الرئيسية / منشورات / مجلات / قلم الكاتب

قلم الكاتب

كوة

يوصف القلم السيء بكونه قلماً متمرداً على المعتاد، أو قلماً فاضحاً يخُط كلماتِه خارج سلطة الأنا الأعلى أو الضمير الجمعي، غير أن الحُكم على قلمٍ كهذا يبقى حُكماً أخلاقّياً لا يراعي أي اهتمام للمعرفة ولا لجديَّة كلماته التي تنبِشُ أغلب الأحيان في الذاكرة والتاريخ والراهن والمستقبل.

القلم السيء، قلم لا يرغب فيه حُرَّاس أخلاق المجتمع المحافظين والتقليدانيِّين، ويستبعده حُرَّاس المعبد، ببساطة لأنه يتجشم عناء التفكير فيما وراء قيَّمِهم، ويفضح نواياهم، ويخدِشُ أمهات أفكارهم.

لا يحظى القلم السيء باي اهتمام لدى جماعة الرعاع وحشود المُحافظين الذي لا يتقبلون أي مسٍّ ببداهات أفكارهم الوثوقيَّة (إن صح التسلم بوجود أفكار لديهم) ويقينيَّتهم المفرطة في حقائِق يُعِدُّونها مطلقةً ولا تقبل الزحزحة أو الرَّجات الصادِمة، لذلك يتجنبون حتى إلقاء نظرةٍ على فقرات من صفحاته ناهيك عن الانصات له والتمعُّن في أفكاره، ولهذا يسارعون إلى تهميشه وتكفيره واتهامِه بالرِّدة، فالفتاوي الجاهزة قد تطعن في قلم كهذا ولكنها تنسى أن في تشهيرها بالمروق أو ما شابه إنما تخدم معسكراً نقيضاً وتدفعه مجاناً لصنف جديد من القرَّاء (قد يكون هذا الصنف الجديد متردداً أول الأمر في اختيار معسكره الحقيقي الذي سيجنِّد له كل إمكاناته، ولكنه سرعان ما يتبيَّن سبيله) وبذلك تسرِّع من عمليَّة الانتصار لصوت العقل الذي يعبِّر عنه القلم السيء.

القلم السيء أكثر جرأة من بقية الأقلام، وأكثر شجاعة في التعبير عمَّا سكت عنه الجميع، يقرأ الوقائع ويساير الجاري بعينٍ ثاقِبة وفاحِصة، ويسترشد بمنهج أنثربولوجي ومعاينات سوسيولوجيَّة دقيقة، يجس نبض الأفراد والجماعات معا ويتكلم عنهم ليفصح عن مآلاتهم الثاوية في خيبات ظنهم. القلم السيء بموجب هذا، قلم واعد حالما تكتشف أهميته وقيمته يصبح قلم كبار الكتاب.

يقال قلم هذا الكاتب أو ذاك هو قلم جيِّد، لأنه تحصل على شهرة عالميَّة وعلى جائِزة نوبل أو أي جائزة قطريَّة أخرى، وهو قلم جيِّد في نظر وسائل الإعلام ويحظى بالتقدير والاحترام ويدلي بتصريحات ناريَّة تنم عن نباهِته في معالجة القضايا الراهنة، كما يحظى بثقة دور النشر والمهتمين بإخراج الكتاب وتوزيعه وتجاره لأن عناوينه تنفذ في الأسواق والمعارض بسرعة صاروخيَّة، لكن يبقى حكم القراء والكتاب الآخرين اتجاه القلم الجيِّد حكماً أخلاقيّاً حيث يتم التركيز على بعض خِصاله الجيَّدة وتنسى غيرها. أما حكم النُّقاد فهو من صنفين:

حكم ناقد مرتزق يوظَّف من طرف جماعة ضغط أو آلة سلطة ما ولذلك يتعين آنذاك على القلم الجيد أن يقبل المديح والموقع الجديد لأداء مهمة أيديولوجيَّة أو سيَّاسيَّة.

حكم ناقدٍ مستقل يرتكز على المادة وعلى بنيَّة ما نشره القلم، ويكون أغلب الأحيان قاسيّاً غير أنه قد يخدم نفس غايات المرتزق دون وعي وبدعوى أن ما يروج عنه حقيقي وفعلي.

يستدمج الحكم نقداً مسبقاً ونحن نعرف أن للنُّقاد مصالِح ومنافع معينة فيما يقومون به من دور داخل المجتمع. فالناقد في آخر المطاف شخصٌ يمارس السيَّاسة ويخدُمها بقلمه: أليس قلم النَّاقِد سيئاً أكثر من القلم الذي يصفه بالسُوء؟ لا يهم ان كان قلم النَّاقد سيئاً أو جيداً ولكن ما يهم هو أن الحكم على هذا القلم أو ذاك يظل حكماً قيمياً يستمد أساسه من الحكم الأخلاقي ويخدم السيَّاسة في أدق تفاصيلها.

من أرشف الكاتب:

ألمُ الكاتِب

THE AUTHOR’S SPEECH

فرح الكاتب

عزلة الكاتب

أثر الكاتب

المقعد

ظِلُّ الكاتِب

خطاب الكاتب

قلم الكاتب

The Author’s Chair – كرسي الكاتب ترجمة رنا خالد

 

شاهد أيضاً

اللّعب مع سيبويه

شعر مصطفى ملح   ضَعْ تَحْتَ كُلِّ عِبارةٍ سَطْراً، وسَطْراً فَوْقَ غُصْنِ التّينِ.. جَرِّدْ من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *