الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / الدعوة إلى الانفتاح على فلسفة التربية الأنوارية

الدعوة إلى الانفتاح على فلسفة التربية الأنوارية

نجيب جيهان / المغرب

كان عصر التنوير الأوروبي، الذي يؤرخ له عادة بأنه ابتدأ بصدور كتاب جون لوك {مقالة في الفهم البشري} عام 1690م وانتهى بصدور كتاب إيمانويل كانط {نقد العقل الخالص} عام 1781 وهو الخطوة الأخيرة التي هيأت الغرب لدخول عصر الحداثة، ذلك الحدث الذي يجني الغرب وبقية العالم ثماره حتى اليوم.

من أهم انجازات التنوير اهتمامه بجانبي التربية والتعليم، لكونهما الركيزة الأولى في إعداد أساس التنمية الحديثة المؤسسة على العلم الحديث والاقتصاد الصناعي والتطور التكنولوجي وأعني به الإنسان الحديث الذي كان فلاسفة التنوير ينظرون إليه على أنه وحده من يقع عليه عبء زحزحة الغرب آنذاك من ظلام القرون الوسطى باتجاه عصر الحداثة الظافرة.

ووفقا لفلسفة التنوير، فإن التربية الحديثة والتعليم الحديث المنتج أمران متلازمان والتربية تسبق التعليم وتساوقه في نفس الوقت ولكي ينجح التعليم لابد من نجاح التربية أيضا.

ولقد تمثلت أول خطوة اتخذها فلاسفة عصر التنوير في تطوير نظرية حديثة لفلسفة التربية والتعليم، فلسفة تأخذ على عاتقها إبعاد شبح الخرافة والشعوذة اللاعلمية واللاعقلانية عن مجال الحياة العامة بشكل عام، مقابل تكريس الروح العقلانية والعلمية التي تنبذ الخرافة وتحكم التفكير العلمي والمنطقي في كل ما يتصل بعلاقة الإنسان بالكون والعالم.

لعل هذا يؤكد أن التربية قد شغلت بال الكثير من الفلاسفة والمربين والمفكرين وقد بدأ الفلاسفة  بإدراك هذا المفهوم وكان لهم  السبق في إطلاق مفاهيم جديدة للتربية، فقد كان لهم الدور الأبرز في بداية عصر جديد للتربية وقد اهتم مجموعة من الفلاسفة والعلماء في الاهتمام بالنشء وتربيته التربية الصحيحة واهتموا بتربية الطفل واحتياجه.

لعل مقاربتنا للظاهرة التربوية برمتها هو مقارنة فلسفية محضة أي أن اهتمامها يكمن في

وضع التربية في شموليتها موضوع تساؤل كبير، {ماهيتها، طبيعتها، إمكاناتها، غاياتها} وعلاقة كل ذلك بالفلسفة العامة للمجتمع، ونظرا للدور التوجيهي لفلسفة التربية فهي تعد بمثابة الخيط الناظم الذي يؤلف مختلف علوم التربية بما يجعلها تسير جميعها في خط عام مشترك لا يحيد عن التوجه العام لفلسفة المجتمع, فما هي أهم التصورات الفلسفية التي اهتمت بجانب التربية؟

– تصور جون لوك:

ربما يكون الفيلسوف جون لوك توفي عام 1704م الذي افتتح عصر التنوير يولي اهتماما جديا لفلسفة  التربية والتعليم، فقد ألف كتابا في التربية سماه {بعض الأفكار في التربية}، والذي ظل واحدا من أعظم الكتب التربوية، وهو يبدأ بقوله، العقل السليم في الجسم السليم” وهو وصف مختصر لكنه كامل للدولة السعيدة في هذا العالم.

– الأهداف الأساسية في التربية والتعليم وفقا للوك:

التربية على عقلانية التفكير والتحليل، تلك العقلانية التي ترفض الخرافات واللامعقول ومن تم يجب وفقا لذلك حماية الطفل من قصص الأشباح والأرواح والعفاريت والجن والسحر…فكل ما لا يعاش ولا يعاين في التجربة الحسية، ويجب تربية الطفل منذ نعومة أظافره أيضا على طلب البرهان، في أي معلومة يتلقاها وتربيته كذلك على المناقشة والأخذ والرد مع أساتذته.

ومن أهم الأسس التعليم الحديث عند “لوك”، تربية الطفل والطالب عموما على الشك في المعلومة، أيا كان مصدرها حتى يؤكدها البرهان أو على الأقل يدعمها.

يقول لوك في هذا الصدد “ينبغي تربية الطفل على مواجهة الحقائق، والتفكير السليم، وعدم الاقتناع بالمعلومة حتى يحصل على تفسيرات صحيحة للأشياء التي يكون بإمكانه فهمها.”

كما يجب تربية الطفل على أن الصدق أس الفضائل والكذب أس الرذائل، وهناك مبدأ جوهري في التربية يلح عليه لوك وهو عدم النظر إلى ذواتنا بمهانة واحتقار وعدم النظر بمهانة واحتقار أيضا للآخرين.

ينصح لوك الآباء أن يكونوا حازمين في تأكيد سلطتهم عندما يكون الأطفال صغارا لكن عليهم ألا يستخدموا العقوبات البدنية، إلا بأقل قدر ممكن فمن الأفضل حث الأطفال على طريق ترغيبهم في التقدير والخوف من أن يلحق بهم خزي معنوي، إذا قصروا فذلك أفضل من أي نوع من أنواع الجزاءات والعقوبات، وعندما يكبر الأطفال يجب أن يكونوا موضع ثقة آبائهم فيسمحوا لهم {الآباء} بمناقشة مشكلاتهم ويشجعوهم على تقديم اقتراحات تخص مشكلاتهم.

ويؤكد لوك على أنه لابد أن تكون هناك رعاية تامة لقدرات الطفل واهتماماته وعمل المربي هو أن يعمل على تنمية تلك القدرات والاهتمامات بطريقة طبيعية ودقيقة، مع عناية خاصة بشخصية الطفل.

ويمكن إجمال هذه الأمور في أربعة أهداف أساسية للتربية:

  • اكتساب الفضيلة: وتتجلى في كراهية الكذب والرياء والنزوع نحو حب الآخرين والإيمان بإله رحيم يراقب أفعالنا بعيدا عن الإلحاد والشعوذة الدينية.
  • التزام قواعد اللياقة: القدرة الذاتية على احترام والتزام قواعد اللياقة الاجتماعية بدون الشعور بالنقص {تبخيس الذات}، ولا احساس متضخم بالتكبر والعجرفة {احتقار الآخرين}.
  • التحلي بالحكمة والتعليم: حيث ينبغي أن يبدأ بتعليم الطفل الكلام والقراءة بلغته الخاصة وذلك عن طريق الأمثلة والتمارين لا بواسطة النحو وتعلم لغة أجنبية حديثة في سن مبكرة، كما يعتبر لوك اللعب والنشاط الحيوي عند الأطفال مسألة ضرورية للعملية التعليمية، مادام التعليم باللعب بهجة وسرورا.
  • القدوة العملية: التأكيد على أهمية القدوة الحسنة والممارسة العملية بدل اللجوء إلى التعليمات والنصائح والعقاب.

وتبدأ القدوة الحسنة مع الوالدين الذي يتوجب عليهما تجنب العقاب الشديد والضرب وكذلك لا ينصح بتعين المكافأة المصطنعة.

لعل ظهور مظاهر التجديد التربوي لفلاسفة الأنوار، لم يأتي هكذا عبثا وإنما كان نتيجة لما عانته التربية من عوامل الانحطاط والتهميش والتي يمكن اختزالها في التربية التقليدية.

فما هي خصائص هذه الأخيرة؟

من الأكيد أن النظريات التربوية المعروفة بالتقليدية وجدت في ظروف مغايرة لتلك التي برزت فيها التربية التقدمية فنجد أن التربية التقليدية أغفلت عنصر الطبيعة الانسانية وقيدت حرية الفرد وأهملت دور المتعلم في العملية التربوية وهذا كله انطلاقا  من التصورات الفلسفية التي استندت إليها كمفهومها المطلق للعقل وتصورها الثابت للعالم وحطها من قيمة تجربة الفرد.

إنها تربية موروثة من عهود سابقة على العصر الحديث التي تهيمن عليها فلسفات يونانية ووسيطية وهي تربية محافظة لأنها توسلت بالضغط والقسر الخارجي لتبليغ عقائدها للناشئة ومن أهم مبادئ هذه التربية، يمكن تلخيصها على الشكل التالي:

تتكون التربية من مجموع المعارف والمهارات الماضية والمهمة الرئيسية في نظرها تكمن في نقلها إلى الجيل الجديد.

مقاييس السلوك وقواعده موجودة في الماضي، لذا فإن واجب التربية الخلقية هي التزام هذه المقاييس في بناء عادات السلوك.

الطابع العام الذي يميز نظامها المدرسي {التربية}، أي علاقة التلاميذ ببعضهم وعلاقة التلاميذ بمدرسيهم هو أنها جعلت المدرسة مؤسسة مغايرة، لسائر المؤسسات الاجتماعية.

إضافة إلى هذا فإنه نتيجة لما وصل إليه الفرد في عهد فلاسفة الأنوار من قبل من اهمال، وإلى استبداد الملوك وتحكمهم في الرعية وإلى سلطان الكنيسة الجاهلة التي كانت تدعي لنفسها حق انقاد الناس وتطهيرهم من آثامهم التي ولدوا بها.

فهذه الظروف السياسية والدينية هي التي جعلت أغلبية فلاسفة التنوير ينادون بحق الفرد في حرية التربية وبجعل هذه التربية تنمية ما عند الفرد من قوى الطبيعة، إذن فما هي مظاهر التجديد التربوي عند فلاسفة التنوير؟

– جون جاك روسو: التجديد التربوي:

نشر روسو عام 1762 الكتاب التربوي “إميل أو في التربية” في خمسة أجزاء يتناول روسو في كل جزء منه مرحلة من مراحل عمر الانسان وهذه الأجزاء الخمسة هي ما يلخص فيها مجمل أفكاره حول التربية.

لقد اعتبر كتاب “إميل أو في التربية” فتحا جديدا في التربية حيث كان له أثر كبير في توجيه نظرياتها وأساليبها واستحق أن يطلق على العصر الذي ظهر فيه “عصر الطفل”، يمكن القول أن الأطروحة الأساسية في فكر روسو التربوي تتمحور حول ضرورة النظر للطفل، أي اعتبار خصوصياته العفوية والجسدية والنفسية والوجدانية، وبالتالي لا ينبغي التعامل معه بمنطق الرجل الصغير أو الراشد الذي سيكون في المستقبل، فالتربية الحقيقية ليست حصرا رهانا واستثمارا مستقبليا، إنها تكمن في اعتبار حاضر الطفل وآنيته هي الأهم، وعليه فالتربية يلزم أن تكون سلبية، يجب أن تكون تربية الطفل الأولى سلبية محضة تنحصر لا في تعليم مبادئ الفضيلة والحقيقة، بل تجنب مزالق القلب والإثم والنفس ومهاوي الزلل.

– المراحل الخمسة لعمر الإنسان: 

– المرحلة الاولى: منذ خمس سنوات وفيها يجب ترك الطفل حرا طليقا حتى يتعود على مواجهة مشاكل الحياة لذلك فإنه في حاجة إلى النشاط البدني وضرورة تربية الطفل من قبل والديه معا، فالإنسان صالح بالفطرة والتربية نقية من المجتمع الذي قد يفسد هذه الطبيعة.

– المرحلة الثانية: من خمس سنوات إلى اثنا عشر سنة: التربية في هذه المرحلة، تربية بدنية وخلقية فمنهج الإعداد يشمل الألعاب والتمثيليات والتدريب البدني، عندما يصبح الطفل قابلا للتعلم والمناقشة، يرى روسو أن تعليم الصدق والابتعاد عن حشو الذهن بالخرافات يشكلان أساس هذه المرحلة، كما يشدد على التربية البدنية التي جعلت القدماء أقوياء وأشداء، فيتصور بطله إميل في الثانية عشر من عمره قويا مليئا بالحيوية والنشاط، خالي من الفكر والهموم والمشكلات.

– المرحة الثالثة: من اثنا عشر سنة إلى خمسة عشر سنة: يرى روسو عدم اللجوء إلى الكتب لتعليم الأطفال، بل يؤكد على أن الطبيعة هي موضوع الدراسات كالجغرافية والفلك والجبر، وأن يكون أسلوب التدريس، الممارسة العملية، ويجب تعويد الطفل في هذه المرحلة على الخشونة والتقشف من خلال ممارسة النشاط الزراعي واليدوي وتساعد على تطوير لياقة بدنية. حيث يبدأ التعليم الإيجابي، ففكرة التعلم من الظواهر الطبيعة هي من مبادئ روسو التربوية، كما أراد روسو أن يتعلم إميل الذي قارب سن الرشد مهنة مفيدة في الحياة تؤمن له رزقه فاختار لبطله مهنة النجارة.

– المرحلة الرابعة: من خمسة عشر سنة إلى عشرين سنة: حيث يجب تعليم الطفل دينيا وخلقيا وتعليمه القراءة وتذوق الفنون وممارسة التمارين البدنية العنيفة، حيث يرى روسو أنه لا يجوز مطلقا غرس التعليم الديني عند مراهقين لم تنضج مداركهم بعد.

– المرحلة الخامسة: وفيها يتطرق إلى تربية المرأة وإعدادها لتتحمل المسؤولية بعد الزواج وكان ينصح بالتمرين البدني لغرض المحافظة على الرشاقة حيث يخص روسو هنا المرأة بصفات خاصة مثل، وجوب تربية البنت على أساس أن تكون امرأة صالحة مستقبلا قادرة على تحمل مسؤولية تربية أطفالها، ثم يجب أن تكون زوجة صالحة تهتم بالأمور المنزلية وأن تكون حسنة الهندام وجميلة المنظر.

– الأهداف الأساسية للتربية:

من بين الأهداف الأساسية لتربية جون جاك روسو هو إعداد الطفل ليصبح قادرا على ضبط حريته وعلى استعمال قوته في التعليم، وتكوين عاداته الطبيعية ليصير قادرا على ضبط نفسه عندما يقوم بأحد الأعمال التي يأتيها بحرية من إرادته.

كما يوجه روسو بهذا الصدد خطابه إلى الأمهات فهو يراها أقدر على التربية من الآباء وسبيل تحقيق تربية صالحة، وقد قسم روسو بهذا الصدد في إطار تحقيق تربية صالحة وناجحة من حياة تلميذه التعليمية إلى تلاث فترات.

– المرحلة الأولى: من الولادة إلى حدود اثنا عشرة سنة: التعليم يكون كله بدنيا وخلقيا برأي روسو وأما تربية الكتب والتعليم من الكتب وحتى تعليم الديانة، فينتظر نمو العقل فلن يتعلم إميل حتى السن الثانية عشر أي كلمة عن التاريخ ولا يكاد يسمع اسم الله، ويجب أن يكون التعليم في الريف حيث الطبيعة والابتعاد عن صخب المدن.

دعا روسو في هذه المرحلة إلى أن يتعلم الطفل بطريقة سلبية أن يبعد عن كل ما يضره وأن يتعلم عن طريق المحاولة والخطأ، فحتى إن كسر زجاج الغرفة فلا ينبغي أن يعاقب ولا حتى أن يصلح هذا الزجاج بل يترك حتى إذا شعر إميل بالبرد على أنه قد أخطأ بكسره لزجاج الغرفة.

– يرى روسو أنه لابد أن تكون تربية الطبيعة هي الأساس وأن يترك الإنسان للطبيعة ليتعلم منها لأنها خير معلم، كما أكد مثله مثل لوك على التعليم بالقدوة وبدون القدوة يرى أنه لا تنجح في تعلم الأطفال أي شيء ونهى عن الوعظ.

يرى روسو أن تدريب العقل منذ الصغر خطأ وهو ابتداء من حيث يجب الانتهاء إذ يرى أن العقل آخر ما ينمو فلذلك يجب تركه ينمو بطبيعته وعدم استعجال نموه، ويرى أن الأطفال الذين يناقشون عقليا باستمرار هم في غاية البلاهة.

– المرحلة الثانية: من سنة اثنا عشر إلى سنة عشرين: في هذه المرحلة يمكن أن يدرب العقل ويجوز أن يقرأ بعض الكتب.

– المرحلة الثالثة: بعد عشرين سنة: في هذه المرحلة خصصها روسو في كتابه إميل أو في التربية  لتربيته على المشاكل الجنسية والإعداد للزواج وهو يرى دور المعلم بأن يصف للطالب المثل الأعلى للفتاة والمرأة والزوجة ويحاول أن يطبع ذلك في ذهن إميل هاديا له وهدفا في البحث عن الزوجة المناسبة، وهو يرى أن تكون تربية الفتاة خاصة ، تهدف إلى اخراج فتيات يقدرن الحياة الأسرية ويحافظن على تربية أبنائهن على الفضيلة مع إعطاء الإذن لإميل بأن يخرج ليختار زوجته بنفسه لا يختارها له معلمه ولا أبواه ولكن من حقهم عليه أن يستشيرهم في احترام.

– مظاهر التجديد عند إيمانويل كانط:

لعل حسب كانط أن التربية هي شرط ضروري لحصول التنوير وكذا التقدم البشري الذي أعلنت عنه الثورة الفرنسية وهو بهذا الصدد يميز كانط بين استعمالين للعقل:

الاستعمال العمومي للعقل والاستعمال الخصوصي للعقل مؤكدا أنه إذا كان الاستعمال الثاني للعقل قائم بذاته فإن الاستعمال الأول للعقل يكون ملازما للإرادة الفردية وهي التي تجعل التعقيل عموميا وهذا ما عبر عنه شعار التنوير “تجرأ على استخدام فهمك الخاص، معنى هذا أن الاستعمال العمومي للعقل يتطلب استعمالا خاصا وذاتيا للإرادة، حيث إن استعمال الانسان لعقله استعمالا عموميا، يجب أن يكون دائما حرا وهو وحده يمكن أن يؤدي إلى تنوير الناس وذلك انطلاقا من شروط معينة من بينها، أن يكون مستعمل العقل رجل فكر وأن يستعمله أمام جمهور يتكون من القراء، وأن يخاطب الجمهور كتابة وعلانية.

– علانية التنوير بالتربية:

لا شك أن كانط يولي اهتماما كبيرا لمسألة التربية والذي لازمه طوال حياته، ولم يكن نتيجة للواجب المهني فقط وإنما كان دائما يعتبر بأن التربية هي أهم وأصعب مشكلة تطرح على الانسان، وهذا التأكيد الكانطي ليس من قبيل التأكيدات السطحية بقدر ما يعبر عن الاهتمام البالغ لدى كانط بمسألة التربية، ذلك أن فكرة التنوير عند كانط تتضمن بعدا تربويا إضافة إلى انفتاحها على حركة التفكير المعاصرة {الأنوار}

وعلى هذا الأساس يعتبر كانط أن غاية التربية لا تنحصر فقط في الاهتمام بالحالة الراهنة وتكوين الناشئة وفق متطلبات الواقع الراهني الذي يعيشه المجتمع، أو إعداد الأطفال للنجاح في الحياة كما يريد ذلك أولياؤهم، بل الأهم عند كانط هو تكوين هؤلاء حسب رؤية مستقبلية.

– تأملات في التربية:

يبدأ كانط بالتأكيد على مسألة التربية بالنسبة للإنسان، ذلك أن الانسان هو المخلوق الوحيد الذي يجب تربيته  أما الحيوانات فتتعهد نفسها بنفسها كما أن المقصود بالتربية عند كانط ليس الإتيان بشيء جديد مخالفا للطبيعة بقدر ما هو اتخاد الاجراءات والاحتياطات اللازمة التي يقوم بها الوالدان لأطفالهما.

في إطار هذا يؤكد كانط على مسألة “الانضباط” ويعتبر هذا بمثابة الشرط المحقق للإنسانية إذ عن طريق الانضباط يصير الانسان إنسانا، فالحيوان حسب كانط لا يحتاج أن يحدد لنفسه مسار سلوكه، فقد حدد سلفا من طرف الطبيعة لكن الانسان حسب كانط يحتاج إلى استعمال عقله الخاص ليحدد لنفسه مسار سلوكه.

الانضباط عند كانط هو الفعل الذي يجنب الانسان من حيوانيته وهو يقابل التوحش وهذا الأخير حالة مستقلة عن القوانين، بينما الانضباط يخضع الإنسان لقوانين الانسانية وهذا يجب أن يتم في سن مبكرة حسب كانط.

فالأطفال يرسلون إلى المدرسة ليس من أجل أن يتعلموا شيئا، بل من أجل التعود على الانضباط والامتثال لما يؤمرون به وهذا يقي فيما بعد من الخضوع للنزوات والأهواء، حيث لو تركنا الانسان في حداثة سنه يتصرف وفق مشيئته ودون شيء يمنعه لاحتفظ طول حياته بنوع من الوحشية وعدم الخضوع لأوامر العقل. فكانط لا يعني هنا الطاعة العمياء للإنسان بقدر ما هي طاعة العقل وأوامره.

يشير كانط إلى مسألتي الاستعمال العمومي للعقل والاستعمال الخصوصي للعقل ذلك أن هذا الأخير لا يعيق تقدم الأنوار، إذ الأمر لا يتعلق أبدا بتقييد الحرية وإعاقة التقدم الأنواري…إذ يقول كانط “إن استعمال الانسان لعقله استعمالا عموميا يجب أن يكون دائما حرا، وهو وحده يمكن أن يؤدي إلى تنوير الناس، أما استعماله الخصوصي فيمكن غالبا تقييده بصرامة شديدة، دون أن يعوق ذلك بشكل خاص تقدم التنوير.

إذن فكرة الانضباط لا تعني أبدا إقصاء الحرية بقدر ما تعني الاستعمال الخصوصي للعقل.

يعتبر كانط أن هناك فترتين بالنسبة للطفل، فترة أولى ينبغي أن يظهر فيها الطفل الامتثال والطاعة السلبية وفي الفترة الثانية نعلمه وفق القوانين كيف يفكر وكيف يمارس حريته، فالقسر آلي في الفترة الأولى وهو أخلاقي في الثانية.

يعود كانط ليتساءل مرة أخرى حول مشكلة الحرية ومشكلة الطاعة والامتثال.

كيف يمكن الجمع بين امتثال المرء قسرا للقانون وبين القدرة على استعمال حريته؟ كيف يستطيع الطفل تعاطي الحرية في ظل هذا القسر؟

يجيب كانط ينبغي أن أعود تلميذي على قسر يتقل حريته وفي الوقت نفسه أوجهه هو بالذات إلى حسن استخدامه لحريته.

– بعض القواعد الكانطية التي يجب اتباعها في عملية التربية:

ينبغي ترك الطفل حرا في كل الأمور منذ الطفولة الأولى، باستثناء الأمور التي يمكن فيها أن يضر نفسه، ولكن شرط أن لا يناوئ حرية الآخرين، وهذا في حد ذاته نفس المبدأ الذي دعا إليه روسو وكانط متأثر به.

يبين كانط  أنه لا يقدر الفرد على بلوغ غاياته إلا إذا ترك الآخرين يحققون غاياتهم… مثلا أنهم لا يفعلون أي شيء يرضيه، إن لم يفعل هو ما يريدون.

ينبغي أن نتبين له أننا نمارس عليه قسرا يقوده إلى استعمال حريته الخاصة، وإننا نقمعه لكي يستطيع ذات يوم أن يكون حرا، أي لا يكون تابعا لرعاية الآخرين.

يؤكد كانط أن على التربية الأخلاقية أن تقوم على مبادئ وجب الانضباط لها أي أن نعود الطفل أن يتصرف وفق مبادئ يتبين هو نفسه عدالتها باعتبار أن مصدر هذه المبادئ هي الإنسان نفسه وهي أولا مبادئ المدرسة ومبادئ الانسانية بصفة عامة.

كما أن الطاعة ضرورية بالنسبة للطفل حسب كانط وهي قسمان:

– طاعة مطلقة، بمعنى إطاعة القوانين سواء داخل المدرسة أو داخل أية مؤسسة، وكذا

– طاعة قوانين الدولة وهذا ما سماه كانط بالاستعمال الخصوصي للعقل…ثم هناك،

– طاعة إرادية بمعنى لا تخضع للالتزام بل تكون نابعة من إرادة الطفل وبرضاه…

من الناحية الأخلاقية، يرى كانط أن الانسان بطبيعته ليس كائنا أخلاقيا بالمرة وهو لا يصير كذلك، {كائنا أخلاقيا} إلا عندما يرتقي عقله إلى مفهوم الواجب، والإنسان في ذاته يحتوي على دوافع تبعت على جميع الرذائل، ولا يصبح أخلاقيا إلا عندما يمارس على ذاته نوعا من الالزام والاكراه.

أما بخصوص الجانب الديني نجد كانط يختلف نوعا ما عن روسو لأنه يذهب إلى ضرورة جعل الطفل على وعي بالأمور الدينية والغاية التي من أجلها يصلي الإنسان ويتوجه إلى خالقه.

فكانط يتجاوز نطاق الدين لما يكون مضمونه بلا روح أي عبارة عن مجرد طقوس وشكليات وإغراء بالجنة أو تهديد بالنار، كما يقف موقفا سيئا إزاء دعوات الالحاد وإفراغ حياة الناس وسلوكياتهم من أي غاية.

– تصور جون ديوي حول التربية:

لاشك أن جون ديوي حسب بعض الدارسين يعتبرون أن شهرته كصاحب نظرية تربوية

تقدمية وثورية تفوق شهرته كفيلسوف.

لقد أصر جون ديوي على توثيق الصلة بين الفلسفة والتربية على اعتبار أن هاته الأخيرة هي الكفيلة باختيار صحة المبادئ الفلسفية وتساعد على اصلاح المجتمع وتغييره وحمله على مسايرة الإيقاع المتسارع لظرف الحياة، حيث حصر قيمة الفلسفة في تحديدها للمشكلات واقتراحها لطرق معالجتها، لأن المذهب الفلسفي يسعى إلى إيجاد سبل التكيف الاجتماعي ويعمل على تشخيص المشكلات التي تعترض الفرد في واقعه ويبحث عن الحلول لها انطلاقا من الواقع المتغير، أما إذا بقيت في سياقها الفكري المجرد تخص الفلاسفة دون غيرهم وتبتعد عن الواقع فإنها تصبح تشكل خطرا على الفكر والانسان والمجتمع.

بعد هذا التوضيح نعود إلى فلسفة التربية عند جون ديوي متسائلين عن أبرز معالمها في التجديد الفكري والتربوي والاجتماعي والسياسي.

لقد كان إيمان ديوي بالدور العظيم الذي تقوم به التربية، في المجتمع عميقا وهو الحافز الذي قاده إلى التأكد من صحة آرائه التربوية، عن طريق اختبارها عمليا.

وتتجلى أفكاره التجديدية حول التربية على الشكل التالي:

– أن التربية ضرورة في كل مجتمع.

– إنها ظاهرة طبيعية في الجنس البشري، يرث  من خلالها الفرد حصيلة الحضارة الانسانية.

– إنها تتم لا شعوريا، بفعل المحاكاة والتقليد وبحكم وجود الكائن البشري داخل المجتمع.

– إنها كعملية  مقصودة تفوق على جانبين أحدهما نفسي ذاتي خاص برغبات الفرد وميوله، والآخر خاص بالمجتمع في تقاليده وضوابطه ونظمه.

– لقد كانت الخطوة الأولى التي اتبعها جون ديوي في تجديده التربوي هي رفض التربية التقليدية.

– مظاهر التجديد التربوي عند جون ديوي:

ويمكن أن نجملها في المبادئ التالية:

– الاهتمام بالتعبير عن الذات وتنميتها عوض القسر الخارجي.

– الاهتمام بالنشاط الحر بدلا من قواعد النظام الخارجي.

– التعلم عن طريق الخبرة، بدلا من التعلم عن طريق الكتب والمدرسين.

– اكتساب المهارات والنواحي الفنية العملية، يعد وسائل لتحقيق أهداف.

– استبدال الإعداد للمستقبل باستغلال فرص الحياة الراهنة.

– استبدال الأهداف والمواد الجامدة بالتعرف على عالم متطور ومتغير.

من المعروف أن أساس التجديد عند  ديوي انبنى على أساس مخالفة التربية التقليدية ومجاوزتها حيث وجدت التربية التقليدية في ظروف مغايرة لتلك التي برزت فيها التربية التقدمية، فالقرن 19م عرف تطورات هامة علمية وسياسية واقتصادية، أدت  إلى ظهور مجتمعات صناعية وثقافية معقدة وكان من الواجب مراعاة هذه التغيرات وأخذنا بعين الاعتبار فيما ينبغي أن يخطط له من سياسات تربوية.

لعل هذا يوضح لنا أن مفهوم فلسفة التربية عند ديوي في أنها استخدام للطريقة الفلسفية في التفكير لمناقشة المسائل التربوية حيث اعتبر ديوي الفلسفة هي النظرية العامة في التربية.

لقد اتضح المفهوم الذي قدمه ديوي لفلسفة التربية غير أن هذا المفهوم يوحي لنا بعدم تفرقته ولا تمييزه بين فلسفة ونظرية التربية إذ يجعلهما وجهان لعملة واحدة وهو ما يفسر التداخل الذي وضعه بين التربية والفلسفة، وما يؤكد ذلك قوله: “التربية كالفلسفة في صعوبة عزل أي مبحث من مباحثها ابتغاء البحث والمناقشة.”

فالترادف الذي وضعه  بين الفلسفة  والتربية مرده إلى اشتراكهما في وظيفة واحدة فكلاهما يقوم على نفس المبادئ الأخلاقية ويحمل نفس الغايات الاجتماعية. مما يقتضي تجسيد النظرية التربوية في الواقع وممارستها ممارسة علمية.

– الخبرة أساس فلسفة التربية عند جون ديوي:

لقد اعتبر ديوي أن الخبرة أساس التربية الجديدة، فأساس التربية الصحيحة، إنما تتحقق بها، ولا شك أن الخبرة التي يقصد بها جون ديوي هي الخبرة النافعة التي تحقق تفاعلا بين الفرد وبيئته.

والخبرة السليمة حسب ديوي هي التي تكتسب عن طريق الديمقراطية، أي تقوم على المشاركة الحرة الفعالة للفرد داخل المدرسة أو المجتمع وعن هذا الطريق الديمقراطي تنتج خبرة راقية، لأنها بعيدة عن كل ضغط وإكراه على عكس ما كان يحدث في التربية الكلاسيكية التي تجبر الأفراد على حمل المعلومات كما يراها المربون دون مراعاة رغبات الأطفال وقدراتهم ومستوياتهم الفكرية والنفسية.

كما يؤكد ديوي على المشاركة الاجتماعية الحرة وهي ميزة المجتمع الديمقراطي التي تنشده التربية التقدمية فهي ضرورية  لدوام الحياة الجماعية ولذلك دأب ديوي على وضع التلازم بين التربية والحياة وتنكشف رغبته من خلال هذا التلازم في بناء تصور جديد لطبيع الحياة حيث يثبت أن فلسفته التربوية تمتد إلى كل مجالات الحياة لاعتبار التربية وسيلة للحياة الحاضرة وأداة مستقبلية للمجتمع، لا تقوم على اعداد أفراده بل تعمل على تمكينهم من التكيف ومسايرة الظروف الاجتماعية والثقافية عن طريق خلق روح المشاركة الجماعية في الوعي الجماعي من خلال إثارة قوى الأفراد  لما تتطلبه المواقف الاجتماعية التي يواجهونها، فهي بذلك أسلوب الحياة.

– أهداف التربية:

إن أهداف التربية يجب أن تستند إلى بيئة اجتماعية سليمة والتي من خلالها يحدث التفاعل وتتوفر تلك الشروط التي تمكن من بلوغ الأهداف الصالحة سواء كانت بيئة مقصودة، {المدرسة} أو غير مقصودة، {المجتمع}، بحيث يشترك في تحديد الأهداف كل المعنيين على أن يكونوا واعيين بالظروف التي تحيط بالأولاد.

ما يمكن قوله، أن نظرية التربية عند ديوي هي نظرة فلسفية تكشف عن رفضه للفلسفات التربوية التقليدية المحكومة بالنظرة الأحادية والسكونية التي تؤمن بالثبات وتعتمد على التوجيه والتسلط، هذا الرفض يكشف عن تميز فلسفته التربوية بالتغير والتجدد والاستمرارية.

– حدود منهج التربية عند فلاسفة الأنوار:

ما يحاول روسو أن يقوم به هو إبعاد إميل عن المجتمع الفاسد ولعله يكون على بعض الحق، ولكن لماذا لا يحاول اصلاح هذا المجتمع بدلا من هجره وعدم التعامل معه، فمهما يكن فلا بد أن نراعي التنشئة الاجتماعية فهي أساس كل تنشئة، وإنه لمن المستحيل أن نربي كل الأطفال بعيد عن مجتمعاتهم وإلا فسيكونون مجتمع جديد لا تربطه بمجتمع الآباء أي علاقة.

خلط روسو بين الخيال والحقيقة فهناك أفكار لا يمكن تطبيقها حتى لو كانت مفيدة ولعله من الأفكار التي لا يمكن تطبيقها في فلسفته حتى لو افترضنا صحتها، أن يكون لكل طفل معلم خاص به يعلمه لمدة عشرين عاما، فلو حاولنا تطبيق هذا المبدأ، فإننا بذلك سنحتاج لملايين المعلمين ولاحتجنا لآلاف القرى حتى نرسل أبناءنا إليها ليتعلموا في أحضان الطبيعة، ثم أنه لا يمكن لأي معلم أن يضحي بحياته وأسرته ويبقى أعزبا حتى يعلم أحد الأطفال مهما بلغ هذا الأجر المعطى، فالمعلم بشر له حياة خاصة ولا يمكن أن يضحي بحياته من أجل طفلا واحدا.

يدعوا روسو إلى عزل الطفل عن المدينة والذهاب به إلى الطبيعة حتى لا يصاب بالترسبات الحضارية وأن لا يعلم شيء وهذا فيه تطرف بل وتدمير للطفولة، فالطفولة هي أجمل مراحل حياة الانسان، حيث أن الطفل كثير الأسئلة، يحاول أن يكون له فلسفة في هذه الحياة ويحاول الاطلاع على كل ما يجهله، وتركه في هذا الطوفان، لاشك أنه سيجعل منه إنسانا بدائيا يتعامل مع الحياة دون وعي حيث ما فائدة إبعاد الطفل عن كل ما قد يتسبب له الأذى وإبعاده في نفس الوقت عن مجتمعه الفاسد أثناء تربيته دون أن يكون ذلك سبب في وعيه وجعله انطلاقا من هذا المجتمع كيفما كان وضعه أن يكون وعييه، فمسألة أن يبقى الطفل بعيدا عن المجتمع هي مسألة  قد لا تساعد الطفل في تشكيل رؤية واقعية عن الحياة وكأنه يعيش في عالم خيالي متالي.

إن الطفل إذا انتقل للريف والهواء النقي، فهذا ولا شك يساعده على أن ينشأ نشأة سليمة قوية ويتنفس الهواء النقي وروسو جعل من هذا الانتقال للريف لإبعاده عن والديه ومجتمعه حتى لا يتأثر بما لديهم من تراكمات ثقافية أي أن روسو كان يعتقد أن المجتمع فاسد وأنه للمحافظة على الطفل فلا بد من إبعاده عنهم.

يرى روسو أنه لا ينبغي أن يعلم للطفل أي دين حتى يبلغ الثامنة عشر وعندها نحدثه عن الله، وهذه من شطحات روسو التي قاده فكره إليها فهل يمكن أن لا يسمع الطفل اسم الله حتى الثامنة عشر، وهل هذا سيساعد الطفل على الاطمئنان والطمأنينة التي يجدها الانسان في الدين، لاشك أن روسو كان لا يؤمن بدين مع أنه أدان للفكر ولكن إيمان روسو لم يكن حقيقيا هذا ما يظهر جليا في كتابه إميل فهو يرى أن الدين له فوائد دنيوية ولا يرى له فوائد في الدار الآخرة، هذا ما جعل طه عبد الرحمن ينتقده حيت اعتبره يمثل الصيغة الطبيعية للأنموذج الدهراني وهو أحد الأنواريين الذين اقترن اسمهم بهذا الدين تحريرا وتنظيرا ، فروسو كما هو معروف قد اتبع طريقا فيه تضاد بين الدين الطبيعي والدين المنزل بهاجس طرد الخرافة، والاتجاه نحو الدين من دون وحي إلى درجة أن روسو جعل من أهداف التربية الدينية، كما جاءت ملامحها في كتابه إميل أو التربية هي بالأساس تحرير الذهن من الأفكار المسبقة والأحكام المتوارثة ليرجع إلى براءة الضمير الفرد ووجدانه النقي من شوائب الاتباع والتقليد، باعتباره النقاء الأولي الذي خرج به المرء إلى الوجود، وبهذا الأساس فإن الدين الطبيعي عند روسو ينبني على انكار الوحي، إنكار الملائكة، إنكار النبوة، إنكار الخلق باعتباره  يجمع بين العدم والوجود.

اعتبر طه عبد الرحمن كانط مجسد للصيغة النقدية للأنموذج الدهراني فهو صاحب كتاب، “الدين في حدود مجرد العقل”، على أساس أن ما نفهمه من عنوان الكتاب هو تعرية الدين من ملابس العقائد السائدة والمختلفة والكشف عن نواته الصرفة أي العقل المحض، حيث حاول كانط في كتابه هذا أن يلون الدين بقالب الأخلاق وأن يحذف منه كل الطقوس والشعائر، أو بمعنى آخر عمل كانط على إفراغ الأديان من مضمونها التاريخي ليملأها بمضمون عقلاني متعال عن الزمان والمكان وفصل الدين عن المعتقد، واعتبار الدين الحق هو الواحد الذي لا يرتكز على الوحي.

كما تتوجه حنة أرندت بالنقد لديوي في إطار ما يعرف بأزمة التربية حيث تؤكد أن النظريات الحديثة في التربية التي جاءت من وسط أوروبا والتي هي عبارة عن خليط مدهش لأمور لا يحمل بعضها أي معنى من إحداث ثورة عميقة في النظام التربوي الأمريكي برمته تحث شعار التقدم في التربية.

إن ما ظل في أوروبا مجرد تجربة حاول البعض تطبيقها هنا وهناك في مدارس قليلة وفي مؤسسات معزولة قبل أن يمتد تأثيره شيئا فشيئا إلى بعض القطاعات، قد قلب رأسا على عقب بين عشية وضحاها.

إجبارية التمدرس حتى من السادسة عشرة في العالم الأمريكي تلزم جميع التلاميذ بولوج الثانوية، وهكذا صارت الثانوية في العمق مجرد امتداد للمدرسة الابتدائية، ويترتب عن هذا النقص في التعليم الثانوي أن التحضير للتعليم العالي صار بالضرورة من مهام الكليات التي وجدت نفسها مرغمة على وضع برامج جد مكثفة تنعكس سلبا على جودة العمل المنجز فيها.

إن الفكرة التي تبناها العالم الحديث، فيما يخص التربية على غرار التربية الكلاسيكية هي الفكرة التي وجدت تعبيرها المفهومي والنسقي في البراغماتية، ومفاد هذه الفكرة الأساسية، أن المعرفة والفهم إنما يتوقفان بالدرجة الأولى على الممارسة، فنحن لا نستطيع حسب هذا التصور الأساسي، أن نعرف ونفهم إلا ما نفعله ونمارسه بأنفسنا، وتطبيق هذه الفكرة في مجال التربية بسيط وواضح، إنه يعني إقامة الفعل مقام التعلم قدر الإمكان.

من تلك الأسباب أن أزمة السلطة في التربية ترتبط أشد الارتباط بأزمة التقليد، أي بأزمة موقفنا من كل ما له علاقة بالماضي ويصعب على المربي تحمل هذا الجانب من الأزمة، لأنه مطالب بإقامة الروابط بين القديم والجديد.

حيث ترجع مشكلة التربية في العالم الحديث، إلى كون هذه الاخيرة أي التربية، لا تستطيع بطبيعتها، أن تتجاهل السلطة والتقليد في الوقت نفسه الذي يجب أن تمارس في عالم لا تهيكله سلطة ولا يضبطه تقليد، وهذا يتعين على المربين وعلى الجميع، ما دمنا نعيش سويا في عالم واحد مع أبنائنا ومع اليافعين أن يتخذ من الناشئة موقفا يختلف جذريا عن الموقف الذي نتخذه تجاه بعضنا البعض، ويجب أن نفصل بصرامة بين مجال التربية والمجالات الأخرى وخاصة منها مجال الحياة السياسية والعمومية.

 

شاهد أيضاً

فُـتـون

مريم القحطاني كاتبة يمنية أمريكية “ومن هي تيّه بسلامتها؟” قالت تقية مقاطعة نفسها وقد انغرست …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *