الرئيسية / أنشطة ومواعيد / تغطية / الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة فرع بركان: احتفال باليوم العالمي للفلسفة

الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة فرع بركان: احتفال باليوم العالمي للفلسفة

رشيد المشهور*           

ميّز الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة الذي أحيته الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة ببركان، اختيار موضوع “الفلسفة: الواقع والرهانات” تحت شعار “الفلسفة في خدمة الإنسان”، وأشكلته من خلال الندوة الفكرية التي تكّونت من مداخلتين: الأولى تحت عنوان “هل هناك من دور للفلسفة البيئية في تجديد فهمنا لذاتنا وللعالم؟ قدمها الأستاذ منير الحجوجي والثانية بعنوان “ضرورة الفلسفة في الحاضر والمستقبل” قدمها الأستاذ بوعلي عبد الإله.

واختيار هذه المواضيع نتيجة لما يعرفه وضع الفلسفة من التغيرات دوليا وإقليميا ووطنيا سواء في علاقتها بالمؤسسة بعامة والمؤسسة التربوية بخاصة من جهة، أو في علاقتها بباقي الأنساق المعرفية الأخرى (القيم والعلم والأدب والفن والدين واللغة) وإشكاليات الحدود معها من جهة ثانية، أو في العلاقة بالمكان والزمن (الماضي والحاضر والمستقبل) من جهة ثالثة. ولا يشكل السياق المغربي استثناء في هذه المستويات، الأمر الذي يقتضي مساءلة واقعها ورهاناتها المستقبلية تنظيرا وتدريسا، أكاديميا وتجاه العموم، ومدى حضورها في ثنايا المجتمع وتحدياته الحداثية والتحديثية والتنموية، ومن هذا المنطلق تنبثق جملة من القضايا الراهنية التي ترتكز عليها الندوة وتستدعي محاولة الفهم والتحليل وبناء تصورات مؤسَّسة برهانيا وحجاجيا حولها.

ويأتي تنظيم هذه الندوة في سياق الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة وافتتاح الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة فرع بركان أنشطتها السنوية انسجاما مع توجه الجمعية وطنيا التي احتفت بدورها باليوم العالمي للفلسفة عبر مختلف مدن الوطن، ذلك من خلال شعار “الفلسفة مستقبل المغرب”. ووضعت برنامجا بالمناسبة يشمل درسا افتتاحيا ألقاه الأستاذ محمد باعكريم بمدينة فاس بمركب الحرية يوم السبت 18 نونبر تحت عنوان “الدرس الفلسفي بين الكونية والمحلية” وندوة فكرية بمدينة صفرو. علاوة على ذلك، وضعت مكاتب الفروع الإقليمية برامجا خاصة بها، تبعا لإمكانياتها ومواردها، تنوعت بين ندوات ومحاضرات ودروس حول مواضيع الفلسفة وقضاياها القيمية والمعرفية والإبستيمولوجية والبيئة.

ونذكر أن فرع جمعيتنا هنا ببركان احتفى السنة الماضية باليوم العالمي للفلسفة من خلال تكريم الفيلسوف إدريس كثير بثانوية أبي الخير ولقائه المفتوح مع تلاميذ وتلميذات هذه المؤسسة التي تلقى فيها تعليمه الثانوي وعقد ندوة حول قراءة في شعار اليونسكو الذي رفعته بهذه المناسبة…”بناء السلام في عقول الرجال والنساء.”. ودأبت اليونيسكو في الإحتفاء باليوم العالمي للفلسفة منذ سنة 2002؛ وهي تحثُّ الأفراد والجماعات والمؤسسات والدول على الاهتمام بالقضايا الفلسفية في مختلف المباحث الأنطولوجية الوجودية والقيمية الأخلاقية الابستيمولوجية المعرفية باعتبارها “الفلسفة” ” دراسة طبيعة الواقع والوجود، ودراسة ما يمكن معرفته والسلوك السوي من السلوك الخاطئ… وهي بالتالي، واحدة من أهم مجالات الفكر الإنساني في تطلعه للوصول إلى معنى الحياة” (الموقع الالكتروني لليونيسكو)

وحددت اليونيسكو جملة من العوامل والمسوغات للاحتفاء بالفكر الفلسفي. فالفلسفة تنبع من الميل البشري الطبيعي إلى أن يكون البشر مندهشين بأنفسهم والعالم من حولهم؛ وهي نوع من “الحكمة”، يعلمنا التفكير في عملية التفكير ذاتها، عبر الاستمرار بالتساؤل عما يُعتقد أنه حقائق راسخة، للتحقق من الفرضيات والتوصل إلى استنتاجات. والفلسفة وَضعت– في كل الثقافات – وعبر قرون، تصورات وأفكار وتحليلات، ومن خلالها، وضعت أساساً للفكر النقدي المستقل والخلاق. والاحتفال بأهمية التفكير الفلسفي، وتشجيع الناس في جميع أنحاء العالم على تبادل التراث الفلسفي مع بعضهم البعض. كما أن الفلسفة توفر الأسس المفاهيمية للمبادئ والقيم التي يقوم عليها سلام العالم: الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة، وتساعد على توطيد هذه المفاهيم الأساسية للتعايش والسلم، ومنح كل فرد، بغض النظر عن ثقافته، فرصة للتفكير في مسائل مختلفة مثل: “من نحن كأفراد وكمجتمع عالمي؟”، وطرح الأسئلة التي غالبا ما تكون منسية: “ما هو الشيء الذي أهملنا التفكير به؟” “وما هي الحقائق المشينة التي اعتدنا عليها؟”(موقع اليونيسكو الإلكتروني بتصرف) وتسعى هذه المنظمة العالمية إلى تحقيق هذه النوايا والمرامي عبر آليات وممارسات فلسفية أو ذات طابع فلسفي جديدة موجهة للأطفال والشباب خاصة. إضافة إلى عقد ندوات ومحاضرات وحلقات نقاش ومؤتمرات وموائد مستديرة، حول قضايا القيم والوجود والمعرفة، وكذا تقديم عروض راقصة ومسرحيات، بحضور مجموعة من الفنانين والفلاسفة والمهتمين بالقضايا الإنسانية من الحقوقيين والمنظمات غير الحكومية والفعاليات المدنية وغيرها..

رصد الأستاذ بوعلي في مداخلته “ضرورة الفلسفة في الحاضر والمستقبل” مجموعة من التمثلات الاجتماعية السلبية حول الفلسفة، ثم بيّن أن ضرورتها ليست منطقية بل لما لها من قيمة وأهمية في الحاضر والمستقبل، هنا والآن وفي المستقبل أمام قيم العنف والتطرف وغيرها. وقدّم عرضا تاريخيا من أجل توضيح ذلك عبر استحضار نماذج بعينها.

أما الأستاذ منير الحجوجي ركّز في مداخلته “هل هناك من دور للفلسفة البيئية في تجديد فهمنا لذاتنا وللعالم؟” على فكرة جوهرية تمثّلت في “ضرورة انتقال الإنسان من الإيغو إلى الإيكو“، ذلك بعد تشخيصه للوضع البيئي على المستويين الماكروسوبي والميكروسكوبي، واضعا اليد على مكامن الخطر والعطب في مختلف عناصر الحياة: الأرض والهواء والبحار، محددا طبيعة التدمير والتخريب وأنواع المخربين، مبينا أن الإنسانية دخلت منذ حوالي 150 سنة فقط، في دينامية نموذج تصنيعي رأسمالي ربحي خّرب الثروات الطبيعية دون نهج سياسة تدبيرية تجاه “الحجرة والبقرة والشجرة” حسب تعبيره، مشيرا إلى أن المخربين نوعان: الأفراد والجماعات في استعمالهم اليومي للموارد الطبيعية وتخلصهم من مخلفاتها، والمخربين الكبار وهم الشركات المتعددة الجنسية التي تتجر في المبيدات والأدوية أساسا. ثم انتقل الباحث، بعد ذلك، إلى اقتراح بعض النماذج الصديقة للبيئية لدى مجموعة من المفكرين الخضر كرهان صوب تغوّل النموذج الصناعي التخريبي الذي يشكّل أهم عائق أمام تحقق وحدة الإنسان والطبيعة ومصيرهما.

والجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة تحتفي بالفلسفة في يومها العالمي؛ فهي تحتفي بالإنسان والطبيعة وخدمة هذا الإنسان وبفعل التفكير وسبل إشاعته وتكريسه في مجتمعنا ومحاولة العمل على جعله فعلا متجذرا يتخذ مكانته مقابل أشكال التفكير الأخرى. والاحتفاء بفعل التفكير تكريسه وليس الدعاية له أو ادعاؤه أو الاتجار فيه وترجيح المصلحة الذاتية الضيقة على المصلحة العامة. تاريخيا، حارب سقراط تجار القول وعرّض ذاته للموت من أجل محاربة السفسطائيين وبائعي الوهم. لذلك، فجمعيتنا لا تزيد عن كونها آلية لإشاعة التفكير الفلسفي داخل المؤسسة وخارج أسوارها ولا يمكن استغلالها من أجل أغراض أخرى.

الاحتفاء إحياء للذكرى وتخليد لها، وإذ نحتفي باليوم العالمي للفلسفة، فنحن نحتفي بالإنسان وحياته وبقيم التعايش والتسامح والحق، والخير، والجمال، والاحترام المقدس للحياة أمام تَغَوُّل قوى الشر والعنف والحرب وما يلازمه من قتل مادي ورمزي للإنسان والثقافة والحضارة. وما نعاينه في شمال إفريقيا والشرق الأوسط من أعمال عنف لأكبر حجة على ذلك. والاحتفاء بالفلسفة، في الأساس، هو دعم للفكر النقدي والحر، في مقابل الفكر المنغلق والساذج، والمتطرف؛ وهو تكريس لثقافة السؤال والاندهاش من الوجود، والبحث المشترك عن الحقيقة، واتخاذ الحجاج والبرهان وسائل للإقناع، بدل الشطط الفكري والتعسف في فرض المواقف وبعيدا عن التلقي السلبي، والعنف، واحتكار المعنى والحقيقة والسقوط في الهويات القاتلة والمدمرة. إنه احتفاء بالإنسان مهما كان لونه أو عرقه أو جنسه، احتفاء بالمشترك الإنساني، واحتفاء بالطبيعة وعناصر الحياة التي تشكل جوهر وحدة الإنسان والطبيعة.

* مدرس مادة الفلسفة ثانوية القدس والكاتب الإقليمي للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة ببركان-المغرب

شاهد أيضاً

الفلسفة والمواطنة: أي دور للفلسفة في بناء مواطن الغد؟

كوة نظم نادي الفلسفة وحقوق الإنسان بالثانوية التأهيلية القدس بمدينة سطات المغربية يوم الجمعة 8 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *