الرئيسية / منتخبات / عامة /  النقد كمنهج في بحث شروط امكانية المعرفة: كانط نموذجا

 النقد كمنهج في بحث شروط امكانية المعرفة: كانط نموذجا

خالد بولعلام

يقول” رويس”: “إن المرء يتفلسف حينما يفكر تفكيرا نقديا في كل ما هو بصدد عمله بالفعل في هذا العالم، حقا إن ما يعمله أولا وقبل كل شئ إنما هو أن يحيا، والحياة تنطوي على اهواء، وعقائد، وشكوك، وشجاعة…ولكن البحث النقدي في كل هذه الأمور إنما هو الفلسفة بعينها.”([1])، فالفلسفة ليست إثباتا و لا نفيا، بل هي تساؤل واستفهام، من هذا المنطلق ألا يمكن القول بأن النقد الكانطي هو الفلسفة بعينها ؟ ما المقصود بالنقد عند كانط؟ ما الصبغة التي يتخذها النقد داخل فلسفته ؟

النقد عند كانط يأخذ صبغة بحث في شروط إمكان المعرفة، بعكس المعنى الذي اتخده هذا المفهوم مع” ماركس” في دراسته لفلسفة “هيجل”، أو مفهوم النقد كما استخدم مع “مدرسة فرانكفورت” في إطار الفكر المعاصر. إن مهمة النقد عند “كانط” تنصب على العقل نفسه، في اتجاه نحو مساءلته عن حدوده ومدى قدراته، فهدف الفلسفة النقدية الأساسي هو إبراز الحدود بين ما يستطيع العقل أن يعرفه وبين ما لا يستطيع أن يعرفه، فهو إذن رسم للحد وقياس للمجال الكلي للعقل الخالص، وهذا يتم لا بالنسبة لوقائع ولكن انطلاقا من مبادئ.

إن الرغبة في تأسيس خطاب فلسفي جديد، يختلف عن كل من الخطاب العقلاني من جهة، والخطاب التجريبي من جهة أخرى هي التي حملت “كانط” على طرح سؤال مركزي متعلق بإمكان المعرفة. لذلك سيعمد إلى النقد، الذي سيمثل الأداة المهمة بغية تحقيق الحلم الكانطي في المجال المعرفي، إنه حلم إمكانية التأليف بين العقل والتجربة، معتمدا في ذلك على النجاح الذي حققه العلم النيوتوني في عصره.

لقد أبرز كانط ضرورة النقد في عصره، يقول “عصرنا هو بخاصة عصر النقد .”([2]). فما نوع النقد الذي يعنيه كانط ؟ إنه نقد داخلي، فالنقد الكانطي موجه بالضرورة الى مؤسسة العقل الفلسفي ذاته، وهو فحص العقل ذاته ليميز بين مجال المعرفة من جهة، ومجال التفكير من جهة أخرى.

إن مملكة العقل الخاصة بدت لكانط خربة وخاوية بفعل الحروب الداخلية، فالعقل من منظور كانطي يعيش وضعا تراجيديا. ، بحيث أن الإنقسام اللاأدري بين ما يصبو إلى معرفته وبين ما يستطيع ان يعرفه فعلا، شكل عموما حربا داخل قارة العقل الفلسفي في بداية القرن الثامن عشر، وإذا كنا نريد خلاصا للفلسفة وسلاما لجمهورية العلم، فلا بد في نظر صاحب “نقد العقل الخالص“من محاولة جديدة ومختلفة، ولابد من تقديم العقل الى امتحان العقل نفسه ،فالعقل الفلسفي ما قبل النقدي-حسب كانط- لم يع أسباب إخفاقاته في مجال الميتافيزيقا، ومن أهم مهام الفلسفة النقدية حمل العقل و إجباره على المرور متهما أمام محكمة العقل ذاته. والعقل هو المقدرة والملكة الذهنية لدى الإنسان عند تجاوزه ميدان التجربة، فكانط يوجه النقد الى العقل البشري من داخل العقل نفسه عند تجاوزه لمجال الحس أو التجربة.

لقد فرض العلم النيوتوني على كانط أن يثور على الفلسفة العقلانية الوثوقية الكلاسيكية، والمقصود بهذه الفلسفة لدى صاحب الثالوث النقدي مجمل الأنساق التي أنتجها العقل الفلسفي، الذي لم ينتقد ذاته. فوفقا للتصور الكانطي كانت الفلسفة في العصر اليوناني ملكة، ملكة كل العلوم ونموذجا للاكتمال، لكن مع العصر الحديث أصبحت الفلسفة حلبة صراع وجدال كبير، فالمذاهب الفلسفية الحديثة –العقلانية والتجريبية –يزعم كل منها امتلاك الحقيقة. فهل الحقيقة واحدة أم متعددة؟ وإذا كانت الحقيقة واحدة فلماذا تعدد الأنساق الفلسفية، كل واحد منها يزعم إمتلاك الحقيقة ؟ أمام هذا الإشكال سعى كانط الى نقد العقل النظري.

إن هدف الفلسفة النقدية يكمن بالأساس في امتحان سلطة العقل، ومقدرته وطاقاته، من هنا كان طرح كانط للسؤال المركزي “ماذا يمكنني أن أعرف ؟”. إنه سؤال نابع من العقل الفلسفي بالذات، بهذا المشروع ربما يكون كانط لأول مرة في العصر الحديث جعل العقل يتأمل ذاته تأملا نقديا، فما نوعية العقل الذي يمارس النقد على ذاته؟ وما نوع هذا ذاته الذي يمارس عليه النقد؟

لو استعنا بتمييز” لا لاند” بين العقل المكون (raison constituante) والعقل المكون (raison constituée) ،لأمكننا القول: إن كانط ينقد العقل الفلسفي المكون والذي اكتمل من حيث البناء عن طريق العقل المكون. هناك عقل فلسفي ممتحن، وعقل فلسفي يمارس الإمتحان، وكانط يبرز في هذا الإطار أن العقل الديكارتي، والعقلاني بصفة عامة، بل الكلاسكي عموما كان يعيش وهم معرفة ما سماه كانط “الشئ في ذاته “.فالمأخد الذي يسجله كانط على الفلسفات القطعية، سواء أكانت عقلية أم تجريبية، هو أنها أغفلت النظر في العقل من حيث هو ينبوع كل معرفة .

إذا كان ديكارت قد انطلق من الشـك في كل انتاجات العقل البشري من أجل وضع صرح لبنائه الفلسفي، فإن “كانط” على العكس من ذلك لم يشك في النتائج التي توصل إليها كل من العلم الطبيعي والرياضي في عصره، فالعلم في نظره أحدث ثورة كبرى(نيوتن)، دخل بموجبها الطريق الواثقة، بينما ظل العقل الفلسفي في حالة تمزق . إن الممارسة النقدية تحث الفلسفة على إحداث ثورتها، حيث إنها تجعل العقل يعي قدراته الذاتية. “فكانط” إذن لم يشك في العلم ،وإنما شك ادعاء العقل معرفته بما يتجاوز التجربة، فاللحظة التي ينبغي فيها ممارسة النقد على العقل هي اللحظة التي يتخطى فيها هذا الاخير حدود التجربة، فحسب التعبير الكانطي يجب أن يقوم العقل بدور الشرطي اتجاه العقل نفسه ،من هنا فالفلسفة النقدية تجبر العقل على الإلتزام بحدوده .فهل يتعلق الامر هنا برقابة ما ؟

النقد ليس رفضا لجميع القيود، وتخطيا لجميع الحدود. يقول “كانط”:”لا يتعلق الأمر هنا بالرقابة“([3])، وإنما بنقد العقل، ولا يكتفي هذا النقد بأن يثبت أن لعقلنا حدودا ،بل إنه يبين نهايات معينة ،إنه لا يكتفي ببيان جهل العقل فحسب، فيما يتعلق بهذه النقطة أو تلك ،وإنما يعني جهالته فيما يتعلق بجميع المسائل التي هي من نوع معين .

إن الخطر على النقد ليس أن يناقض، بل أن لا يفهم([4])،فلا خوف من المناقضة ، لأن النقد لا يسعى الى إثبات معرفة ما، بقدر ما يسعى الى توضيح العقل وصونه من الأخطاء .وهو أيضا ليس بمذهب، بل مهمته حصرا أن يبحث ما إذا كان المذهب ممكنا، وكيف يكون ممكنا. فالحقل الذي اشتغل فيه النقد الكانطي، والذي أمكن لكانط من خلاله ابتداع مشكلته الجديدة التي فتحت حقلا جديدا لإمكان القول وتجدده ،ليس هو حقل الكون بصفته مجال التساؤل القديم، ولا حقل المعرفة أو مجال التساؤل الحديث . إنه “حقل شروط الإمكان” ([5]).والمشكلة الجديدة لم تكن ممكنة بأقل من ثورة في المنهج ، أو بالاحرى لقد استلزمت ثورة منهجية مثلما استلزم حلها رفع النقد إلى مستوى “السستام” .

يقول كانط :”أعني بالسستام وحدة المعارف المختلفة منطوية تحت فكرة ، وهذه الفكرة هي المفهوم الذي للعقل عن صورة كلية، إذا تعين بها نطاق المختلف كما، ومكانة الأجزاء من بعضها قبليا.” ([6]).من هنا كان البحت عن فن” السستام” موضوع وأساس النقدية، يتبع فيه كانط ربط الوحدة القائمة على أنها أساس  كل معرفة، ويبين دورها في ثلاثية مشروعه الفلسفي :” نقد العقل النظري ، نقد العقل العملي ، نقد ملكة الحكم “.

يمثل “كانط” الوحدة ” السستامية “على أنها ليست سوى وحدة مخططة، لا يمكن إعتبارها قائمة، بل هي مشكلة فقط([7]) .فالمنهج الذي يتبعه كانط، يقول هيدجر، رغم تركه هذا المنهج غير محدد، هو تحليلي يجعل العقل يكشف ما ينتجه كليا بنفسه.([8])

إن كلمة ” نقـد ” التي ترد في جميع كتب كانط الأساسية، والتي تطبع المشروع الكانطي في مختلف ابعاده ،تعني أن جميع القدرات البشرية التي تهدف الى تحقيق رغبات الانسان من حيث هو عارف، وعامل ،لا يمكن أن تستعمل استعمالا مشروعا إلا في حدود معينة ، بحيث إذا تجوزت هذه الحدود كان استعمال هذه القدرات غير مشروع([9]).

النقد ليس مجموعة نصائح بمقتضاها لا يتجاوز العقل بعض الحدود، فيكف عن الخوض في بعض المسائل، بل على العكس، فإن النقد سيبين أن هناك جدلا طبيعيا للعقل يؤدي إلى ادعاء المعرفة، وإلى طرح المشاكل طرحا خاطئا، والى الخوض في تأملات غير مشروعة، تؤدي إلى أوهام، لكنها أوهام ضرورية ، لا محيد عنها . صحيح أن النقد يكشف عن كونها أوهاما، لكنه لا يملك أن يقضي عليها .

إن النقد ينصب اساسا على قدرات الإنسان المعرفية لإثبات محدوديتها. فكيف يؤسس النقد للمعرفة ؟ وعلى ماذا ينبني إمكان المعرفة ؟ وما النمودج الذي يبرز امكانية المعرفة.

إمكان المعرفة الفلسفية والثورة الكوبرنيكية في الفلسفة .

يقول كانط في نقد ” العقل النظري” : “لقد ساد الإتفاق حتى الآن على أن جميع معارفنا ينبغي أن تنتظم وفقا للموضوعات، غير أن كل المجهودات التي حاولت (…) أن تقيم حكما قبليا ما وبواسطة مفهوم إزاء هذه الموضوعات (…) قد باءت بالفشل ، فلنبحث إذن (…) كيف يمكننا ان نوفق في مجال المشكلات الميتافيزيقية، بافتراضنا أن الموضوعات هي التي تنتظم وفقا لمعرفتنا (…)، أي تحديد إمكانية قيام معرفة قبلية بالموضوعات، حتى قبل أن تعطى لنا (…). إننا لا نعرف الاشياء قبليا إلا ما نضعه نحن أنفسنا فيها “.([10])

إن الذهن لا يعرف عن الطبيعة إلا ما يضعه هو فيها، أي ما يفرضه هو عليها ، لقد أثبت “جاليلو” قانون سقوط الاجسام، بأن جعل كرات معينة تنحدر حسب سرعة حددها بإرادته على سطح مائل ، وبالتالي فالذهن  الإنساني لا يعرف من الطبيعة إلا بقدر ما يركب، أي بقدر ما يصنع .

بهذا التغيير في منهج الفلسفة نتوقف عن الخوض في أشياء لا نعلمها علم اليقين ، بذلك يصبح الذهن مشرعا للأشياء وللذات العارفة، التي تطبع الأشياء بطابعها، لأنها هي الحاصلة بذاتها على شرائط المعرفة ، فالأشياء تدور حولها لتكون قابلة لأن تعرف، فالأشياء هي التي لا بد أن تحتذي مثال المعرفة.

لقد ورث الفكر الفلسفي فكرة مؤداها أن الحقيقة تتجسد في موافقة التصورات الذهنية للمواضيع الخارجية ، أو ما يعرف ب ” مطابقة ما في الاذهان لما في الاعيان “، أبدى كانط تحفظه من هذه الفكرة التي أشاعتها الفلسفة العقلية من قبل، وذهب إلى أن الموضوعات الخارجية تركب طبقا للمعرفة بها. فوحدة التجربة تكمن في الذهن وحده، ما دامت شروط الطبيعة تستنبط من شروط الفكر([11]).وضعت هذه الفكرة منذ كانط في مصاف الفكر العلمي والفلسفي الحديث، واصطلح عليها في تاريخ الفلسفة ب ” الثورة الكوبرنيكية ” التي أحدثها كانط في المجال الفلسفي . بذلك قام التفكير الفلسفي، في القرن الثامن عشر، على أسس جديدة.

يقول ”  vico” “هذا العالم التاريخي هو بلا شك من صنع البشر، ولهذا باستطاعتنا أن نجد مبادئه في تغيرات فكرنا بالذات “([12])، ومع ظهور هذا المبدأ في منتصف القرن الثامن عشر، أرسي الفكر الفلسفي في فلسفة الانوار على أسس جديدة، والدليل على ذلك قول كانط: “إن ما نقدر على فهمه ونقله للأخرين هو فقط ما نحن قادرين بأنفسنا على فعله“([13])

شكل المنهج الديكارتي – ضدا على التقليد – ثورة فلسفية جديدة مدشنة لمنظومة “الذات”،والتي تعتبر ركيزة أساسية من بين الركائز و الأسس التي قام عليها الفكر الحديث. فكانت ثورة ديكارت مدشنة للحداثة بكل المعايير، ثم بعد ذلك ومع كانط في القرن الثامن عشر أتت ثورته المعرفية، التي قلبت النظام المعرفي الفلسفي رأسا على عقب، وأصبح مفهوم الحقيقة يتسم بصبغة مغايرة تماما لما كان عليه في الفلسفات السابقة على نقد العقل النظري .

في إطار المعرفة يميز كانط بين النومين ،أي الشئ في ذاته والفينومين ،أي الشئ في تمظهراته، فنحن نستطيع النظر الى الأمور من وجهة نظر الفينومينا ، ومن وجهة نظر النومينا ، هناك ثنائيات : نستطيع النظر الى الشئ ونقيضه في نفس الان لكل قضية قضية،هناك مقاربتان متناقضتان : نأخد أولا قضية الحرية، هل الإنسان حر أم مقيد ؟ يتمظهر للإنسان عادة أنه حر، لكنه في المقابل مجبر، هل هناك الحرية أم السببية –أي الضرورة -؟ الأطروحة الثانية وهي أطروحة الروح،هناك فلسفات مادية لا تؤمن بالروح، بدعوى أن هناك أشياء بيولوجية يمكن البرهنة عليها، ونستطيع أن نؤسس فلسفة لذلك، في المقابل لا نستطيع تأسيس نسق فلسفي يبرهن على خلود النفس . أما المقولة الثالتة هي مقولة الله ،حيث يقول كانط : ّأستطيع صياغة فلسفة متماسكة، انطلاقا من وجود الله .وكذلك الأمر نفسه انطلاقا من عدم وجود الله .

ظل الكوجيطو مقولة أساسية، عند ديكارت، وحقيقة لا بد ان نطأطأ الرأس أمامها، لكن قوة شريرة تريد أن توقعّ الأنا  في الخطأ، فما يخطأ العقل هو الروح الخبيث، فنقيض العقل خارج العقل. أما عند كانط فالتناقض يوجد داخل العقل، فنحن نستطيع اثبات وجود الله وعدم وجوده، اثبات وجود الروح وعدم وجودها . يقول كانط في مقدمة الطبعة الاولى لكتابه نقد العقل النظري: ان القدر الفريد للعقل الإنساني، في قسم من معارفه، هو أن يرزح تحت عبء عدد من المسائل التي يعجز عن اجتنابها… ([14]) .

لقد بلور كانط فلسفته النقدية عبر ثنائيات عديدة، أهمها ثنائية :النومين، الفينومين

وقد شكلت هذه الثنائية إشكالية كببيرة آنبثقت عنها فلسفات أخرى، الشئ في نظر كانط له وجهان : النومين والفينومين، فنحن لانعرف شيئا عن النومين، إننا ندرك الأشياء بالحواس، فتتمظهر لنا الأشياء بألوان معينة، وأشكال مختلفة، وهي ليست كذلك، كمثال على ذلك:” العصا في الماء يتمظهر لنا و كأنه منكسر“، وهو ليس كذلك إننا لا نستطيع الإحاطة بالنومينا لمعرفة شئ نصنفه، أي نستطيع وضعه في إطار الزمان والمكان بغية إدراكه، فكل ما نعرفه بالضرورة هو الظاهرة لا الشيء في ذاته”([15]).

إن الظاهرة هي الموضوع الذي نستطيع معرفته، والموضوع هو الشئ الذي ينتج عن تطبيق مقولات “الفهم” ‘على معطيات “الحساسية”. أما الشئ في ذاته فيقول عنه كانط :”إذا سلمت بأشياء تكون ببساطة موضوعا، والتي يمكنها مع ذلك أن تكون مغطاة بهذه الصفة ذاتها إلى الحدس، ولكن ليس للحدس الحسي، فإنه ينبغي أن نسمي هذه الأشياء نومينات (أي أشياء في ذاتها)([16]) . فهل يمكن لمفاهيم ّالفهم ّ الخالصة أن تقيم معرفة بهاته النوميات ؟

إن الزعم بمعرفة ّالنومين ّ هو مجرد وهم وخداع عند كانط، “فالنومين ” أو “المعقول” هو الموضوع الذي لايمكنه أن يكون موضوع حدس حسي، ومن ثم فهو شئ غير قابل للمعرفة مطلقا، هل هذا معناه أنه يجب استبعاده أصلا ؟ النومين موضوع يعطى للفهم ، اي يظل ممكنا، وبهذه الصفة فنحن نفكر فيه فقط، فهو لا يتوفر على أية خاصية معينة تجعله موضوعا قابلا للمعرفة من قبل فهمنا، ولعل ذلك هو الخطأ الذي وقعت فيه الفلسفة العقلية مع ديكارت وغيره، حينما منحت لنفسها الحق في الإنتقال مباشرة من القابل للمعرفة الى القابل للتفكير فقط.

النومين تفكير في غير القابل للمعرفة. ولكنه ليس تفكير في لاشئ بالمرة، إنه تفكير في الوجود، إنه يرسم الحد النهائي الذي لا مناص للمعرفة من أن تتوقف عنده، يقول كانط : “إن مفهوم موضوعات خالصة ومعقولة فقط، هو مفهوم فارغ كليا من المبادئ التي تؤسس تطبيقه ، لأنه لا يمكننا أن نتخيل أية طريقة تعطانا بواسطتها الموضوعات، أما التفكير الإشكالي الذي يترك لها ، مع ذلك، المجال مفتوحا فإنه لا يصلح كمجال فارغ إلا لحد المبادئ التجريبية، دون أن يشتمل أو يشير موضوع آخر للمعرفة خارج نطاقها”([17])

التمييز بين الشئ في ذاته والشئ كظاهرة عند كانط ليس موضوعيا، هذا ما يذهب إليه “هيدجر” في معالجته لإشكالية كانط هاته ،لأنهما الشئ عينه . هذا التمييز في نظر “هيدجر” ذاتي، فالشئ في ذاته ليس موضوعا آخر. ولكنه علاقة أخرى للتصور بخصوص الموضوع عينه . فكل “ما يتمظهر في الظاهرة فهو ظاهرة”([18]) . “الشئ في ذاتهّ ” و”الظاهرة” يفهمان من خلال تناهي الكون الإنساني ، ومعرفة الإنسان المتناهية، إذ إنهما الشئ عينه منظورا إليه من  خلال امكانية معرفته .

يعتبر”هيدجر” المعرفة المتناهية حدسا متلقيا، فموضوع المعرفة يجب أن يقدم نفسه، والمعرفة المتناهية تقدم لنا كائنا يتمظهر –أي ظاهرة -، والظاهرة هي الكائن عينه كموضوع للمعرفة المتناهية، بينما في المعرفة اللامتناهية يكون الكائن في ذاته. كون الحدس اللامتناهي هو الذي يخلقه، أما من منظور “هيجلي” فإن الفكر حين يفكر في ذاته فإن بإمكانه أن يكشف التحديدات المنطقية للوجود ، ولكن عندما يصر كانط أنه لا يمكننا معرفة إلا الوجود كما يظهر لنا، وليس كما هو في ذاته، أي كوجود محض . فهل يعني ذلك أن هناك تناقضا عند كانط ، ناتجا عن عدم وعيه بابعاد اكتشافه ؟

عموما إن تركيز “كانط” على معرفة الفينومين دون النومين ،سيكون مبدأ أساسيا لصياغة عدة فلسفات فيما بعد ، فهوسرل husserl  سيضع فلسفة سيسميها بالظاهراتية phènomènologie أي علم الظواهر ، فحينما نلغي النومين ، نثبت الامور كما تظهر لنا ، يقول شيلي :” المقولة نؤسس عليها هي الأنا ، قوام الأنا هو الحرية . على هذا الأساس فنحن لا نثبت وجود الأنا فقط ، لكن كل ما يتمظهر لنا من طرف الأنا“. فما الدور الذي تلعبهّ  “الأنـا” في تأسيس المعرفة ؟ ما هو أساس الكوجيطو الكانطي ماهي أوجه التشابه، والإختلاف بين  الكوجيطو الكانطي من جهة والكوجيطو  الديكارتي من جهة أخرى؟

3الكوجيطو كأساس لقيام نظرية المعرفة .

قامت الفلسفة  الحديثة على مبدأ  الكوجيطو  cogito ، كما هو الحال مع  ديكارت ونفس الشئ يصدق على كانط ، حيت إن هذا الأخير يتحدث عن الكوجيطو ب “الأنا أفكر فقط“، ويعطي لمعناها أهمية كبرى في تأسيس نظريته ، فما الذي أثار انتباه كانط في فكرة الكوجيطو ؟

الكوجيطو عند ديكارت يقوم على فعل الشك” Le doute ” لأن البداية عنده هي  أنا أشك ، والشك استعداد لإتخاذ طريق جديد أساسه المراجعة الداخلية، والكوجيطو الديكارتي اثبات للأنا، وللفكر ، فالأمران مرتبطان عند ديكارت ، لأنني عندما أثبت الأنا أثبت ما للفكر ولموضوعاته من قيمة، هاته الفكرة استرعت انتباه كانط ، “فالأنا أفكر ” أساس المعرفة عند كانط ، إذ إن المعرفة علاقة الذات، أو الأنا، بالموضوع، وما يعني كانط في المعرفة هو وجود يقين علمي ، فالعلم يدل على إمكان قيام المعرفة ، والمعرفة طبقا لمعناها لدى صاحب الثالوث النقدي ، تأني من”ّالأنا”ّ ومن تكييف الأنا للموضوعات .

يقول كانط “الأنا أفكريجب أن يصاحب جميع تمثلاتي ، إذ بغير ذلك قد يتمثل في نفسي شئ لايمكن أن يكون بالمرة موضوع تفكير، وهذا يؤدي إما الى تمثل مستحيل، او على الأقل الى تمثل ما ليس شيئا بالنسبة لي“([19]) . يؤكد كانط أن كل قضية تبدأ في أذهاننا ب “ّأنا أفكر” فموضوع كل قضية هو دائما الأنا أفكر فما الدور الذي تلعبه الذات، أو الأنا ، في تأسيس المعرفة ؟

بالنسبة لكانط هناك قدرة، انها قدرة على المعرفة، والمهم في عملية المعرفة هو وجود ذات تتدخل لتحصل هاته العملية . إنه وجود فاعل ، يفعل، ولا يقتصر على التلقي، ولا يمكن أن يكون هذا الفعل تكرارا في عملية المعرفة ، فعند كانط –كما سبقت الاشارة –لاوجود لمعرفة فطرية، فكل معرفة تتكون مع تدخل الذات ، والذات في القاموس الكانطي هي ذات فاعلة، هناك إرادة تريد أن تعرف، فعندما يقول كانط :” ينبغي أن تتمكن الأنا أفكر من مرافقة جميع تمثلاتنا”. فإنه يعني بمعنى ما أحكامنا ، أي جميع معارفنا .

لقد حث ديكارت على أهمية ضرورة إعطاء موافقته بالنسبة لهاته المعرفة ، أما مع كانط فالذات هي أساس هاته المعرفة، والذات تتأصل أكثر في فلسفة كانط حين تأخذ مكانة أكبر وأكثر أصالة، وهذا الإتجاه هو الذي سيسير فيه هيجل فيما بعد، وسيعمل على تعميقه.

عموما فكانط تأثر بفكرة “الكوجيطو” وجعلها أساسا لنظريته في المعرفة.إن ابتعاد كانط عن ديكارت يتضح عندما يبين أن قيمة ” الكوجيطو”هي في تأسيس المعرفة بوجه عام، والمعرفة العلمية بوجه خاص.

يحتوي معنى الكوجيطو عند كانط على نقطتين رئيسيتين :الاولى هي كيف يكون  الانا أفكر متمايزا عن الأنا الذي يحدس ذاته ؟ أما الثانية فهي كيف يمكنني أن أعرف موضوعا بوجه عام ؟ وكيف يمكنني أن أعرف موضوع حدس باطني خاص ؟ ففيم يتعلق بهذا الحدس الأخير ، نحن لا نعرف ذاتنا إلا كظاهرة لا كشئ في ذاته .([20])

عندما أثبت قضية ما، فأنا أثبت صراحة، أو ضمنا “أنا أفكر“، فأنا أثبت قدرتي على المعرفة، ولا أثبت في نظر كانط وجودا ، فالأنا هنا له قيمة منطقية لا قيمة وجودية، وعندما أثبت قضية ما، فأنا أثبت أني موجود ، لكنه في اعتقاد صاحب الفلسفة النقدية وجود لا طائل من ورائه ، والمهم في هذه القضية عنده هو وظيفة  ” الأنا أفكر “، إنها وظيفة تقتضي أنا الحاكم –أي الأنا- موجود .

“الانا أفكر”  تعني عند كانط تحديدا ، أنا أطبق الفكر ومقولاته على مادة حسية مبددة ، ويفضل كانط كلمة تركيب synthèse على كلمة تطبيق ، فعملية الفهم هي التركيب أساسا، والأمر يختلف عند ديكارت، فالفكر عند صاحب ” التأملات ” قبل كل شئ تأمل داخلي ، وإن وصل هذا التفكير إلى نتيجة ما أصبح معرفة .

ينحرف كانط من ” أنا أفكر “، أي أنا أتأمل و أشاهد ، إلى ” أنا أفكر ” ، أي أنا أركب. وبالتالي إذا كان ديكارت قد قال : ” أنا أفكر ، إذن أنا موجود “.فإن كانط يقول : “أنا أفكر إذن أنا أركب “([21]).عموما لقد حدد ” بلاتشيه ” قيمة الكانطية باعتبارها فلسفة ورثت انجازات الفلسفات السابقة عليها بما يلي:

1-“قامت بتحويل الذهن من خزان للأفكار الفطرية إلى قدرة مؤطرة تقوم بإضفاء الطابع التركيبي على المعرفة ” ، فالذهن هنا يتخذ طابعا إيجابيا وديناميا فعالا، غير ذلك الطابع السلبي القائم على إدراك الطبائع البسيطة مثلما هو مع ديكارت .

2-“قامت الفلسفة الكانطية بتحويل العقل من مجرد قبس أو نور من العقل الكلي، كما هو بذلك عند ” أفلاطون “، إلى مجموعة معايير وقواعد تسمح بإمكان قيام التجربة. ” ، وهنا أصبحت مهمة العقل وفاعليته متمثلة في إعادة بناء الوقائع والتجربة، عوض إدراك عالم

المثل، أو فكرة الجوهر،…مثلما هو الواقع في فلسفة ” أفلاطون ” و “أرسطو” وغيرهم من الفلاسفة التقليديين.

3-“لم تعد وظيفة العقل مجرد وظيفة منطقية تقوم على التصنيف كما هو الأمر عند “أرسطو”، إنما تعقدت بنيته تعقيدا كبيرا، بحيث أصبح متضمنا لقواعد وأنماط تركيب متنوعة غاية التنوع، وتضاعفت بذلك وظائفه “. أصبح العقل مع كانط مجموعة من المبادئ والوقائع التي تستعمل تجريبيا، وبذلك يجد الحسي إطارا قبليا “Apriori” يضفي عليه وحدة تركيبية

تشكل الشرط القبلي لكل معرفة.

من أرشيف خالد بولعلام:

قيمة الدرس الإبستمولوجي

الدلالة الإبستمولوجية للحظة الديكارتية

فوكو أمام كانط أو بصدد مسألة الأنوار

 النقد كمنهج في بحث شروط امكانية المعرفة : كانط نموذجا

الهوامش:

 زكريا إبراهيم “مشكلة الفلسفة “،مكتبة مصر،طبعة ثالتة 1967،ص46.

  1. موسى وهبة “المشكلة الكانطية ،مجلة الفكر العربي ،العدد 48-1987،ص10
  2. عبد السلام بنعبد العالي “كانط ممهد للفكر الفكر الجدلي”.مجلة الفكر العربي ،العدد 48-1987،ص161
  3. مقدمة الفكر العربي ،العدد48-1987،ص5.
  4. موسى وهبة ،نفس المرجع السابق،ص9
  5. غانم الهنا ” وحدة العقل في “نقد العقل الخالص “، مجلة الفكر العربي ،العدد 48-1987 ص48.
  6. المرجع نفسه، ص52
  7. سعاد حرب ” مراجعة لنص هيدجر ” ” كانط وإشكال الميتافيزيقا “المرجع السابق ص184
  8. عبد السلام بنعبد العالي “كانط ممهدا للفكر الجدلي “المرجع نفسه ص 161
  9. -محمد هشام في النظرية الفلسفية للمعرفة :افلاطون- ديكارت –كانط .افريقيا الشرق 2001ن ص 107
  10. زكريا إبراهيم ،كانط او الفلسفة النقدية ، الطبعة الثانية 1972 ،مكتبة مصر ، ص77
  11. – شتيفرديتش ، مشكلة التجربة في الفلسفة الترنسدالية ، ترجمة صبحية مشورب ، مجلة الفكر العربي العدد 48-1987 ،ص67
  12. المرجع نفسه ،ص67
  13. المرجع نفسه، ص173

15.إبراهيم زكريا كانط أو الفلسفة النقدية ص77

16.محمد هشام، النظرية الفلسفة المعرفة ،ص188

  1. 17. محمد هشام ، في النظرية الفلسفية للمعرفة، ص192

18 .هيدغر ، كانط وإشكالية الميتافيزيقيا ، ترجمة سعاد حرب ، مجلة الفكر العربي ، العدد 48_1987 ص183

19.نجيب بلدي ، دروس في تاريخ الفلسفة ، الطبعة الثانية 2004 ، دار توبقال، ص117

      20,المرجع السابق ، ص117

      21,المرجع نفسه ص119

 

شاهد أيضاً

ايمانويل ليفيناس : نهاية الإنسانوية ومولد إنسانية الآخر

زهير الخويلدي / تونس “يمكن أن يعد سؤال الفلسفة في الإنسان سؤالا استهلاليا وقائما في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *