّالث يلحّ في لفت انتباهك إلى الأوراق الصغيرة التي يحملها في يديه الصغيرتين وهو يكاد يتوسّل إليك لتشتريها منه، فيها أدعية وفيها آيات قرآنية تُلصق على واجهات المحلات أو بلّور السيارات.وغالبا ستظنّ انّه يتوسّل إليك لتشتري منه لأنّه يريد أن يتعلّم التجارة فيك،ولو كان ذلك بالتوسّل.أوترى بيّاعة الورد راغبة أن تنجح في بيع ورودها فتبتسم بشفقة وانت تنقدها مالها ثمن وردة تعطيها لمُختارة قلبك.

تدخل عليك في ذلك الصباح الشّتوي ويداها الصغيرتان تنوءان بحمل سلّة الورد. تلبس شاشية وصدارا تقليديا رقيقا فوق ثيابها، لا يدفّئ صدرها من البرد الذي يلفحه، مما يجعل مظهرها فلكلوريا يشدّ الإنتباه. يرتعش كلّ جسمها الصّغير لكنّها تغتصب ابتسامة اكسسوارية ضرورية لعملها وأسنانها تصطكّ، فلم يعرف التاريخ بيّاع ورد متجهّم.

عاديّ جدا أن تجدها تنتعل صندلا بلاستيكيا يكشف اصابع قدميها ويعرّضهما للبلل وهي غير مهتمّة.بينما تزرقّ شفتاها من البرد والجوع والانيميا

عاديّ جدّاً، لا تهتم، فهي متعوّدة على التعب والألم والبرد في كلّ الفصول والمناسبات، همّها الوحيد إقناعك بشراء وردة لحبيبة قلبك التي تشتهي أن يكون لها وردة منك تضعها في شعرها أو كتابها.

المهمّ عندها أن ينتهي من سلّة الورد تلك قبل حلول الليل.

والليل هو قصّة أخرى. ليل جانفي هو قصة أخرى

في الليل، تبدأ رحلة العودة إلى “خربة المعيز”، المكان الذي جئنا منه. نقطة التّجمّع كانت تحت الجسر بعد السّاعة الطويلة الصدئة التي تتوسّط نافورة الماء. كنّا تقريبا بين العشرة والخمسة عشر طفلا وطفلة. أكبرنا كان إسمه “سعيدا” وكان في الثالثة عشرة من عمره.منّا من لا يعرف والده، ومنّا من قتل والده أمّه والمحظوظ جدّا فينا كان عبارة عن هديّة من أب وأمّ موجودين، يلتقيان على فراش الخطيئة الأقلّ كلفة.ثم يأتي بعدها بتسعة أشهر رضيع ينضمّ لعائلة الجوعى. وللتخفيف من العدد وفسح المجال للقادم الجديد بعد تسعة أشهر أُخَر، لا بأس من تقديمه هديّة لعمّة عاقر أو خالة لا يعيش لها أبناء.محظوظ طبعا ذلك الرضيع البائس الذي يكبر بسرعة وينضمّ إلينا في شارع الحبيب بورقيبة.

لمّا تغيب الشّمس تماما، يمرّ علينا “ولد القردة” بشاحنته القديمة التي يحشرنا في صندوقها الخلفي. ثمّ يرمي علينا “باش” إتّقاء لمساءلة شرطة المرور.

ويحدث أن ينسى “ولد القردة” ذلك أو يعيقه هنّا أي شيء فنبيت تحت الجسور الرّمادية الكثيرة هناك.والسّعيد فينا من يظفر ب”بلقشة كرضونة” يمرّرها تحت سيّارة من السيّارات الرّابضة هناك لينام آمنا.

“ولد القردة” له أعمال أخرى أهمّ منّا ينشغل بها، لكنّنا كنّا أحبّ عمل إلى قلبه.لا أعرف لماذا يهتمّ بنا أو لماذا يعطينا من جهده وتركيزه.فسنواتي الثمانية لا تعطيني الحكمة اللازمة لافهم البشر. خاصّة رجل ك”ولد القردة”. كل ما أعرفه أنّه يؤخّر حسابنا  وجمع المال الذي عدنا به من الشحاتة وبيع الورد والمناديل الورقية، كان يجعل حسابنا بعد الفراغ من حسابات “شركة اللحوم” وهو الإسم الذي يطلقه قسم منّا على أنفسهم وهم يتغامزون ويتضاحكون.

قسم الورد كنت أنا أشطر واحدة فيه.يندُر أن أن أعود بوردة واحدة.أبيعهم كلّه خوفا من غضب “ولد القردة”.أنا أحبّه فقط عندما يكون راضيا .فيحتفي بي إحتفاء خاصّا.يتركني لآخر الليل بعد أن يفرغ من محاسبتهم جميعا.

يناديني.يطلب منّي المبلغ الذي يجب أن أعود به.ولا يصفعني ، مثلا ، إذا وجده ناقصاأو أعدت له بضعة وردات ذابلات، بل يدنيني منه وعلى وجهه ابتسامة، لا أفهمها ، ولكن من شدّة خوفي أقنع نفسي أنّها ابتسامة طيبة.يمدّ يده بدل الصّفعة ليفعص النّتوءات الصغيرة في صدري دون حرج. فجسدي ارض خضراء واعدة ملكه وحده.وانتقل إليه حق ملكيّته لمّا قرّر والدي أنْ يكفي تعليما بعد أن عرفت كتابة اسمي ولأخرج للعمل، فهو مدين ل”ولد القردة” وما من سبيل لسدّ ديونه سوى أ ن يتنازل عن ملكيّتي له.

“ولد القردة” تلقّفني وصار كلّ شيء فيّ ملكه، حتى جسدي الصّغير الذي يستمتع بمراقبته يوما بعد يوم ويتفقّد ثماره في صبر وتؤدة من لا رقيب عليه.إنّه ينتظر حقلي أن يزهر.

لمّا ينتهي من جسّ صدري الصغير شبه الأملس يجسّ مؤخ…، ثم ينزع عنّي أطماري القذرة ويتلذّذ برؤيتي عارية كدودة أرتجف أمامه من البرد والخوف من شيء لا يفهمه عقلي.أعرف أنّه لا يجب أن يحدث ولكن لا أعرف كيف أتصرّف تجاهه.بل أمتثل لما يطلبه مني ولد القردة في خضوع مادام ذلك يدخل عليه البهجة ومادام ذلك يشغله عن “يامن” الولد الجديد معنا.

يأمرني أنّ أدور ببطء وأنا في مكاني ويظلّ ينظر إلى كل شبر في جسدي الصغير المرتعش بالبرد وهو ينفث دخان سيجارته الكبيرة.يأمرني أن أجلس وأفتح ركبتيّ ويتأمّل بصمت ما بينهما ، ثم يشعل ولّاعته ليمعن التحديق.يسألني أسئلة غريبة لا أفهمها.وأجيبه من تحت ركام سنواتي الثمانية ب”لا” أو “نعم”.يغتاظ لغبائي، ويغتاظ لمّا لا أردّ بالجواب الذي ينتظره منّي فيصفعني صفعات صغيرة يجرّب تنوّعها على وجهي وصدري الصغير، ويصفعني على مؤخّ…ثمّ يصفع ذلك المكان، ولمّا لا أردّ الفعل ويسأم من سلبيّتي وجهلي بما يجب أن أفعل، يتصاعد غضبه وينعتني بالخبيثة وبأني لا أحبّه وهو الذي عطف عليّ وحماني من الشارع وبأنّي ناكرة للجميل..لا أفهم معظم كلماته لي ولكنّني أفهم أنّه غاضب جدا منّي لأنّ صفعاته تشتدّ تدريجيا على كل مكان في جسدي ، صفعات قويّة ولكنّها ليست متسرّعه.هو يعرف أنّ أمامه الليل بطوله ليفعل بي ما يشاء دون أن يسائله أحد.

في البداية كنت أنتظر النّجدة من الأطفال الذين منتشرين معي في الشّارع الكبير، أشعر بأنفاسهم مكبوتة وأشعر بأعينهم تراقب ما يجري لي مع “ولد القردة” ، لكن لا أحد يتدخّل أو يدافع عني، الكبار يخافون منه ، والصّغار ، مثلي ، يعتقدون أنّنا ملكه ومن حقّه أن يفعل بنا ما يشاء.

بعد ما تعوّدت ، صرت أعرف أن لا أحد منه سينجدني لذلك انتظر بصبر أن يملّ من لعبته فيطفئ سيجارته المشتعلة دوما في أي مكان يحلو له من جسدي، ثم ينصرف عنّي مناديا بعنف على “يامن”.

كنت أعرف أنّ “يامنا” يبول في أسماله لما يسمع صوت “ولد القردة”.هو أخبرني ذات يوم. لكنّه مع ذلك يخرج جاريا من تحت باب قديم صدئ، ذلك المكان هو فراشه، وهناك يستمتع بشمّ” الكولّا” التي يحضرها له “ولد القردة” مكافأة له على طاعته.بعد أن يفعل معه أشياء نراها جميعا ونسكت عنها.

“ولد القردة ” لم يكن قويّ البنية ” ولا طويلا ولا عريض المنكبين، ولكنّه يمتلك صوتا يجعل أغلبنا يبول في سراويله إذا غضب وصرخ فينا.ذلك الصّوت هو الذي يمنعنا من أن نفكّر مجرّد تفكير في دفع الباب القصديري ل”خربة المعيز” التي يحتجزنا فيه، حتّى حين يكون غائبا عنّا.

نقضّي ليلتنا بين الإرتعاش من البرد وتغيير السطل الذي امتلأ قطرا من السقف المُخرّم  حتى لا يغمرنا الماء.ويحدث أيضا أن نتجمّع كلنا في نفس المكان ونغطّي بعضنا بأجساد بعض لنشعر ببعض الدّفء.

وفي الصّباح نعود إلى الشّارع وننتشر فيه. وأعود إلى ورداتي أوزّعها بين العشّاق وابتسم لهم وأراقب نظراتهم لبعض تارة وما يوجد أمامهم من أكل في الصّحون، طورا آخر.

 

شاهد أيضاً

تفاهة الشر: حنة أرندت في القدس 

بقلم: كريم محمد “الشرّ دائماً متطرّف وليس جذريّاً أبداً. الخير هو الجذريّ والعميق”. حنّة أرندت. -1- …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *