الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / كــانط والثـورة

كــانط والثـورة

خالد بولعلام

في سنة 1798 كتب كانط ما يمكن أن نعتبره، تتمة لنص 1748، فالفيلسوف الالماني حاول خلال هاته السنة، الإجابة على سؤال” ما الانوار؟”، أما في سنة 1798 فسيجيب على سؤال آخر طرحته عليه الأحداث، إنه سؤال “ما الثورة؟” وهل هناك تقدم مستمر للجنس البشري؟

يقول كانط:” إذا نحن أردنا الإجابة على السؤال:” هل هناك تقدم مستمر للجنس البشري؟” وجب علينا أن نحدد ما إذا وجدت علة ممكنة لهذا التقدم، فإن نحن سلمنا بهذه الإمكانية، وجب علينا أن نقيم الدليل على أن هذه العلة فعالة في واقع الأمر. فمجرد تحديد العلة لا يسمح إلا بتحديد جملة من النتائج الممكنة، أو بتعبير أدق، لا يسمح إلا بتصور إمكانية النتيجة. ولكن واقع النتيجة لا يمكن أن يتأسس إلا بوجود الحدث.”([1]). لا يكفي إذا أن نتحسس التظافر الغائي الذي يجعل التقدم ممكنا، بل لا بد من ان نحدد، داخل التاريخ حدثا تكون له قيمة مؤشرة. مؤشرة على وجود علة، علة قادت البشر داخل التاريخ إلى التقدم. علة ثابتة، يمكن لنا أن نؤكد فاعليتها في الماضي، وأنها تفعل الآن، وأنها سوف تقوم بالفعل في الزمن الآتي. فهل يوجد حولنا حدث يمكن استحضاره، بالذاكرة ، والإشارة إليه استدلالا، والتوقع بحدوثه، يشير إلى تقدم يحمل الجنس البشري كله؟

يقول كانط:”إياكم ان تروا في هذا الحدث مجموع الاعمال الراقية، والمساوئ الخطيرة التي قام بها الناس، والتي حولت الأشياء العظيمة عندهم حقيرة، والأشياء الحقيرة عظيمة. اياكم أن تروا في المعالم القديمة الرائعة التي انمحت بمفعول يكاد يكون سحريا، بينما ظهرت مكانها معالم أخرى، وكأنها طلعت من تحت الأرض. لا! لاشئ من ذلك.” (2)

يشير كانط إلى الأفكار التقليدية التي تبحث عن وجود دلائل التقدم، أوعدم وجودها، عند المجتمع الإنساني، في انقلاب الامبراطوريات، وفي تعاقب النكبات التي تأتي على الأوضاع الأكثر رسوخا، فتعوضها بأخرى.

الثورة كفعل درامي بما يحمله من كوارث، ودم وضجيج، وانقلاب لأوضاع الذين يشاركون فيها. ليست هي ما يميز عصرا عن عصر آخر، في نظر كانط، بل الكيفية التي تظهر بها الثورة بالنسبة للذين تأثروا بها. فالثورة غيرت، وتغير، وستغير وجه الزمن، لا كظاهرة وكارثة، ولكن كمشهد عظيم”Spectacle” لمن يتابعها ولم يتأثر بها.   يقول فوكو:” فلنكن حذرين، يقول كانط لقرائه، فلا يجب أن نبحت عن علامات التقدم في الأحداث الكبرى، بل في الأحداث التي تكون أقل إدراكا.” (3).

ان التحول الثوري لا يشكل الدليل على التقدم، ذلك لأنه مجرد عكس لواقع الأمور، ثم لو آن لمن قام بهذه الثورة أن يكررها كما هي، لما فعل. يقول كانط:”حذار ! فإننا لن نجد في هذه الأحداث الضخمة المؤشر الاستحضاري، الاستدلالي، التوقعي للتقدم، بل إننا نجده في أحدات أقل منها ضخامة، وأخفى منها على الإدراك، ولا يمكن لنا أن نحلل حاضرنا بالنظر إلى هذه القيم الدالة، دون أن نسقط في طلسمة تقودنا إلى إعطاء الدلالة والقيمة التي نبحت عنها، لما هو في الظاهر خال من الدلالة والقيمة.” (⁴). فما الحدث الذي ليس بالحدث الضخم؟ أليست هناك مفارقة عند قولنا، أن الثورة ليست بالحدث الصاخب؟ أليست هي مثال الحدث الذي يقلب كل الأوضاع، والذي يجعل ما كان عظيما يصبح قبيحا، وما كان حقيرا يصبح عظيما، والذي يلتهم هياكل المجتمعات والدول الاكثر رسوخا في الظاهر؟

يقول فوكو :” ولكن ليس هذا هو الجانب من الثورة الذي يحدد المعنى عند كانط، فالذي يشكل الحدث ذا القيمة الاستحضارية، الاستدلالية التوقعية، لايكمن في الدراما الثوري نفسه، ولا في الايماءات التي ترافقه. فالدال في الثورة هو الطريقة التي تقيم بها الثورة المشهد، أي الطريقة التي تستقبل بها من طرف مشاهدين لم يسهموا فيها، وإنما نظروا إليها وحضروها واستسلموا لتيارها، إن نحو الأفضل أو نحو الاسوء.” (⁵)

إن المهم في الثورة هو ما يدور في أذهان من ليسوا بالقائمين بها. وليس حدث الثورة ذاته. المهم هو العلاقة القائمة بين هؤلاء، وهذه الثورة التي هم ليسوا من أعضاءها الفاعلين. فالإعجاب الكانطي بالثورة الفرنسية، ليس إعجابا بحدث تاريخي، بقدر ما هو إعجاب بالروح التي هيأت له، والهدف الذي كانت الثورة نفسها ترمي إليه، من إحلال للعقل في الدولة، وتنظيم للمجتمع على أساس العقل. عوض أن تشكل الأفكار وفق ما هو قائم.

لم يأمن كانط على الثورة ونتائجها، فهو قد استلهم روحها. وروح الثورة كانت قد تجلت عند من سمي ” نبيها “، ومن سمي كتابه بإنجيل الثورة، أي عند “روسو ” . فالثورة الفرنسية مثلت في نظر كانط، في البداية على الأقل، التحقيق الفعلي لما يتصوره الفكر. إنها عملت على اتمام ما بدأته حركة الإصلاح الديني، فحررت الفرد، أو على الأقل أخدت تمهد لتحريره، لتجعل منه قانون نفسه ” Autonome “، وسيد أفعاله. فهو لم يعد متوقفا في أعماله على سلطة خارجية، بل أصبح يتوقف على نشاطه العقلي الحر (⁶). فهل في مستطاع الثورة، كحدث صاخب، تغيير نظام فكري معين؟

يقول كانط:” فعن طريق الثورة يمكن أن نسقط استبدادا فرديا، أو نضع حدا للإضطهاد يقوم على التعطش للثورة، ولكننا لن نبلغ بها إصلاحا حقيقيا لنمط التفكير، على العكس من ذلك ستنتعش بسببها أحكام مسبقة جديدة على غرار الأحكام القديمة، لتشد إلى حبالها السواد الأعظم المفتقر إلى الفكر.” (7). ان الثورة مهددة بالسقوط في الاخدود السابق، ولكنها لن تسقط، إلا كحدث ذي محتوى تافه. ويبقى وجودها يشهد على كمون مستمر لا يمكن نسيانه. ومن ثم يبقى هذا هو الضمان مستقبلا لمسيرة التقدم . فكيف ينظر فوكو إلى الإرث الثوري؟

الإرث الثوري، حسب فوكو، كثيرا ما يحجب عبر نظام خطابه الشمولي، العلاقات الهامشية، والبؤر المتناثرة والسياقات الصغرى التي تشتغل داخلها السلطة. فما البديل عند فوكو؟

يختار فوكو، بدل الثورة، الصراعات والمجابهات داخل تشكيلات السلطة ومظاهرها، صراعات يكون رهانها الأساس الحياة الإنسانية وطبيعتها، داعيا للتمرد في المقام الاخير. لذا فإنه حافظ على مسافة تفصله عن النموذج الماركسي، الناهض على إزالة استلاب الذات، وتفاعل مع النموذج النيتشوي الناهض على إضفاء طابع إشكالي لانهاية له على أشكال تخلق الذوات وتكونها داخل تجاربها.

على العموم هاجم “فوكو ” الأنوار لأن القرن الثامن عشر-كما قال في المراقبة والعقاب- ابتكر حريات دون شك، لكنه منحها المجتمع الانتظامي/الاكراهي، الذي ما زلنا متعلقين به لحد الآن، كأساس عميق وصلب (8). فما هو الإرث الأنواري الذي احتفظ به داخل الفكر الفلسفي المعاصر؟

لعصر الأنوار، في نظر فوكو تراثا نقديا، يطرح السؤال : ما هي آنيتنا؟ ما هو المجال الحالي للتجارب الممكنة ؟ والأمر متعلق هنا بما يسميه فوكو ب “انطولوجية الحاضر “، أي بانطولوجيتنا نحن ذاتنا. فهل نختار فلسفة نقدية، تأتي إلينا على أنها فلسفة تحليلية بصفة عامة؟ أم هل نفضل فكرا نقديا يأخذ شكل انطولوجية ل ” نحن ذاتنا “، أي انطولوجية الآنية؟ وقد أسس الخيار الثاني بدءا من هيجل، إلى ” مدرسة فرانكفورت “، مرورا بنيتشه، شكلا من التفكير اشتغل فوكو داخله.

من أرشيف خالد بولعلام:

قيمة الدرس الإبستمولوجي

الدلالة الإبستمولوجية للحظة الديكارتية

فوكو أمام كانط أو بصدد مسألة الأنوار

 النقد كمنهج في بحث شروط امكانية المعرفة : كانط نموذجا

كانط والثورة

 

هوامش:

[1]- فوكو، ” كانط والثورة”، ترجمة يوسف الصديق، مجلة الكرمل، عدد12/1984، ص68.

2- المرجع السابق، ص68-69

3- فوكو ” ما الانوار؟”، ترجمة وتعليق حميد طاس، مجلة فكر ونقد، العدد 5، يناير 1998، ص149

4- فوكو، ” كانط والثورة” ترجمة يوسف الصديق، مجلة الكرمل، عدد12/1984، ص69

5-المرجع نفسه، ص69

6- عبد السلام بنعبد العالي، ” كانط ممهدا للفكر الجدلي “، مجلة الفكر العربي، العدد/48/1987، ص159-160

7-كانط “ما التنوير “، ترجمة مصطفى العريصة، مجلة مقدمات، عدد 31 خريف2004، ص11

8 – مصطفى الحسناوي، فوكو والسياسة، الطبعة الاولى 2003، منشورات مجلة اختلاف، ص9

 

شاهد أيضاً

أخلاقية التواصل عند إدغار موران

الدكتور داود خليفة – الجزائر ملخص البحث: يرى إدغار موران بأننا بحاجة إلى أخلاق للفهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *