الرئيسية / منتخبات / ترجمة / “نقد الفكر الشمولي في فلسفة جون فرانسوا ليوتار”

“نقد الفكر الشمولي في فلسفة جون فرانسوا ليوتار”

د، السعيد لبيب / المغرب

ناقش الباحث المغربي السعيد لبيب أطروحة الدكتوراه يوم فاتح نونبر 2017 الجاري في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك – جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، تحت إشراف الدكتور عبد العلي معزوز، وبحضور لجنة مكونة من الدكاترة: محمد الدكالي رئيسا، وعز العرب لحكيم بناني ومحمد الشيخ ممتحنين. وبالنظر إلى أهمية موضوع الأطروحة ننشر تقريرا عن الموضوع كتبه صاحب العمل، لأن القليل من الباحثين العرب استطاعوا تفكيك النصوص الشذرية لجون فرانسوا ليوتار.

—-

إن هذا البحث هو ثمرة اهتمام وقراءة دامت لسنوات عديدة، منذ مرحلة الإجازة، بفكر الفيلسوف الفرنسي جون فرانسوا ليوتار. ولكن الباعث الحقيقي هو الانفتاح على الفكر المعاصر بغية العثور على مناهج جديدة في التحليل والتفكير والنقد والكتابة والتفلسف عموما، مناهج قادرة على استيعاب مختلف التحولات التي تتدفق باستمرار في مختلف الميادين وعلى مد الفكر بالأدوات التي يحتاجها لمقاومة حالة الضياع والعدم والقنوط واليأس والإقصاء المحايثة للمجتمعات المعاصرة ومواجهة النزعات القمعية والمتطرفة التي لا تحترم الاختلاف والتعددية وتصر على تحريف الآراء والعادات والتاريخ. من هنا ضرورة مساءلة الأنساق والمذاهب الفكرية والنظرية والسياسية التي تزعم شمولية المبادئ، وأننا قد بلغنا النهايات التي بعدها تصير كل مراجعة رجوعا ورجعية. من هنا صيحة موريس بلانشو M. Blanchot  في أنه”ينبغي التفكير، لكن لا يجب أبدا أن نثق في أننا نفكر Il faut penser  et n’être jamais sûr de penser”(L’écriture du désastre, P220).

لكن هل المطلوب منا مقاومة تسرب الذاتية والتخلص من الشوائب التي تحول بيننا وبين الموضوعية؟أو أن نتبنى أفكار هذا الفيلسوف وننحصر في نطاقها؟لقد بدا لنا أن الأهم هو ألا نصير جامدين متحجرين بليدي الإحساس في التجاوب مع ما يحيط بنا من هموم فكرية وفلسفية وتحولات في العلوم والآداب والفنون. لهذا لابد من البحث عن لغة(إيديوم Idiome بتعبير ليوتار)لغة قادرة على كشف اللامسموع L’inaudible ،أي هذا الجزء الذي يبقى مغلفا بالصمت لأن بنيات السلطة والهيمنة تجبره على النفي والانتفاء،رغم أن رغبة التمرد والجموح تتملكه وتجتاحه كل حين،فهذه البنيات لا تسترد طمأنينتها إلا حينما يثوب إلى الصمت بأن تدمجه في قواعد عامة من القول والفعل.

هكذا نعتقد أن الجملة المفتاح في فكر هذا الفيلسوف المتعدد المشارب نجدها في الفقرة الخامسة من كتاب “الخلاف Le Différend”ومضمونها أننا حينما نجعل من”مطلب ضرورة إثبات حقيقة مرجع ما تبعا لقاعدة المعرفة ممتدا وشاملا لأي نوع من الجمل،فإن هذه الضرورة تصير كليانيةTotalitaire “(Le Différend, §5).

هذه الجملة بمثابة مدخل أساسي لفهم الفكر الفرنسي المعاصر،رغم تعدديته وتنوعه،لسببين: أولهما أن هذه الجملة تظهر في كتاب هو عصارة عمل ليوتار وقمة مؤلفاته الفلسفية مثلما يشهد على ذلك في سيرته الفكرية”ترحالات Pérégrinations”،وثانيهما لأن سؤال الشمولية هنا أعم من دلالته السياسية المعروفة بحيث يقصد به تلك اللغة الواصفة التي تحاول التركيب بين الجمل مهما اختلفت أجناسها لتخضها لنفس الرهان،الذي قد يكون الفعالية في التقنية والربح في الاقتصاد.

فالانهمام بالتعددية والاختلاف والأقليات اللسانية والثقافية معناه أن”نجتث الحداثة بسلاسة من العدم”كما يقول ليوتار(Anima,minima, in Moralités postmodernes, P207 ) والسديم الذي رمت”الرأسمالية”و”النظام الباترياركي”و”هيمنة الجنسانية الذكورية”العالَم فيه،وفي مقابل مبدأ الواحد هذا نحث ليوتار مصطلح الوثنية Paganisme كناية على تعددية المنظورات والحقائق. أما نقد الحكايات الكبرى إنما يعكس كيف أن فورة التحرر قد خبت وانحسرت موجتها عن واقع مرير تزمجر فيه الدبابات والطائرات،فبعد أن كان الجميع منتشيا بأفكار الثورة الفرنسية ثم الثورة البلشفية والحماسة التي أنجبتها في النفوس انكشف الرعب في أوشفيتز والمستعمرات،لأن الحداثة اتخذت شكل رأسمالية مهووسة بكونية التبادل وسوق كوني ولم تكن مهتجسة بفكرة الإنسان الكوني،أو المواطن العالمي.

لا يمكن بالتالي أن تكون مابعد الحداثة إلا بحثا في مفارقات القطع مع الماضي. هكذا ليست كما يعتقد الكثيرون،بالأخص أولئك الذين يناصبون العداء لمفكريها وفنانيها،على أنها فترة لاحقة للحداثة،فهي لا تخضع لكرونولوجيا معينة،بل هي الحداثة في طفولتها،تلك الطفولة التي نعرفها عبر الحلم والذاكرة والإبداع وفي الانفتاح على المدهش وعلى الحدث. ويقول عنها بعض الدارسين إنها مفارقة وباروديا paradoxe et parodie حيث تعني البادئة Le préfixe Para في الإغريقية واللاتينية في الآن نفسه”ضد”و”عكس”Contreو”قربauprès “و”بجانب  à côté de”(Linda Hutcheon, The politics of postmodernism:Parody and history, in critical critique,N°5, 1986-1987, P186-187).

لذلك يقول ليوتار أن الحداثة تحمل في أحشائها مابعد حداثتها(Réécrire la modernité, in L’inhumain)ربما يكفي هذا للوعي بالصعوبة التي تواجهك بها نصوص ليوتار،في شقها الفلسفي والنقدي وحتى السياسي والجمالي،وهكذا كان لزاما علينا التغلب على آثار سنوات من الدراسة حيث جبلنا على أن فلاسفة من قبيل هيغل أو هايدغر أو سارتر فلاسفة لا يمكن المساس بهم Intouchables وأن الفكر الفرنسي المعاصر فكر محافظ وليس سوى صورة رمادية وباهتة عن أدورنو،وغير منخرط كفاية في قضايا الحاضر ويعاني من تصحر حقيقي،نحن الذين كنا ننتظر من الفلسفة ما انتظره روميو منها أي أن تخلق له جولييت أو حتى أن تنقل مدينة أو تعطل قرار الأمير”(Acte II, Scène III).

زد على ذلك غلبة الإيجاز والاختزال le laconisme والأسلوب التلميحي المبني على الإضمار Sibyllin ولعبة الألفاظ Le jeu de mots،كصورة عن الكتابة الشذرية التي،كما يقول بلانشوBlanchot ،قد تكون خطرا لأنها لا تحيل لا على نظرية ما ولا تمنح الفرصة لممارسة عملية”(Ibid.P98)،أي شكل من الكتابة قلما تضفر منه بشيء.الشيء الذي يجعل الترجمة هنا مكابدة كما يصفها ريكور ومحنة Epreuve أي تحمل لمعاناة وخضوع لعقوبةPeine endurée ،ولكن هناك في المقابل نزوة واندفاع Pulsion لا يقاوم تخلقه الترجمة نفسها،أي أنني وجدت نفسي مدفوعا بقوة لا تقاوم إلى أن أترجم بعض نصوصه بالأخص في ظل غياب نصوص ودراسات دقيقة باللسان العربي عن ليوتار.

إضافة إلى صعوبة كيفية بناء دراسة منسجمة عن فيلسوف يفكر بدون نسق محكم وكتب ومقالات تتناثر فيها القضايا وتختلف المعالجة فيها من نص لآخر،فبدا من الأنسب،مادام الخيط الناظم هو إشكال نقد الفكر الشمولي،أن نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام:قسم عن المعرفة وآخر عن الأخلاق والسياسة،والثالث عن الفن والجماليات،وهو تجزيء يذكر بالتقسيم الكانطي الشهير،وهو بذلك يستمد مشروعيته من أهمية فلسفة كانط بالنسبة إلى ليوتار نفسه،فلسفة لا تنظر للعقل إلا بمعيار التعدد،وأيضا من السيرة الفكرية لفيلسوفنا،حيث يتحدث عن انتقاله بين الفكر والسياسة والفن.

في القسم الأول قارنا بين الحكايات الكبرى وخصائص اللغة العلمية المعاصرة فإذا كان مدار الفكر والفعل في القرنين التاسع عشر والعشرين حول فكرة التحرر التي ورثها الغرب عن المسيحية التي تسرد قصة الكفارة عبر الحب والخلاص من الخطيئة الأولى والتي تجسدت في الحكاية الأنوارية وتحكي قصة التحرر من العبودية عبر المعرفة والمساواة والحكاية النظرية الهيغيلية وتروي”تحقق الفكرة الكونية من خلال الجدل الملموس”،والحكاية الماركسية وتسرد التحرر من الاستغلال والاستلاب بواسطة اشتراكية العمل والليبرالية وتروي كيفية التحرر من الفقر عبر التطور التقني-الصناعي.لكن الأحداث التي سيشهدها التاريخ المعاصر من حروب كونية وحروب استعمارية وأزمات اقتصادية كبرى وتمردات عمالية عرت عن بطلان شعار التحرر والتقدم الكوني.

بهذا يصبح الحدث هنا بمعنى كل ما يقع خارج السلسلة السببية التاريخانية،أي أن هناك من الأحداث التي تقع دون أن تكون لنا القدرة على ربطها بسهولة بما هو سابق.مثلما يقول ليفناس:”إن هناك من الزمن ما يتعذر استرداده،فلتة زمن بدون عود،تعاقب يعاند التزامن”(Autrement qu’être ou au delà de l’essence, PP22-23).

لكن الحكاية الكبرى لا تتوقف فقط في أنها تسرد ما ينبغي أن يكون عليه التاريخ والوجهة التي عليه أن يتخذها وإنما غايتها أيضا منح المشروعية والهيمنة لجنس معين من الخطاب على جنس أو أجناس أخرى،مثل “هيمنة الاقتصادي على السياسي والثقافي”كما في الحكاية الليبرالية أو السياسي على المعرفي والثقافي ويعبر خطاب الرئاسة لهايدغر عن هذه”الحلقة التعيسة”للشرعنة مما يدل على أن الفكر مهما كان أصيلا وعظيما يمكنه أن يخطأ حينما يخضع بسهولة لإغراءات السياسة حتى ولو كانت فاشية وكليانية.

لكن المعرفة العلمية اليوم لا تستمد صلاحيتها سوى من الفعالية،وإمكانية الانجاز،فصارت معرفة”بنسق مفتوح”يسمح بميلاد أفكار ومنطوقات وألعاب لغوية جديدة بدون أن تسرد ما يجب أن يكون عليه تاريخ الفرد والجماعة ولا تشرعن ثورة ما.

حاولنا في القسم الثاني مقاربة ثلاثة مفاهيم أولها مفهوم الاستلاب بدلالته الماركسية التي ورثها عن الفيورباخية والمسيحية وهو الفصل الذي استخلصنا فيه أنه رغم المسافة التي اتخذها الفيلسوف مع الاشتراكية إلا أنه عاد ليقدم في الأخير صورة حية عن الماركسية حينما كشف أن الرأسمال يمارس جورا ويولد معاناة واستلاب لا يمكن التعبير عنه طالما لم نستطع أن نخرج من جنس الخطاب الرأسمالي.

المفهوم الثاني وهو مفهوم الرغبة ضمن فصل خصص لدراسة التشكلات المجهرية للرغبة في زمن انتبه في الفكر المعاصر إلى أهمية التحليل الميكروسكوبي وتخلص من فكرة وجود شمولية عضوية وكل اجتماعي منسجم وبنية كبرى وهوية مركزية عليا.

المفهوم الثالث وهو مفهوم العدالة حيث اقترح الفيلسوف صورة دينامية عن المساواة تتناقض مع نظرية صورية وشاملة ومنظور مثالي عن العيش المشترك نظرا لوفرة المعايير والاختيارات الثقافية والمحلية والتحول الدائم في قواعد الأخلاق والسياسة.

أما القسم الثالث والأخير وخصص للإجابة عن سؤال موقع ودور الفن والأدب في نقد السرديات الكبرى.فكان الفصل الأول مناسبة لتحليل مفهوم السامي Le Sublime وتمظهراته في الثورة التي عرفتها الفنون البصرية،الشيء الذي يكشف إلى أي حد تخلصت الفنون من فكرة”الأشكال الجميلة”لنستخلص في الأخير أن الأدب والفن عند ليوتار،وإن كان لا يقدم أجوبة عن المشاكل السياسية والفنية،إلا أنه يمكن،على الأقل،من فضح الخلافات التي تبتلعها الأنساق ويدفع نحو كشف الاحساس بالاضطراب الذي يلتصق بالفكر العقلاني والحسابي. وقد خصص الجزء الثاني من هذا القسم لنقد دور المثقف حينما يفرض على الكتابة معايير خارجية،بينما رهان الفن اليوم هو المساءلة والتجريب عوض مطابقة العمل الفني والأدبي مع باراديغمات جاهزة ومنقولة،لذا يشترك الدال التشكيلي والدال اللساني في ضرورة مراجعة معنى الأدب ومعنى الفن عوض البحث عن جمهور كوني أو الربح أو الدعاية La Propagande.

الشيء الذي افترض منا الاطلاع على بعض من نصوص وسير مكتوبة ووثائق سمعية-بصرية لبعض الكتاب والفنانين ككاندينسكي وكلوسوفسكي بروست وجويس،كافكا وبيكيت،سيزان ونيومان،باتاي وديشان،سارتر ومالرو وغيرهم. الشأن نفسه بالنسبة للفصول السابقة حيث كان لزاما مقارعة ومقارنة ليوتار بمن عاصروه من أمثال دريدا ودولوز وفوكو وألثوسير ولاكو-لابارث وجون-ليك نانسي وهابرماس وليفناس وبارث دون إغفال تتبع قراءته لفلاسفة مثل كانط وهيغل وماركس وأدورنو وهايدغر وفيتجنشتاين.الغاية من ذلك قراءة فلسفته على ضوء السياق النظري والثقافي الذي تشكلت فيه على الرغم من أنه يقول عن الفلسفة أنها ابنة غير شرعية Bâtarde ،تأتي بشكل مبكر أو تخلف موعدها مع عصرها”(Anima, minima, P201).

هكذا كان لخاتمة البحث أن تكون في المعنى والدور الذي يمكن أن يكون للفلسفة اليوم،فكان الجواب عند فيلسوفنا من زاوييتين: أن نجعلها أولا ميدان تجلي المفارقات وهو ما يشرط التخلي عن الصراع ضد السوفسطائية ووصفها بأنها خطاب لا فلسفي فقط لأنها تمتهن خطابا غير ثابت،متردد،ماكر،ومرتاب،يقلق الحقيقة على نمط اسثتيقي ويرفض هيمنة اليقين والإجماع ووحدة الخطاب.ثانيا أن تعبر عن اللامتقايس،لأنها جنس من الخطاب في حالة بحث دائم عن قواعده وليس لغة واصفة،بل جنس متنافر مع ذاته لأنه يسائل ذاته دوما مثلما يسائل الفنان قواعد الفن والعالم النظريات والأديب معنى الكتابة.أي أن تكون الفلسفة أقدر على عرض شهادة عن الخلاف،أي عما لا تستطيع الفلسفات السابقة التعبير عنه.

السعيد لبيب:  الدار البيضاء في 24-10-2017

شاهد أيضاً

جدل الدين والسياسة عند ابن رشد

العلوي رشيد اصدر الباحث المغربي العلوي رشيد كتابا جديدا حول فيلسوف قرطبة ومراكش تحت عنوان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *