جديد
الرئيسية / تربية و تعليم / فلاسفة / ايمانويل ليفيناس : نهاية الإنسانوية ومولد إنسانية الآخر

ايمانويل ليفيناس : نهاية الإنسانوية ومولد إنسانية الآخر

زهير الخويلدي / تونس
“يمكن أن يعد سؤال الفلسفة في الإنسان سؤالا استهلاليا وقائما في نفس الآن في أفق كل الأسئلة حتى لكأن تلك الأسئلة تذهل عن ذاتها لو هي ذهلت عن هذا القائم في أفقها جميعا…”[1] استهلال:
إن البشرية اليوم في أمس الاحتياج إلى إعادة تحديد مفهوم الإنسان، وتسديد النظر إلى منزلته في العالم وقيمته بين الكائنات وتنبيهه إلى الأمانة التي كلف بحملها وشرف نفسه بقبولها وإن اللحظة التاريخية تقتضي إيقاظه من غفوته وجحوده وتحقيق المصالحة بينه وبين ذاته وإعادة وضعه في طريق الرسالة الوجودية السامية وتحميله مسؤولية تبليغها إلى الآخر الإنسان والإنسان الآخر بتؤدة ومرونة وسماحة وأن يتجنب كل شطط أو لغو أو عسف أو تحيز وأن يعمل على التزود في كل ذلك بالتدرب على الشهود والاستبصار ومراجعة ذاته ونقدها نقدا مبرما .
إن الأوكد في هذا الزمن الرقمي المعولم هو تهيئة الكائن بالبشري لكي يكون جديرا بسكنى العالم وتدريب الطبقة الناشئة على الاعتبار من زمانية وجودها وتاريخية مقامها وتناهي طبعها وتربية الجيل القادم على تقدير كرامة بني آدم والحفاظ عليها والامتناع عن المساس بها، سواء أكان ذلك ثقافيا أم سياسيا أم ماديا، والتشمير على الساعد من أجل الاعتناء بذاته كإنسان موجود مع الآخر ومن أجله وليس ضده ومن أجل نفسه أو في خدمة أية قيمة أخرى متعالية عن وجوده تنحط بمنزلته وتخرب جبلته.
إن المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى هو إعادة بناء النزعة الإنسانية على نحو مختلف عن توصيفاتها الكلاسيكية التي أفرزت الويلات والكوارث والحروب والتي كادت تعصف بالنوع البشري وتشطب وجوده نهائيا من الكون خاصة لما أدى تقديس حرية الفرد إلى حد الاعتداء على قوانين الطبيعة والرغبة في استبدال سمات الخلقة وتغيير الجنس والتنظير للجندر والاستنساخ والحلم بالكائن الأرقى الذي يقهر الشيخوخة ويأتي الخوارق والمعجزات ويتغلب على كل الأمراض الموروثة والأوبئة القاتلة.

هناك اختلاف بين الفلاسفة في مستوى تحديد دلالة النزعة الانسانية عبر عنه هيدجر يقوله:” إذا كنا نفهم من النزعة الإنسانية بصفة عامة ذلك المجهود الذي يرمي إلى جعل الإنسان حرا في إنسانية، ويخول له اكتشاف كرامته، فإن النـزعة الإنسانية ستختلف والحالة هذه حسب المفهوم الذي لنا عن “الحرية” وعن “طبيعة” الإنسان. كما ستختلف بنفس الكيفية وسائل تحقيقها”[2].
لكن ما الفرق بين الإنسان والإنساني والإنسانية؟ ماذا نعني بالتيار الإنسي؟ مما تشكل؟ وأين ترعرع ونشأ؟ ومن ساهم في نشره وتغلغله في جميع المعارف والعلوم والاختصاصات؟ وكيف تحول إلى نزعة إنسانية؟ ماذا نقصد بتعبير “النزعة الإنسانية”؟ ما المقصود بمفهوم الإنسان؟ وهل يجوز أن نضع إلى جانبه مفهوم جديد هو الإنساني؟ وما غاية من الحديث عن إنسانية الإنسان؟ وماهي جدوى ومصداقية النزعة الإنسانية؟ كيف شهدت هذه النزعة أزمة عصفت بجميع المقولات التي تعبر بها وزلزلت كل الدعائم التي تستند إليها؟ وماهي تأثيرات ذلك على نظرة الإنسان إلى نفسه وموقعه في العالم؟ هل أدت هذه الأزمة إلى القيام بمراجعة نقدية جذرية والتخلي عن العديد من الأوهام؟ وما العمل لإعادة المقاربة الأنثربولوجية إلى أرضيتها الصلبة وإشعاعها الأول؟ أمام تأسس فلسفة الغيرية ماهو دور الآخر في إثبات الإنية الإنسية؟ ألم يبدأ بعد استشراف طموح إنساني جديد يبحث عن مشروع إنسانية الإنسان الآخر؟ إلى أي مدى تستطيع هذه الإنسية الجديدة أن تتخلص من جموح وتهويمات النزعة الإنسية القديمة وتستفيد من اعتراضات فلسفة الرجة ومدرسة فرانكفورت وفكر 68 وفكر الفرق الذي انحدر من مدرسة هيدجر الأنطولوجية ؟
ماهو في ميزان الفكر هو تفادي انحسار النزعة الإنسية وبذل الجهد من أجل إعادتها إلى الإشعاع والتألق في ثوب جديد ينهي النزعة الانسانوية وما فيها من أوهام ويدشن إنسانية الآخر وما فيها من وعود ورهانات.
1 النزعة الإنسانية بوصفها ديانة جديدة:
” إن النزعة الإنسانية هي تلك الفلسفة التي تضع الإنسان والقيم الإنسانية فوق كل شيء.”[3] الإنسان هو المحور الذي أصبحت تدور عليه الثقافة في الأزمنة الحديثة انه الكائن البشري في وجوده الذاتي والاجتماعي والأخلاقي. انه الإنسان الذي لا ينفك يطرح الأسئلة حول العالم والإله والتاريخ والمعرفة والموت بقدر علاقتها به وتأثيرها على مصير حياته.
الاهتمام بالكائن البشري من جهة الدراسة والتشريف نزعة ظهرت منذ البواكير الأولى للفكر البشري وجعلت من ديدنها العودة إلى الوجود الأصيل واعتبرت الإنسان أعلى قيمة في الكون وأفضل الكائنات وآمنت بأن معيار التقويم هو الإنسان لأنه مقياس جميع الأشياء كما يقول السوفسطائيون وأن التقدم لا يتم إلا بالإنسان نفسه كما تشيد بالعقل وتدعو الإنسان إلى إتباع منهجه ونبذ الأهواء وأشكال الانحراف والتعصب وتثمن البعد الدنيوي في علاقة بالماوراء وتعتمد على الطبيعة وتدعو إلى حسن الانتفاع منها وتؤكد أهمية التجربة والأبعاد الحسية والجمالية في حياة الناس.
أكد فكر عصر النهضة منزلة الإنسان في الكون واعتبره كائنا فاعلا وهو مرآة العالم أي العالم الأصغر قبالة العالم الأكبر، بينما ألح ماكيافيلي على قدرة الإنسان لأنه إذا كان القدر متحكما في النصف من أعماله فإن الجسارة تتحكم في النصف الثاني، وبالتالي لم يعد ينظر إلى الإنسان على أنه المذنب بل هو الذي تسيره إرادته وله في ذاته مبدأ فعله. لقد نحت عصر النهضة تصورا جديدا للإنسان قائما على حقه في التأويل وعلى ما له من ميزات تتمثل خاصة في التفكير والإرادة والوعي والحرية.
غير أن الجديد مع الحداثة هو ميلاد النزعة الإنسانية humanisme التي انتشرت في مجموع قطاعات العلم والثقافة من فن وعلم وأدب وفلسفة وتاريخ ودين وأخلاق. إن النزعة الإنسانية ثبتت علاقتها بالمحايثة ورسمت أفق جديد للإنسان هو التفكير في الأرض والقطع مع الغيبيات وأجلت النظر في إمكانية الخلاص الأخروي وركزت على مقولات المنفعة والصحة وإرادة الحياة.
لقد برزت النزعة الإنسانية كموجة فكرية تناضل ضد التصور القديم للعالم وضد التدين السلطوي المحافظ وضد الفلسفة المدرسية الجامدة وضد التقاليد الجماعية الموروثة وتنتصر إلى الفردانية والروح التحررية والى الآداب الإنسانية والفنون الجميلة والى أشكال التدين الطبيعي والمدني وتميل إلى تبني تصورات جديدة عن العالم ومعان مختلفة عن الحياة تتفق مع الاكتشافات العلمية وتواكب روح العصر.
إن الإنسان هو معيار كل شيء في النزعة الإنسانية وان الحقيقة قد غير مقر سكناها من اللوح المحفوظ إلى نص الوجود الذي تدونه الأيدي الآدمية وان العقل والطبيعة والتقدم والفردانية والحرية لهي من المثل الجديدة التي ينبغي تتجه الحركة التاريخية نحو تحقيقها في المجتمعات بشكل ملموس.
تدعو النزعة الإنسانية إلى التعويل على التقنية والإيمان برسالة العلم وتنبذ الخرافات وتنادي بترك الشعوذات والعقائد البالية وتعول على التربية والتعليم والتثقيف وتؤمن بصناعة الفردوس على الأرض وإمكانية تحقيق الرخاء الاقتصادي وتثق بقدرة العقل البشري على الحكم السديد وقابلية الطبيعة البشرية لبلوغ الاكتمال عبر التقدم المستمر على مجرى التاريخ وتفضل القيم المادية الدنيوية وتحمل الإنسان وليس القدر مسؤوليته الكاملة عن الأوضاع المزرية التي قد يعيشها وتنصح الناس بأن يتسلحوا بالأمل ويقدسوا العمل ويقبلوا على الحياة ويبحثوا دوما عن المعنى ويطلقوا العنان لملكة الابتكار والخلق. ولعل أهم مبدأ تُعَلم عليه النزعة الإنسانية يتمثل في أن لكل شخص كرامته وقيمته ومن ثم يستحق أن ينال احترام الآخرين”. وقد صرح به تيرينس بقوله:” أنا إنسان ولا شيء إنساني غريب عني”.
من هذا المنطلق تتحدد الذات باعتبارها جوهرا قائم الذات وقادر على التشريع باستقلالية عن كل المعايير الخارجية (كوجيتو عند ديكارت، كوناتوس عند اسبينوزا، موناد عند لايبنتز، شخصية عند كانط)، وتتحدد كذلك باعتبارها المعنى المؤسس للإنسانية لاسيما وأن الأنا أفكر ليس إلا الوعي بوحدة الذات التي تربط وتجمع بين حالاتها المختلفة وأفعالها المتعاقبة في الزمان. لكن هل يستقيم تعريف الإنسان بأنه ذات واعية؟ وماهي المفارقات التي يخفيها تعريف الإنسان على أنه جوهر ناطق؟
2 موت الإنسان وأزمة النزعة الإنسانوية:
“لا وجود للإنسان الكلي إلا بالوهم وكذلك العقل الكلي. وأما أن تكون النفس الكلية لها وجود بالذات فلا أصل له.” الخوارزمي في الحدود الفلسفية[4] يمكن أن نعتبر القرن العشرين القرن الذي أعلن موت الذات التي وضعها ديكارت منذ نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر وسط التاريخ. والحق أن هناك تيار فكري واسع هو الذي بادر بهذا الإعلان وآيته في ذلك أن إرادة الإنسان هي مشلولة كليا وأن التاريخ أصبح ميكانزيم يتحرك دون توجيه وتحكم من قبل ذات مسيطرة وأن الفرد بات مراقبا ومحددا بواسطة مجموعة من البنى اللغوية والوضعيات النفسية والدوافع الغرائزية والجينات الوراثية والعلاقات الاجتماعية الضاغطة.
على هذا النحو ظهر التاريخ بوصفه مسار من الأحداث لا يلعب فيه الأفراد أي دور وتبين للعموم وللأوساط العلمي الممثل بجاك لاكان ولويس ألتوسير وميشيل فوكو أن الكائن البشري هو مجرد نتاج البنى الاقتصادية والاجتماعية. إذ يصرح حول هذا الموضوع:”لقد ربي الإنسان بأخطائه: فهو لم ير نفسه أولا إلا ناقصا، ادعى ميزات وهمية، ثالثا أحس أنه يشغل في تراتبية الحيوانات مرتبة خاطئة بين الحيوان والطبيعة، رابعا لقد ابتكر باستمرار سلالم جديدة للقيم اعتبرها لبعض الوقت أزلية ومطلقة… لو غضضنا الطرف عن أثر هذه الأخطاء الأربعة سنكون قد غضضنا النظر عن مفاهيم الإنسانية، عن الإحساس الإنساني وعن الكرامة الإنسانية.”[5] هناك ثلاث أطروحات اختزلت الإنسان كجزء من الطبيعة / المادة دون الأخذ بالاعتبار الجانب الرمزي ودون أن تهتم بالأبعاد الإنسانية للإنسان، بل إنها تعاملت مع الظاهرة البشرية على أنها أشياء مادية قابلة للتثبت التجريبي والقياس الكمي والتصنيع التكنولوجي وأسقطت عليها مجموعة من الأحكام المسبقة الوضعية وما ينجر عنها من تشييء وسلعنة وموضعة واغتراب واختزال. وربما تتمثل عملية اختزال الإنسان في نفي بعض المكونات المعنوية والروحية وتـجريده من خصائص معينة تمثل قوام وجوده، وبما أن الإنسان ” ككل لا يتجزأ ” فأن نفي بعض المكونات هو في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير موت لهذا الكائن الذي يسمى “الإنسان”.
1- عندما يتحدث الفيلسوف الماركسي” لويس ألتوسير” عن التاريخ فإنه يـحدده بكونه عملية تتحرك دون ذات فاعلة ومؤثرة حيث يقول عنه ” إنه عملية دون ذات “. فقد قام بتغييب الكائن الإنسانـي ونفيه بجعله خاضعاً إلى بنية خارجة عنه ومتحكمة فيه، وكأنـه ينظر إلى الإنسان ويتُصوره كبنية دون تاريخ وكعلاقة دون فاعلية وكموضوع دون ذات.
2- عندما يقارب التحليل النفسي الذات البشرية فإنه يعلن تبعية البعد الواعي للنوابض اللاوعية وتأثر الشخصية الإنسانية بالماضي الطفولي وتفكك البناء الداخلي للإنسان وعجز الأنا عن السيطرة عن أفعاله وأقواله وأفكاره ونهاية مقولات الحرية والإرادة والحقيقة والمسؤولية.
هذا التصور الخاص نجده عند جاك لاكان ويؤدي إلى إلغاء الكائن الإنساني وذوبانه ، حيث يـجعله خاضعاً لاكراهات الهُوَ ومحكوماً بالمحددات اللغوية المترسبة في بنية اللاوعي. إننا نكتشف مع لاكان هبوط الخطاب الفلسفي إلى ما وراء الوعي، وصعود الخطاب العلمي والمقاربة الموضوعية حيث الغوص في اللاوعي البشري يكشف عن مجموعة من العقد والمكبوتات تمثل سلطة رقابة تمنع النمو الطبيعي للشخصية. وحجته على ذلك أن ” الذات ،على عكس ما كان يتصور كانط، ليست اذن هي ممركز المعرفة بما أنها تدور هي نفسها حول القسم اللاواعي الذي يسكنها. والتناهي الانساني هو أيضا جذري أكثر مما يتخيل هو: ويجب أن نقر أن آخره ، حده هو سلفا ما يخترق وجوده نفسه.”[6] ربما الدرس الفلسفي الذي يمكن تحصيله من التحليل النفسي هو أن الإنسان هو كائن مدفوع بشكل طبيعي نحو الثقافة ، ولكن هذه الأخيرة تبدو غير قادرة على تمكينه من نحت صورة جميلة لنفسه لاسيما وأنها مرتبطة بالقمع والكبت واستغلال الغرائز. كما تقضي المقاربة البنيوية على القوة المفكرة المتمثلة في ” العقل ” وعلى القدرة الإحالية للغة إلى العالم الخارجي وتكشف عن كوجيتو جريح يجعل السلوك الإنساني رهين الرغبات الـمكبوتة في اللاوعي والميكانزمات التي تتحكم في الجهاز النفسي.
3- إن موت الإنسان الذي أوجدته اللحظة النتشوية قد تعزز مع ما يعرف بالمدرسة الناقدة للمركزية أو المناهضة للنـزعة الإنسانوية وخاصة مع بنيوية كلود ليفي ستروس في الأنثربولوجيا وميشيل فوكو في حفرياته للخطاب العلوم الإنسانية . هذا التوجه كان منتظرا بعد ظهور موضة مغادرة أرض الميتافيزيقا وبعد الإعلان عن موت الإله وأفول المطلق. وقد وجد ميشيل فوكو الطريق معبدا لكي يقول بـ “موت الإنسان” عندما صرح بأن الإنسان مجرد اختراع حديث العهد ومجرد انعطاف في الـمعرفة، وتنبأ باختفائه لما تتخذ هذه الـمعرفة شكلا جديداً. في السياق نفسه نجده يقول:” الإنسان يحيا ويرغب، يعمل ويتبادل، يتكلم ويرمز، ولما حاول هذا الإنسان أن يطبق على نفسه ما طبقه على الكائنات والأشياء أي أن يتصور قوانين رغباته وشكل اجتماعه وقواعد عمله ولعب أطفاله ورموزه، لم يكد يعثر على نفسه”[7]. اللافت للنظر أن الإنسان الذي يقصده فوكو وينعيه بالاختفاء والموت هو ” ذلك الإنسان الواعي والمسؤول والمالك لزمام أمره، والفاعل في تاريخه بفعل تضافر إرادته أو الإمكانيات التي توفرها علومه، إنسان الطموح والحقوق والواجبات”، وربما من الأسباب التي عجلت باختفائه وقوع ضحية الأوهام وسقوط تلك ” الصورة الجميلة التي كان يحملها عن نفسه وارتسام صورة جديدة قبيحة ومنفرة ولكنها صورته الحقيقية، وما يعزز ذلك هو انتهاء التنوير إلى تبرير الاستعمار ومحاولة فرض فكرة الديمقراطية وحقوق الإنسان بالقوة وشرعنة العنف والقول بالحرب النظيفة والثقافة الراقية والرفيعة.
في هذا السياق يعبر هيدجر عن ضرورة الخروج من النزعة الإنسانية وتصور الإنسان خارج إطار فلسفة الذاتية:” إذا كان على الإنسان أن يصل في يوم ما إلى الإقامة بالقرب من الوجود، فإن عليه قبل كل شيء أن يتعلم كيف يوجد فيما لا اسم له. وأن يعرف كيف يعترف بواقعة الإشهار على قدر اعترافه بضعف الوجود الخصوصي. إن عليه قبل أن ينبس ببنت شفة أن يدع نفسه أولا رهن إشارة دعوة الوجود له، وتحذيره إياه بفعل هذه الدعوة، من خطر عدم وجود ما يقوله سوى النزر اليسير، أو عدم وجود ما يقوله إلا نادرا. وحينئذ فقط يعود للكلام غنى ماهيته اللامتوقع، وللإنسان مسكنه في قلب حقيقة الوجود ليقيم فيه”[8]. هنا وقع التشكيك في فكرة الحداثة بماهي تطور للعقلانية العلمية والتقنية التي وضع لبناتها الأولى غاليلي وبايكون وديكارت وتواصلت مع الوضعية وفلسفة الأنوار وارتبطت بازدهار فكرة العقل والكونية في جميع مجلات الحياة بما في ذلك الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والدين، وبدأ الحديث عن لامعقولية العقلانية وزيف أسطورة التقدم ونهاية التاريخ وتوطد المجتمع الإكراهي الانضباطي. لننظر إلى جان فرنسوا ليوتار كيف يصف الوضع ما بعد الحداثي:”قد منحنا القرنان التاسع عشر والعشرون من الإرهاب قدر ما نحتمل. لقد دفعنا ثمنا باهظا للحنين للكل وللواحد، للمصالحة بين المفهوم والمحسوس، بين الخبرة الشفافة الشفافة والخبرة القابلة للتوصيل. وتحت المطلب العام للنضوب وللتهدئة يمكننا أن نسمع دمدمة الرغبة في العودة إلى الإرهاب في تحقيق الوهم للامساك بالواقع. والإجابة هي: لنشن حربا على الشمولية، لنكن شهودا على ما يستعصي على التقديم، لننشط الاختلافات وننقذ شرف الاسم.”[9] غير أن بروز مدرسة الاختلاف وفكر مابعد الحداثة والاتجاه التفكيكي في الفلسلفة والأدب قد زاد من عدد حفاري قبور الذات البشرية وأوقع الإنسان في حيرة أكسيولوجية رهيبة ضاعفت من الريبية واللاأدرية وروجت لمفاهيم القطيعة الكارثية والنزعات الارتكاسية والواقعية العدمية، فكيف يمكن استعادة الأمل وتأهيل الكائن البشري للاندراج مجددا ضمن العالم؟ هل تكفي مقولة عناية المرء بنفسه حتى تخفت أصوات القائلين بموت الإنسان؟
3- الانهمام بالذات وإنسانية الآخر:
” الانهمام الذات يتضمن إنتاج الإنسان لإنسانيته على طريقة تمفرده. وما إن يشرع المرء في ممارسة هذا الفن حتى ينخرط في معايشة جدل حي سري ، يخصه وحده، بين الخاص والعام، بين المفرد والكلي… فالانهمام بالذات لا يتحقق بمعزل عن الآخر. ذلك أن تذوق تفرد الذات كذات لي وحدي لا يتم إلا بنوع من اعتراف الآخر بذلك وإقراره لي.”[10] يعود الفضل للفيلسوف الألماني مارتن هيدجر في جعل المذهب الإنساني مجرد نزعة ثقافية تخفي التمركز على الذات والرغبة في التسيد على الكون وفي التمييز الإختلافي بين الوجود والموجودات والربط البدئي بين الوجود والإنسان وفي طرحه للسؤال عن الإنسان لا بصيغة الماهية والجوهر بل بصيغة التاريخ الإنساني والحضور في العالم وطبيعة الوجود الاجتماعي، وحتى عندما تساءل هذا الفيلسوف:” كيف يمكننا أن نعطي من جديد معنى لكلمة “النـزعة الإنسانية؟” فانه أجاب كما يلي:” التفكير في حقيقة الوجود هو في نفس الوقت التفكير في ماهو إنساني في الإنسان”.
هذا قريب من الحقيقة لأن الإنسان حارس الوجود وكليمه الأوحد وحامل رسالته والناطق بسره الدفين وصوته الأخرس، علاوة على أن الوجود نفسه هو منبع الأصالة والتجذر وهو الذي يمنح وجودانية الموجودات ويعطي شيئية الأشياء، كما أنه يهب الحياة للأحياء والتفكير للفكر والحدس للبصيرة والحفظ للذاكرة والعزيمة للوجدان والإرادة للقلب والقدرة على الإحساس للحواس وعلى الإدراك التخيلي للخيال، لكن أليس الفكر الإنساني من حيث هو إنسان يفكر هو فكر الوجود وليس فقط فكر الإنسان؟
“أليس في دعوة الوجود هذه للإنسان، كما في محاولة إعداد الإنسان لـهذه الدعوة، مجهودا يهم الإنسان ذاته ؟ ما هي غاية “الـهمّ” (le souci) إذا لم تكن هي إعادة تشييد الإنسان في ماهيته ؟ هل يعني هذا شيئا آخر غير جعل الإنسان إنسانا ؟”
ربما العناية بالذات هو الطريق الملكي للتخلص من أوهام الكلي والانسانوية الزائفة والسير في الدرب المؤدي إلى اعتبار الانساني في الإنسان إنقاذا له من الضياع في العالم، ولعل أحسن المداخل الممكنة من أجل الوصول غالى هذا المطلب هو الاهتمام بالتجربة اليومية والاندراج في العالم والانخراط في تجربة الجسد الخاص وبناء نظرة جمالية للكون والقيام بتدبير اتيقي للطبيعة. “إن التفكير في الجسد هو الذي يقوم فيه ماهو إنساني داخل الإنسان بالدور الموكول له…إن عبارة ماهو إنساني في الإنسان مستمدة من الأدب المكتوب ومن هذه الرواية لما بعد الستالينية حيث أعيد النظر في كل ما قيل من قبل.” [11] غني عن البيان أن مطلب الإنسان في بناء الكوني يبدو مهددا بالاضمحلال أمام استشعار الناس بضرورة الانتماء وإرضاء الحاجة إلى الهوية والغربة عند إتباع مرشد عام في الحياة اليومية وأمام تنامي خطر النزعة الثقافية التي تتميز بالتنوع والتعدد، أليس الثمن الذي يدفعه الفرد لبلوغ القيم الكونية هو انقطاع الحبل الذي يربطه بثقافته الأصلية ومع جماعته التي ينتمي إليها؟ أليس التساؤل عن النسبية الثقافية وكونية القيم هو في قلب كل الخصومات الفكرية في العشرية الأخيرة وهو أيضا اهتمام تاريخي بالأساس؟
“إن الانهمام بالذات ليس مجرد تأدية للعام بطريقة الخاص، بل انه ذاتي الانهمام. فإن لم يكن كذلك، لن يخرج عن كونه من عادات المغايرة والطرافة العارضة المنتمية إلى مباحث السلوكيات واللياقات الأدباتية. أما ذاتي الانهمام فهو ما يتبقى بعد طرح العاديات والأخلاقويات العمومية وأنمذجة السلوكيات، والأطرزة والموضات. فيتأسس شيء آخر. يتأسس الانهمام بماهو ذاتي موضوعه، أو – إن شئنا لسانيا أنطولوجيا بماهو ذاتي نصه وقراءته”.[12] وهو ربما نظير لما عبر عنه بول ريكور بالنص كوسيط لإنتاج الذات أو الذات التي تنتج نفسه عن طريق وساطة النص قراءة وتدبرا.
إن الكائن البشري ليس من الناحية البيولوجية كائنا فارغا بل إن انتمائه إلى الطبيعة يمنحه ملكات وحاجيات تبدو كلية. وعندما يوظف على أحسن وجه طاقته الحيوية يتمكن من تأهيل قدراته ومن تدبير نمط من الوجود المتفتح ومن بناء مجتمع غير قمعي يخلو نسبيا من أشكال الاغتراب والتشويه.
إن تاريخ البشرية هو تاريخ انتصارات الاجتماع والتمدن على الطبيعة والتوحش والإنسانية هي مطالبة على التو بأن تضع نصب عينيها مهمة التدرب على التحكم في قدرتها الخاصة في السيطرة على الطبيعة بما في ذلك الجانب الطبيعي من الطبيعة البشرية.
انه من الضروري اليوم أن نبتعد عن الخطاب الافتخاري المدحي حول الذات والكف عن الادعاء بأن الأنا قادر على تحقيق إنسانيته بنفسه في تطابق تام وشفافية مطلقة والنظر إلى أن هذه المهمة صعبة ولامتناهية التعقيد وتتطلب ثورة إنسية جديدة تتسلح بالشجاعة والحب والمقاومة والأمل وتعمل على الاستفادة من وساطة السرديات والرموز والعلامات والنصوص والصور في تحريضها على قبول الآخر واحترامه والتفاعل معه من أجل نحت إمكانيات حياة أكثر ثراء وتنوع وأكثر تحضر وإنسانية.
إن المطلوب اليوم هو العمل على استثمار الوجود الآخر وآخر الوجود والتوجه رأسا نحو صناعة إنسانية الإنسان الآخر وذلك بالتركيز على المشترك الانساني الذي تكتنزه الطبيعة البشيرية ضمن دائرة الإمكان ويحتاج إلى من يخرجه إلى الفعل، لكن ما نقصد بالمشترك الانساني؟ هل هو الشغل والحرفة والفعل بلغة حنا أرندت في إطار التكامل بين الفضاء الخاص والفضاء العام وبين الحياة التأملية والحياة العملية؟ ألا يتضمن مقولات التملك والكينونة والقيمة والفعل بلغة اريك فايل؟ لماذا لا يكون المشترك هو الفطرة التي جُبل عليها كل كائن وهب الحياة على هذه الأرض ويداهمه الموت؟ أليست إنسانية الآخر هي القلعة الخيرة التي نرابط بها للاحتماء من أنواء وعواصف الحملات اللاإنسانية المتزايدة في زمن العولمة المتوحشة؟ ما معنى قول الغزالي الشهير:” إذا قلت الإنسان الكلي أشرت به إلى المعنى المعقول من الإنسان الموجود في سائر الأشخاص. ولا وجود لإنسانية واحدة هي إنسانية زيد وهي بعينها إنسانية عمرو”[13]؟ ألا يشير بذلك إلى ضرورة الاعتراف بإنسانية الإنسان الآخر؟ فما رأي هذا الآخر الذي لا يحترم حتى الإنسانية التي يحملها في طبيعته الإنسانية؟

المراجع:
————————————
Edouard delruelle, Métamorphoses du sujet, l’éthique philosophique de Socrate à Foucault, édition De Boeck& larcier, s.a, Bruxelles, Belgique, 2004.
جيم هيريك، مدخل عام إلى النزعة الإنسانية ،الناشر: بروميثيوس بوكس ـ لندن 2005
جاك رولان ،مقال إنسانية الإنسان، مجلة أوراق فلسفية عدد17، ملف عن ايمانويل ليفيناس
عبد الأمير الأعسم ،المصطلح الفلسفي عند العرب، ، الدار التونسية للنشر1991
عبد العزيز العيادي، مسألة الحرية ووظيفة المعنى في فلسفة موريس مرلو-بولتي، صامد للنشر والتوزيع، صفاقس، تونس، الطبعة الأولى 2004 .
علي حرب، لعبة المعنى، فصول في نقد الإنسان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 1991
فريديريك نيتشه ، العلم المرح، ترجمة حسان بورقية –محمد الناجي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء المغرب، بيروت لبنان. طبعة 2000 .
جان – فرانسوا ليوتار، الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة أحمد حسان، دار شرقيات،القاهرة، الطبعة الأولى 1994
مطاع صفدي، ماذا يعني أن نفكر اليوم، فلسفة الحداثة السياسية، نقد الإستراتيجية الحضارية، مركز الإنماء القومي، بيروت – باريس، الطبعة الأولى 2002.
مارتن هيدجر ، رسالة في النزعة الإنسانية، ترجمة عبد الهادي مفتاح، مجلة فكر ونقد المغربية عدد11.

شاهد أيضاً

سياساتُ الجمالِ: هل يمكن الثأرُ بالفنِّ؟

سامي عبد العال      ذات لوحةٍ قال سلفادور دالي: ” كلُّ ضربةٍ لفرشاة الفنان ناتجةٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *