فُـتـون

مريم القحطاني كاتبة يمنية أمريكية

“ومن هي تيّه بسلامتها؟” قالت تقية مقاطعة نفسها وقد انغرست سبابتها في خدها وارتخى رأسها على إبهامها مُشيرة بحاجبها الذي تقوّس فجأة إلى المرأة الواقفة عند الباب تضم خاصرتها ساقان ممتلئتان لطفل تتناقض بدانته مع نحولها الشديد المقارب للإعياء. إلا أن على وجهها مسحة جمال وابتسامة مشعة كانت قد إنتشرت في المكان بسرعة “سلام عليكن يا خواتي!” تُسقط عنها أي إحتمالٍ للمرض أو الوهن، تُقبّل أطراف أصابعها وتدمغ بشكل إفتراضي الوجوه التي لا تعرفها بحركة آلية منظمة، دون أن تنسى أي واحدة من النساء المجتمعات في هذا المكان على موت أحدهم.

هل هي زوجة الفقيه؟ أم زوجة ولده؟  أو ربما زوجة حفيده؟ لقد إعتاد الناس على كثرة زيجات هذا الرجل الذي لا يهمد ولا يكلّ إلا أن تقية لها نظرية مخالفة، فهي ترى العيب في النسوة لا في الفقية، ولو أنَّ فيهن خَير لعرفنَ مفاتيحه ولربطنَه بشكل من أشكال الولاء والطاعة، مُمنّية نفسها أن يقع الدورعليها في يومٍ من الأيام قبل أن تسرق الحياة نضارتها أو يزوجها والدها برجل فقير أخر.

“هي تيّه مرة الفقية؟” تهمس جوار أذن إمرأة إمتلأ خدها بشيء من قات.

“والله ما أنا دارية من هي تية..” تجيبها وهي تتمعن تفاصيل النحيلة دون سوء نية، إنما يدهشها وجود هذه السيدة في البلدة وهي أخر من يعلم. فلو أنها زوجة الفقيه الجديدة فأين كان العُرس و”الحنّة والطنّة” ومتى وكيف حدث كل هذا؟  الفقية لا يتزوج بالسّر. بل أن والد صفية له نظرية مفادها أنَّ الفقيه  يُكثر من النساء في فلكه عمداً لُيثبتَ شيئاً أو يُنفي شيئاً ما.

“حيّا بك! كيف أنتِ واني فدا؟ عظم الله أجركم” تقول السيدة النحيلة وهي تدنو من إحداهن وصغيرها المُمتليء يتدلى من على قامتها حتى تدحرج على الأرض كأنه تفاحة سقطت من على شجرة. لكنه لم يبكِ، فسرعان ما التقفته كبيرة في السن لها هيبة الأهرامات، كانت تراقب دخول النحيلة دون أن تلفت نظر أحد. “هات وأنا فدوك” تُتمتم وتحمله بخفة وتعود إلى مكانها كأنها لم تتحرك.

المُلفت في الأمر أنَّ السيدة الكبيرة هذه لها ساق متورمة تشبهُ ساق الطفل المكتنزة في تكوّرها، لكن هذا هو القاسم المشترك الوحيد بينهما، وكم هو مستبعد أن تكون جدته أو قريبته فلا تكفي فروق كهذه لصنع نوع من القرابة، إلا إذا سألت سيدة من الجالسات.. ربما يكون لإحداهن رأي مخالف.

يتشبث الطفل بها ويضع رأسه على صدرها بغنج زاهداً في محيطه متدللاً على النساء وكأنه يلومهن على تأخرهن. وقد كن زاهدات فيه أكثر منه فيهن لكنهن أردن حمله من باب الذوق والتأدب كي لا يُتعب هذه الكبيرة.

 

“لا لا ما عليكن ما عليكن” تنهرهن وكأنها تهشّ الذباب عن حلواها المفضلة،  فينصرفن عنه مرة واحدة.

نظرت النحيلة إلى الكبيرة وإبتسمت وطاب خاطرها، وقالت وهي تعرف الإجابة “آجي شُلّه مِنِّك؟” فأشارات الكبيرة بذقنها إلى السماء بعينين مغمضتين بما يعني “لا” وبدت مستمتعة بتعلق الصغير بها إلى هذا الحد.

هنا شعرت تقيّة والتي إلى جوارها بغرابة شديدة وغموضٍ مرير. تعرف كلتاهما هذه الكبيرة عزّ المعرفة، فمن لا يعرف الحجة أم صالح؟

إنها السيدة التي قضت من عمرها  خمسة وعشرين عاماً في الحقول والشعاب و*الجِرب تزرع وتحصد وتربي العيال لزوجها المغترب البعيد الذي لم تكن تره إلا بعد أن يذبل الكثير من شبابها وينقطع الأمل. قضت جُل صباها أماً وحيدة، ما بينها من علاقة مع زوجها لم يكن أكثر من اتصالات نادرة إلى بيت “واصل” جارهم. كان “واصل” هو الوحيد الذي لديه هاتف قريب من بيتها.

وحينما كان يتصل هذا البعيد، زوجها، يسرع إليها طفلٌ حافٍ مرّة، ومرّة يأتي واصل بنفسه إليها تاركاً *تخزينته الهادئة: “أبو صالح في التلفون يا أم صالح” فتنطلق هي كأنها سهمٌ ناري وتصل وقد تبقت دقيقة واحدة، أو ما شابه، يناجيها فيها:

“وا فتون بتسمعيني؟ كيف أنتِ وا فتون! كيف العيال وا فتون!” فتمتليء عيناها بالدموع ويتحشرج صوتها وهي تبعثر روحها عليه فداءً وشوقاً وتدعو له بالصحة وسلامة العودة، فيعرف أنها لا تزال تحبه وأنها على العهد رغم أنها لا تساوره شكوك أبداً في إخلاصها.

وأحياناً أخرى كانت تنتهي دقائقه الدولية قبل أن تحدثه فتعود وهي تكتم البكاء وتتكبد الحسرة إلى عيالها ووحدتها إذ لا يدعها سوء الحظ وشأنها. يلتمّ الصغار الكثر حولها ويسألها أكبرهم، صالح: “حاكيتي أبي يا أمه؟” فتجيب بطبعاً وتختلق أموراً طيبة على لسان أبيهم تواسيهم بها ويسألونها إن كانت قد أخبرته بكذا وكذا فتجيب بنعم. لكل شيء نعم.. نعم.. نعم، وهكذا يتقافزون بعد كل “نعم” بفرحة وسعادة منقطعة النظير تجعلها تبتسم من أمل كاذب، لكنها تتذكر أن الأمل ليس إلا كذبة على أية حال، كذبة ضرورية لتستمر ويستمروا.

لم تكن فتون، أم صالح، تكره زوجها أبداً ولم تدعُ عليه يوماً ولم ترَ في بعده عنها  ظلما – باستثناء شكواها إلى بقرتها الصامتة أحياناً ومناجاة النجوم أحياناً أخرى “وا ذي تشوفي حبيبي قولي له أي حين با تعود..”

لقد كانت فتون ترى الظلم كل الظلم في اضطراره هجر أرضه للشقاء “خلف سبعة بحور” كما تقول، وحيداً لا أنيس له ولا ونيس. لكن أمراً كان يحز في نفسها دائما.. نساء الغربة. كيف هن وما هي صفتهن؟ وهل ينظر إليهن وهل ينساها حين يفعل؟ لربما يستمتع في أحضان بعضهن حتى. لكنها سرعان ما تنفض هذه الأفكار من عقلها. أبو صالح رجلٌ ورع تقي، يعرف الله لا يقرب الحرام وإن أعجبه من بعيد.

ثم ماذا عساها أن تفعل إن كان حقاً قد نسي نفسه في حضن إحداهن ليلة وخدعه الشيطان؟ هل لها أن تشارعه أو تهجره؟ وهل يستحق عمل مثل هذا أن تترك بيتها وأطفالها لأجل نزوة زوجها العابرة؟ أو لا يشفع له حرمانه الطويل؟

لم تستطع تقيّة أن تتمالك نفسها، أعياها الفضول وعليها أن تعرف من هذه المرأة النحيلة ناتئة النهد التي  تبتسم ملء أشداقها بلا خجل في بيت الموت. تسألها تقية ببعض كيد: “أنتِ أم مجدي؟” فتجيب النحيلة بكيد مشابه وإبتسامة: “لا” ولا تزيد عليها كلمة.

تنظر تقيّة إلى الكبيرة وينزلق السؤال منها: “ولد منو ذيّه يا أم صالح؟”

فتتظاهر أم صالح بأنها لا تسمعها، أو أنها حقاً لا تسمع، حتى يأتيها الخبر اليقين من امرأة تجلس إلى جانبها من الناحية الأخرى لم تكن تدركها: “هذا ولد الحاج أبو صالح.”

تتشوش تقية وتطلب الإعادة: “كيف كيف؟” فتجيبها بهمس المتفهمة: ” قلت لش ذيّه ولد الحاج أبو صالح.. وتيّه مرته الجديدة.”

تُطبق تقيّة على صدرها “يوه!” في غير تصديق.

نعم، لقد تزوج أبو صالح عندما عاد من البلاد البعيدة حين وصل وفتون لم تعد بالجمال الذي تركها عليه. لم يعد في جسدها حيل لخدمته كما كانت تفعل خاصة وأنها تعاني من أمر غريب في ساقها إستعصى على الدكاترة فك سره.

وقضت تقية بقية جلستها تقلّب عينيها ما بين زوجة أبو صالح النحيلة وفتون.

من أرشيف الأديبة مريم القحطاني:

أنا عيدك  مريم القحطاني  كاتبة يمنية/ أميركية.

في الطريق إلى صنعاء

فُـتـون

___ هامش ___

الجِرب جمع جربة أي المزرعة

تيّه: هذه

ذيّه: هذا

أشُلُّه: آخذه

تخزينة: جلسة القات

 

 

شاهد أيضاً

أيعقل أنني أحببت؟

خديجة صلك – روائية أحيانا كثيرة نكون أدرى بالنهايات، يقودنا حدسنا و ترينا بصيرتنا النهايات، …

تعليق واحد

  1. يوه والفعله
    كتابتك حالية جدا ولاقدرت اخمن نهايتها ❤❤❤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *