الرئيسية / منتخبات / عامة / السياسة (والسياسي): في الإنسان المغربي السياسي

السياسة (والسياسي): في الإنسان المغربي السياسي

 

عثمان لكعشمي / المغرب

« أن تكون ديموقراطيا هو أن تقرن أفعالك دوما بالاعتراف بأنك في مجتمع غير ديموقراطي».

جاك دريدا

«إنكار المشترك هذا يتم برفع الحداثة عن الدعويين ورفع الأصالة عن الحداثيين. هذه العملية تحكمها سياسة الخطاب وأهدافها… التي تخفي العمق الديني والثقافي في حياة الحداثيين وعمق التحول في حياة الدعويين… فالحداثي يتحول إلى استعارة تحيل على الآخر المنبوذ، أي الغرب؛ والدعوي يتحول إلى استعارة، تحيل على الفكر المتحجر والتراث الجامد. والمنضمون إلى هذا الصف أو ذاك يتبادلون الاتهامات حول أسباب تخلف “الأمة”، أو “الشعب” أو “الوطن”، ويرسمون صورا معاكسة للماضي والحاضر والمستقبل».

عبد الله حمودي

 1

السياسة والسياسي: إننا في حاجة إلى السياسي le politique، الذي يدفع الكائن السياسي: أن يكون ” مايتمنى أن يظهره للآخرين ” . ولسنا في حاجة إلى السياسة ، التي تجعل المرء : ” يظهر كما يتمنى أن يكون ” . بين هذه وذاك تكمن العلاقة بين السياسة والسياسي ، بين الإيديولوجيا الميكيافيلية والقرارات السقراطية .

 

2

سأقولها صراحة : إن ميدان السياسة يقوم على المصلحة ولا شيء غير المصلحة ، ولا يقوم على الدين أو المعتقد. فالحزب السياسي شيء والحزب الإيديولوجي شيء آخر.

 

3

ماذا يكون، ذلك الكائن السياسي الذي يمارس اللاديموقراطية بآليات “ديموقراطية ” ؟

إنه كائن سياسي مغربي .

 

4

إن الكائن السياسي الذي يطالب الإنسان بأن يكون فوق الشرط الإنساني هو نفس الشخص الذي يقع تحت هذا الشرط مباشرة .

 

5

كيف يمكن تحقيق الديموقراطية والعقلانية في ظل نسق اجتماعي وسياسي يستظل بمظلتي تركيبة الخضوع بالنسبة للأول وتركيبة السلطوية أو السلطان المركزي بالنسبة للثاني؟

 

6

إن الملكية المغربية متجذرة ومتغلغلة في المجتمع. لقد نجحت وبفعل شروط تاريخية من صناعتها، في صناعة جزء كبير من المجتمع.

 

7

ثورة الملك والشعب  ، هل هي فعلا  ثورة ؟

ثورة الملك والشعب

هذه العبارة تثير في ضحكا وقهقهة لا متناهيين ، يقذفان بها في العدم

أي ثورة مع الملك ؟

ظنا في أن الملك و ” شعبه ” شيء واحد . تماما

لكن ما موقع الأسبقية للملك على الشعب في الثورة ، في العبارة الأولى من النص ؟

الملك والثورة أية علاقة ؟

على اعتبار أن الملك مصارع طبقي على الطريقة الطاوية

أي ثورة هذه ؟

هذه اللاثورة .

 

8

في الحاجة إلى الملكية

إن إنتاج ما يمكن تسميته هنا ب: ” الحاجة المجتمعية للملكية ” يعبر في نظري عن نكسة سياسية . لكل من كان يطالب بنظام سياسي ديموقراطي عموما ، و بالملكية البرلمانية تحديدا كحد أدنى للممارسة السياسية الديموقراطية ، عندنا .

 

9

يقول عالمهم أن ما وقع ويقع عندنا هو بمثابة نكسة ديموقراطية .. على اعتبار أن الممارسة السياسية ، فيما قبل ، كانت ديموقراطية .

 

10

إن الديموقراطية لا تتحقق بالثقة المولوية .

 

11

إن وظيفة ” الأحزاب السياسية ” عندنا ، في راهننا الحاضر ، هي الحفاظ على السلطوية وتأبيدها من خلال اعادة إنتاج علاقة الشيخ بالمريدين.

 

12

ليس الإشكال في أن يتحزب المرء . لا يكمن الإشكال في أن يكون الفرد حداثيا أم دعويا ، لبيراليا أم اشتراكيا ، يمينيا أم يساريا . وإنما ، يكمن الإشكال في أن يدعي المتحزب بأنه اشتراكي مثلا ولا يعرف ماهي الاشتراكية ولا يملك تصورا بسيطا عما يقع في المجتمع والدولة كما لا يملك مشروعا مجتمعيا مبنين معرفيا ، أو يقوم بالانغماس والتمرغ في الماسبق الأدلوجي-الماركسي هذا إن كان قد هضمه ، مما يجعل منه أكثر تقلدة من تقلدة الدعويين أنفسهم . ينطبق ذلك على المتحزب المدعو اشتراكي على سبيل المثال لا الحصر، كما ينطبق على غيره .

 

13

لا محيد ، من أن  الذين يرون في القرآن دعوة ل:”العلمانية” ، “الديموقراطية”،…ليسوا  أقل دعوية من الدعويين ، بل هم أكثر دعوية من الدعويين أنفسهم.

 

14

إن الدعويين من الساسة وغير الساسة يريدون أسلمة كل شيء ، فمن الدولة مرورا بالمجتمع وصولا إلى الحياة الثقافية والاجتماعية والمجالات العمومية منها وغير العمومية…، إنهم بالنسبة لهم من يمتلك الحقيقة المطلقة ، حقيقة الدين الإسلامي . غافلين أو بالأحرى متغافلين أن شكل نظام الحكم لم يحدد لا في القرآن ولا في السنة.ويقدمون أنفسهم على أنهم هم المسلمون أو بالأحرى ” الإسلامويون”وأن المجتمع المغربي مجتمع مسلم لا تحكمه إلا دولة إسلامية. أي دولة هذه ؟ إنها دولة المخيال الدعوي .

 

15

من خطاب الانتصار إلى خطاب الانتشار

هل يمكن لخطاب الانتصار : الخطاب الماركسي مثلا ، عندنا ، أن يتحول إلى خطاب للانتشار؟ بمعنى أخر ، هل بإمكان الفكر الأدوجي الماركسي بماهو انتصار لفكرته أن ينتقل (يعمم) إلى فكرة انتشارية ومنتشرة ، أي كرأي عام في العالم العربي ؟

 

16

سياسة ” القويلبات ” : نعم إنها سياسية ال “قويلبات” . تلك السياسة التي تستمد فعاليتها من حيث شكلها والوظائف التي تؤديها ، بماهي فعالية مزدوجة ، فعالية في الحفاظ على دار الملك أو السلطان المركزي مرة و فعالية في ترسيخ تركيبة الخضوع لدى الذهنيات السائدة مرة ثانية.

 

17

يقول المحرك الأول عندنا ، أننا في “دولة صاعدة “.. تلك العبارة مثيرة للقهقهة وللتقيؤ . هي صاعدة إلى أين وفي ماذا ؟ إنها صاعدة إلى الأسفل تماما في اتجاه الخلف مباشرة . صاعدة في صناعة صورة صاعدة لواقع هابط ينغمس في التأخر المجتمعي والتاريخي ويسبح في مياهه النتنة.

 

18

إن دور الحياد الذي يبديه محرك المشهد السياسي عندنا ، فيما وقع ويقع من أفعال احتجاجية( في الحسيمة وغير الحسيمة ) ، يفعل فعله في ذلك المشهد . يضع مسافة المحرك الأول ، الذي يحرك كل شيء ولايقع لذك الذي يحرك ظاهرا فيه . إنه بمثابة المخرج الذي يتحول إلى متفرج لما أخرجه . فدور الحياد ذاك ، ما هو إلا آلية من آليات إخراج المشهد . إنه يجيد ما يسميه جورج بالونديي ب : ” فن التمسرح السياسي ” .

 

19

يحدثنا عالمهم عن “التجربة الديموقراطية” بالمغرب …لا نجد منها إلا التجربة : هي تجربة بما هي ممارسة سياسية ، نعم . لكن بأي معنى هي ديموقراطية وفي أي واقع ؟

 

20

لعله من نافل القول بأن النقاش السائد ومساره ، حول تشكيل الحكومة أو “الانتقال الديموقراطي ” أو…، من طرف بعض “المثقفين الهمزاويين” هنا والعديد من الساسة هناك لا يؤدي في نهاية التحليل ، إلا ، للانغماس في الواقع الحالي والتنفس منه فكرا وممارسة.

 

21

لقد استثمرت الملكية في ما وقع ويقع من أفعال احتجاجية، في إبراز الحاجة المجتمعية إليها . في مقابل توجيه الصراع إلى بين الأحزاب والمجتمع عوض الصراع بين الملكية والمجتمع ، الذي ينبغي أن يسود . وذلك في نظرنا أمر طبيعي ، نظرا إلى وضع ” التنميط ” الذي تعرفه تلك الأحزاب : دعوية كانت أم حداثية ، ليبرالية أم اشتراكية ، يمينية أم يسارية.

 

22

نقتل الوطن إحياء للشعب : الوطن

الوطن ، ما هو ؟ أوليس بأدلوجة عمياء ؟

لا تنفك الدولة في الصراخ ب : أنا الوطن ، أنا الشعب

إن الوطن شيء والدولة شيء آخر

فأن تكون وطنيا لايعني أن تكون دولتيا

عادة ما نسمع أفواه تصيح :” نموت نموت ويحيا الوطن ”

” عاش الملك مات الشعب ”

أي وطن هذا ، وأية وطنية هذه ؟

الوطن هو نحن : عندما تكون نحن مرادفا ل : ” الشعب ”

الوطن هو الشعب الذي تشكله النحن : المتعددة

الوطن هو الدولة : عندما تعبر عن إرادة الشعب

حينها سيصرخ الوطن : أموت أموت ويحيا الشعب

بهذا تصير الوطنية : تحقيقا لرغبة الشعب في الحياة

نقتل الوطن إحياء للشعب : الوطن

نموت لنحيا

تماما ، تلك هي مهمة المصارع الطبقي ، الذي قال فيه عبد الكبير الخطيبي :

إن المصارع لايرضع ثدي أمه

ولا قضيب أبيه

إنه يبتلعهما

يأكل هذا ، ويتغذى بذاك

ذلك هو سر كل تذوق

 

23

إن الحكومة في المغرب تقع فيما بين الملكية والشعب . فعوض أن تعمل على تدبير الشأن العام للشعب الذي قذف بها في موقع الإدارة (هذا، إذا سلمنا بشرعية ذلك القذف)، تعمل على تدبير شأنها مع الملكية . غير أن ما وقع مؤخرا في المشهد السياسي المغربي ، يجب أن يفرض على أي حكومة كانت (ومعها كل القوى السياسية) الوعي بأن مشروعيتها الأساسية تكمن في السيادة الشعبية للمغاربة ، وليس في يد الملكية . عندما تعي ذلك تمام الوعي ، حينها سيغدو الصراع : فيما بين الملكية وبين الشعب ، ومن ثمة تقليص مركزية السلطة لدار الملك ، لصالح الحكومة و توسيعها جهويا وإقليميا . ذلك هو السبيل إلى الملكية البرلمانية بما هي حد أدنى للممارسة السياسية العقلانية . لكن يبقى السؤال : هل ذلك ممكن في ظل الوضع الحالي ؟ أم أنه يقدم نفسه كاستحالة للتحقق في واقعنا الحالي الملموس مع هكذا ساسة وقوى اجتماعية وثقافية ممزقة ومنمطة ؟

 

24

ما يلا حظ عندنا أن هناك صورة عامة سائدة مفادها أن المحرك الأول في المشهد السياسي هو ” الملكية أو دار الملك” . لكن هذه الصورة تذهب في اتجاه هذا المحرك لا ضده ، أي في اتجاه ابراز الحاجة المجتمعية إليه. ومع تجذر هذه الصورة وتغلغلها في الذهنية المغربية عامة لا يمكن أن يكون وضع آخر غير الوضع الذي نتنفسه الآن.

 

25

لعل استراتيجية السلطان المركزي تكمن في العمل على تفجير أي محاولة لتفجير الذات الفاعلة . إنه يعمل على إذابتها في المنظومة قبل أن تنفجر منها .

 

26

إن ما ينعت ب ” الإعفاء ” هو ليس سوى آلية لرأب الصدع الحاصل .إنه آلية لاديموقراطية تتكلم باسم الديموقراطية : باسم الشعب . لكي تقول الملكية في نهاية المطاف :” أنا الدولة ، أنا الشعب”.

 

27

الإعلام الذي تستر على الأفعال الاحتجاجية للحسيمة ، هو نفسه الذي يشيد ب “الإعفاء الملكي ” تضخيما له : تستر على صوت الشعب لكي يعلي من صرخة الملكية بماهي صرخة للدولة وخطابها.

 

28

لعل ما ينعتون بأنهم ” محللين سياسيين ” ، عندنا ، لا يتجاوز تفكيرهم حد سقف الدستور . إن تفكيرهم دستوري أو بالأحرى دستوراني . مما يجعل منهم متكلمون جدد : متكلمون باسم الملكية .

 

29

من تفكيك حتمية الملكية إلى تنفس الديموقراطية

إن السلطوية لاتكمن في الساسة المنتخبين فحسب ، بل ترتكز أساسا في اللامنتخبين منهم :المنتخبين تارخيا و مجتمعيا . لعل السلطوية ترتكن في الحتمية التاريخية للملكية . لهذا ، فإذا كان هناك من تغيير فإنه يجب أن ينصب ، أولا وقبل أي شيء  آخر ،على تفكيك هذه الحتمية . وأن ذلك التفكيك لن يحصل إلا من خلال إنتاج ذات فاعلة جهوية وقطاعية : فهي وحدها كفيلة بتفجير تلك الحتمية ومنها إلى تفجير السلطوية ، فتنفس الديموقراطية .

 

30

لماذا يهاب العالم الانفصال ؟

ما يشهده العالم اليوم ، من إرادات جهوية وإقليمية للسلطة يعبر عن سيرورة معينة تنحو نحو الانفصال . نحو الانعتاق والتحرر من سلطويات المراكز ومن تمركز الدولة المركزية عموما . وما ينتج عنه من تهميش للأقليات : الكردية في العراق ..وغيرها من الأقليات التي طاما طمست تحت مظلة الأصل و الوحدة العربية (و/أو الإسلامية ) المطلقة ، الموهومة ، ككلية تيولوجية و تيوقراطية.

لهذا ، لا يجب أن نعتبر الانفصال ” خيرا ” أو ” شرا ” ، إنه لا هذا ولا ذاك . بل ، إن كان يعبر عن شيء فهو يعبر عن التغيرات التي مست علاقة المجتمعات العربية بالدولة المركزية . فتلك الدولة في مختلف الأقطار العربية لازالت لم تستوعب بعد كل مكونات تلك المجتمعات ، خاصة تلك التي تعتبرها “مجرد” أقليات .

إن العالم العربي اليوم تعدد واختلاف . وأن الدولة ، في الأقطار العربية ، مادامت مركزية ، لاجهوية ولا قطرية ولا إقليمية فإن المآل سيكون هو الانفصال ، إن لم يكن الاجتثاث .

لذلك ، فهذه الدول المسماة عربية ، في حاجة ،اليوم ،إلى الانفصال ( سياسيا واقتصاديا ، وثقافيا ) من أجل الاتصال.

 

31

في ” المخزن  “

هل ، لازال ، ” المخزن ” موجود ؟ لماذا هيمن ويهيمن ” المخزن ” كمفهوم في المجال السياسي بالمغرب ؟

ماذا تعني هيمنة هذا المفهوم في النظر السياسي ، عندنا ، عموما وفي النظر السوسيولوجي تحديدا ؟

يبدو أن المخزن ، كمفموم فقد مفهوميته تلك . خاصة إذا أخذنا في عين الاعتبار بأن مفهومية كل مفهوم تستمد من إمكانية تحليل واقع معين وشرط إمكان الفهم (الموضوعي) ، الذي يمكنه أن يولدها..

إن مفهوم المخزن تحول إلى أدلوجة ، إن لم نقل دوجما . نظرا لما صار يلوح من عماء في النظر السياسي من ناحية وفي الفعالية السوسيولوجية من ناحية ثانية .

لعل بنيوية ونسقية هذا المفهوم ، بالإضافة إلى التحولات التي عرفها ويعرفها الكيان السياسي المغربي ، هي من ساهم بشكل مركز في أدلجة هذا المفهوم ولا جدوائيته .

لهذا يجب علينا الوقوف عن هذا المفهوم و الانسلال إليه من فجواته ، بخلخلته وتقويضه ، ثم تفجيره . حاله من حال أي مفهوم بنيوي -نسقي يختزل الفاعل السياسي في المنظومة .

شاهد أيضاً

 النقد كمنهج في بحث شروط امكانية المعرفة: كانط نموذجا

خالد بولعلام يقول” رويس”: “إن المرء يتفلسف حينما يفكر تفكيرا نقديا في كل ما هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *