الرئيسية / أنشطة ومواعيد / تغطية / نظرية الدّولة عند ابن خلدّون

نظرية الدّولة عند ابن خلدّون

لخضر شيخاوي / الجزائر طالب دكتوراه فلسفة تخصص فلسفة عامة بجامعة وهران2

كانت شخّصية ابن خلدّون ولا تزال جذّابة من كل جوانبها، فقد جذبّت أنظّار القدامى والمحدثين من الباحثين سواءً من الجانب الفكري أو الّثقافي، أو من الجانب السياسي، كما تتميز نظرياته بأنَّها على الغالب صالحة لكل زمان ومكان لأنَّها مستقاة من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، فهذا المؤرخ العلامة حفظ أول ما حفظ القرآن الكريم، ثُمَّ الحديث النبوي الشريف، ودرس التفسير والفقه، واللغة العربية والأدب، ثُمَّ غاص في أعماق معاني القرآن الكريم الحديث الشّريف، واستقى منهما نظرياته في العمران، والدولة والاقتصاد، والتاريخ، والتّربية، وعلم الاجتماع، كما نجد في نظرياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية طريقًا نستدل بها على الطرق المثلى للإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تسعى إليه حكوماتنا وشعوبنا.

كما يعتبر ابن خلدون مرجعا هاما لكثير من المفكرين المهتمين بدراسة التاريخ، ومن أبرزهم المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي الذي يوصف بأنّه ابن خلدون الغرب، حيث مثل ابن خلدون أحد روافد فكر توينبي ولعل أكبر دليل على هذا هو قول توينبي الصريح في كتابه الشهير مختصر دراسة للتاريخ عن ابن خلدون: ”إنه لم يستلهم أحدا من السابقين ولا يدانيه أحدا من معاصريه بل لم يثر قبس الإلهام لدى تابعيه مع أنه في مقدمته للتاريخ العالمي قد تصور وصاغ فلسفة للتاريخ تعد بلا شك أعظم عمل من نوعه”.[1] وإذا أردنا أن نلمس الخيوط الأساسية لتفسير التاريخ عند “ابن خلدون” فإنه يجب علينا أن نتعرض بالتحديد لنظريته في الدولة، حيث يرصد لنا ابن خلدون كافة خبراته وإمكاناته العلمية والعملية ليقدم لنا دراسة جديدة عملية تنطبق فيها فكرة التاريخ الجديد على المجتمعات البشرية، وفي هذه الدراسة تنطبق على الدولة؛ فالشريحة أو الانموذج الذي طبَّق عليه ابن خلدون قوانينه وآراءه العامة كانت على (الدولة الإسلامية)، هذا التطبيق لم يخل من تجربته العلمية للحياة العملية ولا من تدرجه في المناصب السياسية كل هذا أثَّر بشكل مباشر وغير مباشر على أفكاره السياسية، وعلى إعماله لهذه الأفكار تطبيقًا على الدولة الإسلامية بوحداتها السياسية المختلفة ومستوياتها الثقافية المتنوعة.

أولا أسباب نشوء الدولة:

اعتبر ابن خلدون التاريخ فنا من الفنون التي تتداولها الأمم، والفن هنا بمعنى التقنية والمهنة والخيال والإبداع الأدبي،[2]  اي أن التاريخ عند ابن خلدون يرتقي إلى مصاف الفنون يقول :” أما بعد فإن فن التاريخ من الفنون تتداولها الأمم والأجيال وتشد إليها الرحاب والرجال وتسمو إلى معرفته السوقة والإقبال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال”[3].

وعن سبب نشوء الدول يقرر ابن خلدون أن هناك سببين رئيسيين يؤديان إلى نشوء وبروز الدولة وهما:

حفظ أمن المجتمع: ليتمكن الناس من العيش والإنتاج، وبالتالي الاستمرار في البقاء، فلكي يستمر الإنسان في بقائه لا بد له أن يحصل قوته.[4] يقول ابن خلدون: ”فالناس إنما يجتمعون في تحصيل المعاش، ابتداء بما هو ضروري وبسيط قبل الحاجي والكمالي فمنهم من يستعمل الفلح، ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان، ومن هؤلاء من ينتحل الصنائع، ومنهم من ينتحل التجارة”.[5] بمعنى أن الاجتماع ينتج التضامن والاتفاق بين الناس على كل ما هو ضروري لكن نتساءل هنا: هل أن الاجتماع دائما يكون محتويا لمصالح الأفراد؟ فالأفراد قد يتناقضون في مصالح عديدة؟ وهنا يبرز دور الدولة والتي تمثل أداة للضبط الخارجي، فالدولة في رأي ابن خلدون ضرورة لابد منها لأنها تنظم حياة الأفراد وتحفظ مصلحهم وفي هذا يقول: ”الملك منصب طبيعي للإنسان وقد بينا أن البشر لا تمكن حياتهم ووجودهم إلا باجتماعهم وتعاونهم على تحصيل قوتهم وضروراتهم وإذا اجتمعوا دعت الضرورة إلى المعاملة واقتضاء الحاجات ومد كل منهم يده إلى حاجته بأخذها من صاحبه لما في الطبيعة الحيوانية من الظلم والعدوان بعضهم على بعض … إلى فوض دون حاكم يزع بعضهم على بعض واحتاجوا من أجل ذلك إلى الوازع وهو الحاكم عليهم وهو بمفيض الطبيعة البشرية الملك القاهر المتحكم”.[6] وما نفهمه من هذا هو أن الدولة ضرورة حتمية يقتاد إليها المجتمع، لأنها تهذب حيوانية الإنسان المتمثلة في الطبيعة البشرية التي تهوى التملك والأخذ ولو بالقوة، مما ينتج عن هذا تلك الفوضى العارمة التي تستدعي ظهور تنظيم محكم والذي يتشكل في (الدولة) والتي تفرض على الإنسان أن يكون مهذبا وأن يعيش منظما، ومنه حسب ابن خلدون فالدولة ضرورة في فكر الإنسان العاقل وهي رادع في فكر الإنسان الغريزي.

العصبية: العصبية تعني أولا الجماعة ولكن ليس مطلق الجماعة، بل بالطبع تلك التي تتكون من أقارب الرجل الذي يلازمونه ، كما أن العصبية تقوم أساسا على القرابة وهذا ثانيا، كما أن جميع أقارب الرجل ليسوا بالضرورة عصبة له بل فقط الذين يلازمونه منهم.[7]

يعرف ابن خلدون العصبية قائلا: ”ذلك أن صلة الرحم أمر طبيعي في البشر إلا في الأقل ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم الضيم أو تصيبهم هلكة، فإن القريب يجد في نفسه غظاظة من ظلم قريبه أو العداء عليه، ويود أن يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب المهالك نزعة طبيعية في البشر منذ كانوا، فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريبا جدا بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بوفرتها، وإذا بعد النسب بعض الشيء، فربما ينفي منها شهره فتحمل على النصرة لذوي نسبه الأمر المشهور”.[8]

ومنه فالعصبية تنتج من طبيعة صلة الرحم، كما أنها تتولد من القرابة في الأساس، وتتباين حسب النسب قربا أو بعدا، فالقرب في النسب يكون أقوى عصبية من البعد منه، كما أن العصبية عند لا ترتبط فقط بالذين يحملون نفس الدم بل يشمل أيضا أهل الولاء والموالي والمصطنعين وفي هذا يقول ابن خلدون: “إذا اصطنع أهل العصبية قوما من غير نسبهم أو استرقوا العبدان والموالي والتحموا به، ضرب معهم أولئك الموالي والمصطنعون بنسبهم في تلك العصبية ولبسوا جلدتهم كأنها عصبتهم وحصل لهم من الانتظام في العصبية كما قال صلى الله عليه وسلم: موالي القوم منهم”.[9] ومنه فالعصبية لا تقتصر على ذوي القربى بل تتعدى خارجة النسب تماما وهنا يمكن أن نقول أن العصبية حسب ابن خلدون يمكن أن تكسب بالتقرب.

كما حاول ابن خلدون أن يوفق بين العصبية وبين مبادئ الإسلام، فقد رأى أن العصبية بمعناها في الجاهلية شعورا مكروها وسلوك يجب أن يدان، لأنها بهذا المفهوم تنبع من شعور الكبرياء والغرور، والرغبة في الانتماء إلى قبيلة قوية ونبيلة، ولقد أن مشاعر التضامن من داخل العصبية لها تبريرها إذا عبرت عن نفسها لأسباب دينية أو دنيوية على أن تكون مشروعة، لقد هاجم المساندة لمجرد الانتماء لنفس العصبية سواءً كانت القضية عادلة أم غير عادلة، يبدو إذن أن المعيار الذي استخدمه ابن خلدون للحكم على العصبية هو غرض العمل الذي يتحقق بفضلها،[10] فالعصبية التي انتصر لها ليست تلك التي سادت في الجاهلية، بل هي العصبية التي يرتجى منها غرض طيّب ومسلك محمود، أي استهدف ابن خلدون الجانب الايجابي من العصبية.

إن الدور الذي تلعبه العصبية في بناء الدولة لا يكون جليًا إلا من خلال تناول تقسيم ابن خلدون للاجتماع البشري، حيث يقسمه إلى:

1-المجتمع البدوي: يعتبر ابن خلدون هذه المرحلة سابقة على مرحلة التحضر لأن اجتماع البدو من أجل الضروري من القوت بينما يتعلق أهل الحضر بفنون الملاذ وعوائق الترف والضروري أقدم من الكمالي.[11] فحياة البدو حسبه حياة تقتصر على ما هو ضروري من أكل وملبس وسائر مناحي الحياة.

تلعب الحاجات الإنسانية دورا بارزا في نشأة العمران وتطوره وبقاء الإنسان والمجتمعات البشرية، وذلك عند ابن خلدون مرهون بأمرين أساسيين في مرحلة المجتمع البدوي خاصة وهما: القوت والغذاء اللذان يضمنان الحياة، ويضمنان أيضا الدفاع الذي يقي الإنسان من مخاطر الطبيعة سواء البشرية أم الطبيعية الخارجية، وهذا كله وفق الاجتماع البشري الذي حتمته الظروف، ومنه فالاجتماع ضرورة لابد منها عند ابن خلدون لبناء الدولة بمعنى أن المجتمع البدوي هو أصل لكل مجتمع.

إن ما يحكم أفراد البدو هو رابطة العصبية حيث نُصرت ذوي الأرحام والأقارب وما يلزم عنها من تعاضد وتناصر، وكلما كانت القرابة بين أفراد البدو أكثر شدة زادت شدة العصبية فيهم، وبالتالي كانت الرّياسة فيهم على سائر البطون والقبائل التي تختلط فيها الانسان، كما تحتفظ القبيلة ببقائها وحكمها ما احتفظت القبيلة بعصبيّتها، كما يدعم العصبية عاملان أساسيان –احترام القبيلة لشيخها وحاجتها المستمرة للدفاع والهجوم.[12]

2-المجتمع الحضري: وهو المجتمع الذي يقطن ساكنوه في المدن، والذين يتفننون في الترف والملذات والكمال في أحوالهم يقول “ابن خلدون”: “إن من طبيعة الملك الدعة والسكون والفرق”.[13] أي أن طبيعة حالة التحضر هي من تقرر على أهلها إيجاد سبل أخرى للعيش، غير التي كانت سائدة في المجتمع البدوي، ومن هذه الوسائل ذكر ابن خلدون الصنائع والتجارة التي تؤدي إلى الترف.

إن العصبية حسب ابن خلدون هي الآلية التي تنقل المجتمع البدوي إلى المجتمع الحضري كما “أن ما يسميه ابن خلدون بالعصبية هو ما أطلق عليه “ميكيافيلي” اسم  “الفضيلة” وهو القابلية الفطرية للسلطة السياسية، وبفضل هذه الصفة يتمكن الزعماء من فرض وجهات نظرهم، فالقول بأن زعماء الفئات التي توجد فيها العصبية قد أيّدوا هذه القابلية هو قول صحيح”.[14]

ومن خلال ما سبق نصل الى أنّ المجتمع البدوي هو أصل للمجتمع الحضري، أي أن ابن خلدون قسم المجتمع إلى قسمين وهو ما فعله توينبي أيضا، حيث قسم توينبي المجتمع إلى مجتمعين- المجتمع البدائي والمجتمع الحضري- وهو ما يوضّح لنا جليا التشابه بين كل من ابن خلدون وأرنولد توينبي في تقسيمهم للمجتمع، كما أن هذا التشابه لا يعني عدم وجود اختلاف فإذا كان كل من ابن خلدون اتفقا في تقسيم للمجتمع، فقد اختلفا في آلية الانتقال من المجتمع البدوي إلى المجتمع الحضري، فابن خلدون قال بفكرة تغير طريقة ونمط العيش وذلك من الضروري إلى الكمالي، أما توينبي فقد رأى طريقة أخرى وهي الانتقال من السكون إلى الحركة وذلك من خلال نظرية التحدي والاستجابة.

إن العصبية كما يرى “لاكوست إيف” هي القوة المحركة للدولة وهي أساس قيام الدولة، إلا أن هذه الأخيرة إذا تحققت (الدولة) عملت على تحطيم العصبية حتى تفسد لها الأمور.[15] ومنه فالعصبية هي العصب الذي يحرك الدولة والذي يربط المجتمع ببعضه، إلا أنها تقوم بعد قيام الدولة بمهمة عكسية، حيث تحاول الدولة التخلص من العصبية، أو بمعنى آخر تذهب العصبية العامة وتظهر العصبية الخاصة لتكون سببا في إنهيار الدولة.

بعد عرضنا لأسباب نشوء الدولة وتقسيم المجتمع يتعين علينا الآن الانتقال إلى المراحل والأطوار التي تمر بها الدولة أي حركة الدولة.

ثانيا أجيال الدولة:

نظر ابن خلدون للدولة مثل ما نظر إلى الكائن الحّي، الذي يولد ثم يكتمل ثم يموت، وعلى هذا الأساس تمر الدولة بثلاثة مراحل تسمى بالأجيال وهي:

الجيل الأول: يقول ابن خلدون واصفا هذا الجيل: “لم يزالوا على حلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة، والافتراس والاشتراك في المجد، فلا تزال صورة العصبية محفوظة فيهم، فخذهم مرهم وجانبهم موهوب، والناس لهم مغلوبون”.[16] بمعنى أنّ الجيل الأول هو جيل البداوة والذي يتميز سكانه بالخشونة والبسالة، لأن صورة العصبية مازالت محفوظة ومتجسدة فيهم.

الجيل الثاني: يقول ابن خلدون: “والجيل الثاني تحوّل حالهم بالملك والترف من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف”.[17] ومنه فالجيل الثاني هو جيل الحضارة والذي يتحقق على يده الملك الذي كان سببا في الانتقال من البداوة إلى الحضارة، والحضارة إنما هي تفنّن في التّرف والملذات وإحكام الصنائع المستعملة، أي أنّ الترف هو غاية الدولة ومقصدها والذي تتباهى به أمام الأمم، إلا أنه لا يلبث إلى أن يصبح في الأخير عالةٌ على الدولة، بحيث يؤدي إلى خراب العمران وهو ما سيكون في الجيل الثالث حيث عبر عليه “عبد السلام الجفائري” في كتابه “مشكلات الحضارة” عند “مالك بن نبي” حيث رأى أن الترف رغم أنه مظهر الحضارة ولكنه أيضا هادمها، فهو غاية العمران ولكنه مؤذن  بنهايته أيضا.[18] وهو ما أكده كذلك “عابد الجابري” أيضا حيث رأى هو الآخر أن الحضارة هي غاية العمران، إلا أن أثر الحضارة المفسدة للعمران تظهر في حياة البذخ والتّرف.[19] ومنه نفهم أن التّرف مظهر من مظاهر لحضارة ومظهر من مظاهر التقهقر والانحطاط في نفس الوقت، ومنه فالتّرف هو غاية العمران لكنه يحمل في طياته تدهوره.

الجيل الثالث: وفي هذا الجيل نسيّ أصحابه عهد الخشونة والبداوة، كما فقدوا حلاوة العّز والعصبية بما هم فيه من ملكة القه، ويبلغ فيهم التّرف غايّته ويفسد أخلاقهم وطباعهم، كما ينقلب التناصر إلى تنافر، والتعاضد إلى تخاذل والتضامن والكفاح من أجل المصالح المشتركة، إلى نزاع وصراع من أجل مكاسب ذاتيّة ومصالح خاصة، فتظهر مظاهر الظّلم إلى جانب التّرف وهو ما يدل على خراب العمران وسقوط الدولة.[20] وهو ما أشار إليه قوله تعالى حسب ابن خلدون: “وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا”.[21]

وخلاصة القول أن مرحلة البداوة التي تمثل فيها الجيل الأول هي مرحلة طبيعية وهي أصل لمرحلة الحضارة التي هي الأخرى حسب ابن خلدون مرحلة طبيعية، والانتقال من البداوة الى الحضارة هو ايضا علاقة طبيعية والتي هي العصبية، إلا أن هذه الأخيرة تتراخى في الجيل الثاني بسبب انصراف النّاس إلى الصنائع والتجارة والتّرف، وبالرغم من أن التّرف مظهر من مظاهر الحضارة إلا أنه هادمها.

والحضارة كما يقول “الجابري”: ”تحمل في طياتها بذور الفساد”،[22] بمعنى أن الفساد النّاتج عن التّرف هو الذي يقود الحضارة إلى الانهيار والهدم يقول ابن خلدون عن (الهدم): “وهو من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دوائها ولا ارتقائها لما أنه طبيعّي والأمور الطبيعية لا تتبدّل”.[23] وما نفهمه من هذا هو أنّه على يد الجيل الثالث يكون زوال الدّولة، وبما أن الدّولة عبارة عن أجيال هي أيضا تمر بأطوار، ولقد عددها ابن خلدون في خمسة أطوار، ومن هنا  نطرح السؤال التالي: ما هي أطوار الدولة عند ابن خلدون؟

ثالثا أطوار الدولة: عددها “ابن خلدون” في خمسة أطوار، لكل طور خصائصه وميزاته وهي كالآتي:

الطور الأول: يقول ابن خلدون: “الطور الأول طور الضّفر بالبقية، وغلبُ المدافع والممانع والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السابقة قبلها، فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المّجد وجباية المّال والمدافعة عن الحّوزة والحماية، لا ينفرد دونهم بشيء لأن ذلك هو مقبض العصبية والتي وقع بها الغلب”.[24] أي تنشأ الدولة على أنقاض دولة سابقة لها، وهذا يؤكد فكرة (الدورة الحضارية) عند ابن خلدون”، كما يتميّز هذا الطور بأنه “طور الظفر والاستيلاء على الحكم”.[25] أي أن هذا الطور لا ينشأ من العدم بل هو مؤسّس عن أنقاض دولة سابقة وهو الطور الذي يشهد سلب الحكم من السابقين.

الطور الثاني: يقول ابن خلدون عن الطور الثاني: “هو طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك، وكبحهم عن التّطاول للمساهمة والمشاركة، ويكون صاحب الحكم في هذا الطور معنيّا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصناع، والاستكثار من ذلك لجدع أنوف عصبيّته وعشيرته المقاسمين له في نسبه”.[26] أي تشهد هذه المرحلة انفراد صاحب السلطان بالحكم بعد أن يكون قد انتهى ممن شاركوه في تأسيس الدولة (عصبته) وهو ما يؤدي إلى تشتّت عصبية السلطان وهو إنذار بالتدهوّر.[27] إذن الطور الثاني هو طور الاستبداد والبطش.

الطور الثالث: يعبّر ابن خلدون عن هذا الطور بقوله: “طور الفراغ والدّعة لتحصيل ثمرات المّلك، مما تنزع طبائع البشر إليه من تحصيل المّال وتخليد الآثار وبعد الضيق فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدّخل والخرج وإحصاء النفقات، والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتّسعة والهياكل المرتّفعة”.[28] أي يشهد هذا الطور حصاد ثمرات المّلك بحيث تسود الراحة والطمأنينة، وتزدهر الدولة وتتقوى، كما تعبّر الدّولة عن قوّتها ونصرها بالآثار وعلى قدر قوتها تكون آثارها، فمباني الدولة وهياكلها العظيمة إنما تكون على نسبة قوة الدّولة.[29] ومنه فهذا الطور هو الذي يشهد بناء الصرح الحضاري، كما تظهر ملامح هذا الصرح من خلال انتشار الصنائع والتجارة وبناء المباني، مما يجعلها آثارا خالدة دالة على قوة الدّولة واتساعها جغرافيا، ويتميّز هذا الطّور بأنه طور الفراغ والدعّة لتحصيل ثمرات المّلك والتمتّع بملذّات الدّنيا، مما تنزع إليه طباع البشر من تخليد الأثر وتحصيل المّال والإسراف في الشّهوات.

وخلاصة هذا الطور هو أنه الطور الذي يعبر عن ما وصلت إليه الدولة من تحضّر وذلك من خلال المظاهر المختلفة سواء كانت مظاهرا مادية أو معنوية، إلا أن هذا الطور أيضا يشهد مظهرا آخر وهو ذلك المظهر الدال على التدهور لأنه يعرف الإسراف في التمتع بملذات الدنيا.

الطور الرابع: يقول ابن خلدون: “صاحب الدولة في هذا الطور يكون قانعا بما بنى أولوه سلما لأنصاره الملوك وأقتاله مقلدا للماضين من سلفه”.[30] وهنا يرضخ صاحب الدّولة إلى القنوع والسّلم مقلّدا في ذلك أسلافه يقول “خاليد فؤاد طحطح”: “تتحول الراحة والطمأنينة إلى قناعة وسكون ومسالمة”.[31] أي أن الطور الرابع يتصّف بأنّه طور القنوع والمسالمة.

الطور الخامس: وهو طور الإسراف والتبذير يقول ابن خلدون: “فيكون صاحب الدّولة في هذا الطّور متلِفا لما جمع أوّلوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته، وفي مجالسه؛ فيكون مخرّبا لما كان سلفه يؤسّسون، وهادما لما كانوا يبنون، وفي هذا الطّور تحصل في الدّولة طبيعة الهدم ويستولي عليها المرض المزمن الذّي لا تكاد تخلص منه، ولا يكون لها معه براء إلى أن تنقرض”.[32] كما أن هذه المرحلة هي نتيجة للمرحلة السّابقة وتكملت لها، حيث تفقد الدّولة هيبتها فتتحلل وتزول، ومنه فمرحلة الإسراف والتبذير هي المرحلة الأخيرة في الدولة والتي تشهد زوالها.

كلمة أخيرة: إن الخلاصّـة التـي يمكـن انتشـالها مـن نظرية ابـن خلـدون في الدولـة والعوامـل التـي تسـهم فـي قيامهـا التي عد قوة العصبية محورا هاما فيها ومحرّكا لصـيرورتها، كما أنّه بنظريتـه هـذه  ينــدرج ضــمن مــا نســميه اليــوم بالمدرســة السياســية الواقعيــة فــي دراســة الدولــة، والتــي تــرى فــي هــذه المؤسســة تعبيــر عــن القــوة أو الســلطان، إن ابــن خلـدون ينجــذب لواقعيتــه السياســية فــي هــذا الميــدان بدرجة انه لا يكرّس إلا سطور قليلـة مـن مقدمتـه للحـديث عـن الدولـة المثاليـة أو المدينـة الفاضـلة، هـذه المدينــة التــي هــي عنــد الحكمـــاء نــادرة أو بعيــدة عن الواقــع وانما يتكلمــون عليهــا مــن جهــة الفــرض والتقدير على حد تعبيره، في حين إن معظم الأجزاء المتعلقة بالدولة عنده انصّب على تحليل نماذجها الواقعيّة في المغرب العربي القروأوسطي، وباختصار لقد درس ابن خلدون الدولة كما هي، لاكمـا ينبغـي أن تكون.

 

قائمة المصادر والمراجع:

[1]نقلا عن: أحمد محمود صبحي: في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1975، ص134.

[2]خاليد فؤاد طحطح: في فلسفة التاريخ، الدار العربية للعلوم ناشرون، عمان، ط1، ص81.

[3]عبد الرحمان بن خلدون: تاريخ ابن خلدون المسمى بكتاب العبر ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب العلمية، ط1، بيروت، 1992، ص4.

[4] زينب الخذير: فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، دار الثقافة للطباعة، القاهرة، 1981، ص182.

[5]ابن خلدون عبد الرحمان، مقدمة ابن خلدون، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1988، ص105.

[6]ابن خلدون ، المقدمة ، مصدر سابق، ص163.

[7]محمد عابد الجابري: فكر ابن خلدون – العصبية والدولة معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي- المركز دراسات الوحدة العربية، ط5، بيروت، 1992، ص168.

[8]ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق، ص112.

[9]ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق، ص107.

[10]زياد عبد الكريم النجم: الحضارة الإسلامية في ضوء نظرية التحدي والإستجابة، الهيئة العامة السورية لكتاب، 2011، ص24.

[11]أحمد محمود صبحي: في فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص 143.

المرجع نفسه: ص143.

[13]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، مرجع سابق، ص182.

[14]زينب الخذّيري: فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، مرجع سابق، ص173.

[15]لاكوست إيف: ابن خلدون، ترجمة: ميشال سليمان، دار ابن خلدون، ط3، بيروت، 1982، ص127.

[16]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، ، ص134.

[17] نفس المصدر، ص134.

[18]محمد عبد السلام الجفّائري: مشكلات الحضارة عند مالك بن نبي، الدار العربية للكتاب، تونس، 1984، ص166.

[19]محمد عابد الجابري: العصبية والدولة معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مرجع سابق، ص358.

[20]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق ، ص302.

[21]القرآن الكريم: سورة الإسراء، الآية 16.

[22]محمد عابد الجابري: العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، مرجع سابق، ص357.

[23]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، ، ص310.

[24]المصدر نفسه، ص138.

[25]خاليد فؤاد طحطح: في فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص87.

[26]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق، ص138.

[27]أحمد محمود صبحي: في فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص147.

[28]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق، ص139.

[29]أحمد محمود صبحي: في فلسفة التاريخ، مرجع سابق، ص146.

[30]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق، ص139.

[31]خاليد فؤاد طحطح: في فلسفة الحضارة، مرجع سابق، ص87.

[32]عبد الرحمان ابن خلدون: المقدمة، مصدر سابق، ص139.

شاهد أيضاً

الفلسفة والمواطنة: أي دور للفلسفة في بناء مواطن الغد؟

كوة نظم نادي الفلسفة وحقوق الإنسان بالثانوية التأهيلية القدس بمدينة سطات المغربية يوم الجمعة 8 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *