الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / شر الفلسفة يأتيها من الداخل: التفكير في فاجعة التحاق أستاذ فلسفة بتنظيم داعش

شر الفلسفة يأتيها من الداخل: التفكير في فاجعة التحاق أستاذ فلسفة بتنظيم داعش

بلال مراوي / مدرس فلسفة

ليس التفكير الفلسفي  في عمقه تفكيرا مذهبيا، أيديولوجيا كان أم عقائديا، يروج لخطابه وأفكاره عن طريق سياسية إشهارية، إستقطابية، وإنما هو تفكير حر في الحدث بالمفارقة، تفكير يُسائل مسلمات الناس، التي غالبا ما تبدو لغير الفيلسوف أمورا عادية، بطريقة تكتنف كنهها وتُفجر تناقضاتها الداخلية، فهو وبدون شك تفكير عقلي رصين، يتجاوز التعاليق الإعلامية والسياسية والأيديولوجية والعقائدية، الموسومة بقدرتها على تبني أفكار سطحية دون مساءلتها أو التفكير فيها، وتصدير هذه الأفكار بعناوين براقة ومليئة بالأحكام المسبقة، بحيث يصل بها الأمر أحيانا إلى درجة التطاول على التفكير الفلسفي نفسه، ومحاول تلبس ملامحه والنطق بلسانه، لتشويه صورته.

إن سبب هذا التطاول [الـ]ـغير الشرعي على التفكير الفلسفي، هو عدم قدرة الفيلسوف على تسيج نفسه بحدود تبين له ولغيره، الإطار العام الذي يحد تدخل تفكيره في المسائل السياسية والتاريخية والإعتقادية، أو قل إن شئت في مسائل الرأي العام عامة.

يبدو أن عدم القدرة هاته، ناتجة عن ترويج فكرة زائفة، قد يسقط الفيلسوف ذاته ضحية لها وهي: »أن بمقدور الفيلسوف التحدث في كل شيء«،[1] في الأمور الاجتماعية وفي المشاكل العائلية وفي برامج التنمية البشرية، فهذا الذي يفعل أشياء من هذا القبيل؛ قد نسميه هنا جزافا، بفيلسوف التلفزيون، الذي يتحدث في كل شيء وعن كل شيء ويعرف كل شيء، وليس بالفيلسوف الأصيل الذي قد لا يعرف شيئا، سوى الكيفية الصائبة التي ينشئ بواسطتها مشكلاته من خلال التفكير في أوضاع الناس واكتنافها دون التدخل الفعلي فيها أو التدخل لحلها.

الشيء الذي يجعل تدخل الفلسفة في الحاضر قاصرا أو لنقل بعيدا عنه شيئا ما، فهي من جهة، تتدخل في مسائل الحاضر لتفكر فيها وتضعها موضع تأزم لفهمها، مع حفظ مسافة بينهما، ومن جهة أخرى، تظل محايثة لنفسها، بعيدة عن مشاكل وأوضاع الناس وتخبطاتهم الاجتماعية، فهي إن شئنا، تفكير فوقي في أحداث تحثيه – واقعية – عن طريق طرحها في قضايا تبين تناقضاتها وعدم تكافئها الداخلي، ثم صياغتها بعد ذلك في قالب سؤال إشكالي.

فعلاقة الفلسفة بالحاضر تقوم إذا؛ على التفكير الكوني في الواقع مع الانقطاع عن الواقع نفسه، فعندما »قال أفلاطون [ذات] مرة الفلسفة إيقاظ،« [2] فإنه كان يعلم يقينا بأن الإيقاظ يتضمن انقطاعا عن النوم، ولكنه لا يتضمن انقطاعا عن التفكير في النوم، فهو انقطاع صوري وليس انقطاع فعلي، وبالتالي يمكن القول بتعبير باديوي إن »الفلسفة يمكن أن تحدث في كل مرة توجد فيها علاقة قائمة على مفارقة، أي علاقة هي ليست علاقة، وضع يتضمن تمزقا ما. « [3]

والتفكير الإيجابي في المثال السابق يجعل الكيس يتفطن إلى منبع المدفئة التي تلحف شرف الفلسفة وتحرق الرماد الذي تبقى منها في البلدان العربية، لكي تقضي عليها بصفة قطعية، فهو لهيب داخلي يأتي من الفلسفة ذاتها لا من خارجها، فحينما يفقد من ينتسب للفلسفة عرضا، حدود تفكيره ويتدخل في أمور الناس العادية بكيفية تجعله منخرطا فيها فعليا، يفكر نسبيا في معضلاتها، ويُنّظر لها، ويدعو إلى بعض الحلول التي يعتقد أنها كفيلة بتجاوز مشاكلها، دون أن يأخذ المسافة الكافية لتأملها، يجد نفسه منساقا مع القطيع في عربات الصغار، غير قادر على الخروج منها، مما قد يدفعه أحيانا إلى تبني مواقف أيديولوجية معينة، تجعل من يحوط به يقرن اسمه باسم الفلسفة، ويجد من ثمة فرصة مناسبة للإشارة إليها بأصبع سلبي المنعث.

وهذا ما يدفعا إلى التفكير في فاجعة التحاق أستاذ فلسفة بتنظيم داعش، تفكير لا يخرج، بطبيعة الحال، عن دائرة التفكير الفلسفي نفسه الذي رسمناه لأنفسنا سابقا، فأن يتبنى أستاذا للفلسفة أو منتسبا لها، توجها أيديولوجيا معينا، ليس معناه أن الفلسفة في كليتها قد تبنت هذا التوجه، وصارت إليه، بقدر ما يعني أن الذي تبنى هذا التوجه الأيديولوجي، قد تنصل من التفكير الفلسفي نفسه، ولذلك فالفلسفة إذا ما فكرت في فاجعة، مدعي الفلسفة هذا، فلسفيا، ستجد أنه بفعله ذاك أحدث انقطاعا عن التفكير الفلسفي، ولم يحدث انقطاعا عن الواقع. مما يجعله ينتسب للقطيع ويتشبث بآرائه ويفكر معه، ولا ينتسب إلى ما سميناه تفكيرا فلسفيا.

والذي عندي أخيرا، قد يلزمني دون أن يلزم غيري بالضرورة، هو أنه ليس كل منتسب للفلسفة فيلسوفا، لأنه وداخل الفلسفة ذاتها قد نجد الفيلسوف الأصيل وفيلسوف التلفزيون والمرتزق بالفلسفة، بل وقد نجد عدو الفلسفة الذي يتنصل باطنيا منها ويدعي ظاهريا أنه ينتسب إليها، وبالتالي فشر الفلسفة يأتيها دائما متربصا في صورة فيلسوف أو أستاذ فلسفة أو دارس لها، فيسعى إلى قذف الفلسفة ذاتها من الداخل لا من الخارج، لكن السؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا، هو: هل يشكل هذا التربص ضربا للفلسفة في الأعماق؟

إن معظم الآراء والتعليلات الوارد في هذا الصدد، قد تجعل من الأمر ضربا للفلسفة في الأعماق، وقتلا لجذورها، غير أن هذا العلاج بالنسبة لنا يبدو عديم الفائدة، مما يدفعنا إلى نبذه، وتبني الطرح القائل: إنْ تنصل الكل من الفلسفة وأصابتهم قسوة الكآبة التأملية التي تجلبها، فَامْنع وحدك الفكر المغلق والأبحاث المزعومة، وفَكر فيها بعلاقة هي ليست علاقة، فكر فيها دون أن تجعلهم يجدون لك الفرصة المناسبة لكي يجعلوك تنخرط معهم فيها، ولكن بالموازاة مع تفكيرك هذا »كن، فيلسوفا[…] ووسط فلسفتك كلها ابق إنسانا. « [4]

الهوامش

  • آلان باديو وسلافوي جيجيك، الفلسفة في الحاضر، ترجمة وتقديم يزن الحاج، دار التنوير، الطبعة الأولى، 2013 ص: 19.
  • نفسه، ص: 28
  • نفسه، ص: 29
  • ديفيد هيوم، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي بيروث لبنان، الطبعة الأولى، 2008، ص: 26.

 

 

شاهد أيضاً

“هل الجمال ذاتي أم موضوعي ؟”  تأليف: فينتشنزو جيوبرتي 

ترجمة وتقديم: البروفيسور كمال بومنير فينتشنزو جيوبرتي Vincenso Gioberti فيلسوف إيطالي، ولد في مدينة تورينو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *