الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / قواعد المنهج السوسيولوجي عند إميل دوركهايم

قواعد المنهج السوسيولوجي عند إميل دوركهايم

جيهان نجيب: باحثة في الفلسفة

ولد عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كهايم في 1 أبريل 1885 بمدينة إيبنال الفرنسية من أسرة يهودية، التحق منذ 1897 بمدرسة الأساتذة العليا وهي من أفضل مؤسسات التعليم العالي بفرنسا وتعرف على جان جوريس وهنري بيرغسون، حصل على الإجازة في الفلسفة ثم سافر بعد ذلك إلى ألمانيا لاستكمال دراسته.

اهتم كثيرا بمؤلفات أوغست  كونت وبنظرته العضوية للمجتمع والفلسفة العضوية وتأثر بها تأثيرا  عظيما، إذ كانت له سندا في السعي إلى منح علم الاجتماع استقلاليته عن سائر العلوم وتجلى تأثره بها في بحوثه حول قواعد المجتمع السوسيولوجي وعن التربية والانتحار.

يتصور دور كهايم المجتمع من خلال فكرة تقسيم العمل ووظيفة كل فرد في الأداء بالدور المنوط به وهذا ناتج عن الفوضى وعدم التوازن الذي عرفه المجتمع الأوروبي ومن تم كان مفهوم تقسيم العمل عند دور كهايم هو من أجل ابراز العلاقات التي تربط الفرد من جهة والمجتمع من جهة ثانية.

وفي هذا السياق يتخذ دوركهايم منهجا صارما في دراسة الظواهر الاجتماعية، فقد تصور أنه لا يمكن تفسير الظاهرة الاجتماعية إلا باعتبارها أشياء واقعية، إضافة إلى الترابط بين الظواهر الاجتماعية والتلازم بينهما وهذا يعني أنه لا يجوز رد كل الظواهر الاجتماعية إلى واقعة محددة بل يجب تفسيرها من خلال التعبير عن الحياة الجماعية.

لقد استثمر دور كهايم قواعده في دراسة الظواهر الاجتماعية منها:

  • القاعدة الأولى: عدم الأخذ بالأفكار المسبقة حول الظواهر الاجتماعية.
  • القاعدة الثانية: ضرورة دراسة الوقائع والظواهر، دراسة موضوعية وتحديد الأشياء في واقعيتها

كما طبق دور كهايم هذه القواعد في دراسة ظاهرة الانتحار والحياة  الدينية وقد ابتغى من علم الاجتماع أن يجعل منه علما يسلط الضوء على آفات المجتمع ويستعان به لحل مشاكله عن طريق تحسين العلاقات بين الفرد والمجتمع. وقد كان دوركهايم يسعى إلى تحليل الظواهر الاجتماعية من محتوياتها النفسية وإلى تجريدها من أصولها البيولوجية  بالتركيز على دراسة تلك الظواهر من وجهة نظر اجتماعية صرفة في حدود علم الاجتماع ومن منظوره أن الظاهرة الاجتماعية يجب أن تتمتع باستقلاليتها بحسبانها ظاهرة قائمة بذاتها، أي أن لها وجودها المستقل عن الظواهر البيولوجية ولا يمكن لها أن تتأثر إلا اجتماعيا ولا تفسر إلا على أسس اجتماعية.

– ماهي الظاهرة الاجتماعية؟

افتتح دور كهايم حديثه في الفصل الأول من كتابه، عن الظاهرة الاجتماعية عن طريق طرحه الاشكال التالي والذي يتجلى في  البحث عن الطريقة التي تتناسب مع دراسة الظواهر الاجتماعية وعن طبيعة الظواهر المدروسة التي تجعل من الناس أن يطلقوا عليها بالظاهرة الاجتماعية.

يستعملون هذا المصطلح للدلالة تقريبا على جميع الظواهر التي توجد في المجتمع كالحوادث الإنسانية مثلا، فدور كهايم من منظوره الخاص يعتقد أن العادات اليومية التي يقوم بها الفرد هي عبارة عن ظواهر اجتماعية، ويعطي دور كهايم مثالا عن ذلك، الذي يتجلى في مجموعة الأفكار التي يستخدمها الفرد للتعبير عن أفكاره أو مجموعة النقود التي يستعين بها على قضاء ديونه والوسائل الاقتصادية التي يستخدمها في علاقاته التجارية. فهذه كلها ظواهر اجتماعية تؤدي وظيفة مستقلة بطريقة استخدامها، وهي عبارة عن سلوكيات يمتاز بها الفرد وتوجد  خارج شعوره كما أنها تمتاز أيضا بقوة آمرة قاهرة هي السبب في أنها تستطيع أن تفرض نفسها على الفرد باعتبارها ظواهر اجتماعية وفردية. كمثال عن ذلك من منظور دور كهايم، فإذا أراد الفرد الخروج عن العادات المرعبة ولم يعطي اهتمامه للعرف وللمجتمع المتبع في وطنه وفي طبقاته  بخصوص الزي فإن ذلك سيثير عاطفة السخرية وما يبعث عن ذلك من الاشمئزاز الذي  يلحق هذا الفرد من قبيل المجتمع  باعتبارها ظواهر تنطوي على صفات  ذاتية والتي تنحصر في ظواهر سلوكية متل التفكير والشعور، ولذلك فدور كهايم يؤكد أنه لا يجوز الخلط بين هذه الظواهر وبين  العضوية باعتبار الظواهر الأولى تنحصر في التصورات والأفعال كما لا يمكن خلطه مع الظواهر النفسية لأن الظواهر العضوية لا توجد إلا داخل شعور الفرد، لذلك يؤكد دوركهايم أنها ظواهر اجتماعية من جنس قائم بنفسه، وبالتالي فإن هذه الظواهر فهي خاصة بعلم الاجتماع ولا يمكن أن تصبح جزءا من شعورنا إلا بشرط أن تفرض نفسها علينا.

أما القهر الذي وظفه دور كهايم في تعريف الظاهرة الاجتماعية يتنافى مع شخصية الفرد لكن هذا لا يعني أن جميع الظواهر تمتاز بهذه الخصائص أي لها وجود واقعي تابت وتمتاز بأنا تامة التكوين ومحددة الأوضاع.

فإذن هناك ظواهر أخرى تفرض نفسها على الفرد وهي ما يصطلح عليه اسم التيارات الاجتماعية، لأنها ظواهر خارجية تتسرب إلى شعور الفرد وتجبره على  هذه التيارات رغما عنه، حيث لا يستطيع الفرد مقاومتها، كما يعرف دور كهايم الظاهرة الاجتماعية بمثال ملاحظة الطريقة التي  تتبع في تربية الصغار والتي تنحصر في ذلك المجهود المتواصل الذي يتمظهر منذ حداثة الطفل فيما يخص الأكل والشرب في ساعات معينة والذي يوجب عليه الهدوء والطاعة والتعلم واحترام العادات والتقاليد…إلخ

وإذا لم يستشعر الفرد بهذا القهر كلما تقدم في عمره لما كان للقهر فائدة باعتبار الضغط الذي يعانيه الفرد ما هو إلا ضغط صادر عن البيئة الاجتماعية والتي تتخذ الآباء كممثلين لها.

أما فيما يخص الظاهرة الاجتماعية، فليس كل شعور يحس به الفرد، ذلك أن العناصر التي تتجلى في عقائد وميول وعادات الجماعة برمتها هي حالات اجتماعية تعكس صورتها على الأفراد ذلك أن الظاهرة الاجتماعية تختلف اختلافا تاما عن الصور التي تتشكل بها في شعور كل فرد أو مجتمع، يظم علم الاجتماع طائفة مجددة من  الظواهر فيمكن معرفة الظاهرة الاجتماعية بأنها تنطوي على قوة ظاهرة خارجية وبأنها تباشر هذا القهر على أفراد المجتمع وإذا كانت الظواهر الاجتماعية المادية خاصة بأجزاء المجتمع وبأشكاله مثل الذي يجبر الأفراد على اختياره غير ذلك الذي اختاروه في تشييد السكن هي الظاهرة الوحيدة الثابتة لا جاز القول بأنه جنسا قائما بذاته، لكن في الظاهرة العضوية فإنها ليست ثابتة وبهذا الصدد يميز دور كهايم بين الظواهر الاجتماعية المادية وبين التيارات الاجتماعية الطليقة والتي لا تتخذ لنفسها شكل تابت ومحدد لكن، رغم اختلاف تعاريف الظواهر الاجتماعية بأشكالها المتعددة إلا أنها تلتقي في تعريف واحد وهي أنها ظواهر اجتماعية تتعلق بمادة الحياة الاجتماعية، فالظاهرة المورفولوجية أو التيارات الاجتماعية هي ظواهر من جنس باقي الظواهر لذلك فتعريفه ينصب في تعريف واحد.

–  القواعد الخاصة لملاحظة الظواهر الاجتماعية:

اهتم دوركهايم، بعرض القواعد التي يجب اتباعها في دراسة علم الاجتماع حيث أن هذه الأخيرة يجب أن  تلاحظ على أنها أشياء ولا يكون ذلك إلا بالإقلاع عن  استخدام طريقة تحليل الشعور الفردي ولكنها طريقة عاقت تقدم علم النفس حيث، شوهت الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.. فليس من الممكن دراسة ظاهرة دراسة علمية صحيحة من قبيل الباحث إلا إذا تحرر من كل الأفكار التي سبق أن كونها حول الظاهرة الاجتماعية ولكن، هذا لا يكفي إذ لابد من تحديد التعريف الظاهرة بخواصها النوعية وإن أهم قاعدة التي افتتح بها  الفصل الثاني من كتابه هي القاعدة التي تؤكد على ملاحظة الظواهر على أنها أشياء، حيث أن دراسة العلوم الطبيعية والكيميائية من قبيل الناس كان بالأساس عبارة عن معرفة حسية قبلية تمثلت في معرفة الحقائق الأولية لكل علم وهي معرفة عامة التي تنطوي عليها كل الديانات، الأمر الذي يعكس أن نشأة العلم لا يأتي اعتباطا وإنما تسبقه عملية التفكير لذلك، فإن  المرء الذي يعيش داخل شيء معين أي المحيط لا يمكن له أن يتأقلم داخل هذا المحيط دون أن يكون لنفسه بعض الأفكار التي تساعده على تحديد سلوكه باتجاه محيطه لكن في بعض الأحيان يسعى المرء إلى تأكيد صحة بعض النظريات فيجد صعوبة في ذلك لأنها تكون خاطئة من الناحية النظرية ولكن، تكون مفيدة من الناحية العملية ومثال على ذلك حركات الأجرام السماوية التي لازلنا في زمننا نعتمد عليها لكن رغم ذلك فهي مفيدة من الناحية العملية وتجلى ذلك في أنها تشعرنا بالمنافع والمضار التي ينطوي عليها ذلك الشيء أو أن تبين لنا متى يمكننا الاستفادة من ذلك الشيء أو متى يتعارض مع رغباتنا حيث أن المعاني التي تنشأ بطريقة غير علمية تعبر عن كل ما تحتوي عليه الأشياء من عناصر جوهرية يمكن مطابقتها مع الواقع لذلك فإذا استطعنا  معرفة أشياء معرفة عملية بواسطة الآراء الشائعة فإن علينا التركيز على اعتماد منهج علمي مميز حيث، أن كل الناس عندما يتوصلون إلى معرفة الجوهر الحقيقي، فسرعان ما يشرعون في البحث من أجل حل المشاكل التي تعترض سبيلهم وهي ما يسمونه بالحجر الفلسفي.

إن تحليل الآراء الشائعة من قبيل الباحث هي بداية الطريق للتوصل إلى العلوم الطبيعية حيث، وصف فرنسيس بيكون الطريقة التي كان يتبعها علماء عصره بأنها من هذا النوع  وقد حاربها لهذا السبب حيث أطلق عليها العلماء بالمعاني المبتذلة وهكذا نشأت العلوم الطبيعية وبنفس الطريقة نشأ علم الاجتماع الذي لم  يكن منتظرا من طرف الناس حيث،  استطاعوا أن يكونوا لهم فكرة قبلية عامة حول القانون، الدولة، الأسرة…لكن، هذا لا يعني أننا نعجز عن ادراك تفاصيل الحياة مثلما نعجز عن تكوين فكرة عامة عن المظاهر التي تتشكل بها الحياة حيث، صرح أوغست كونت أن الظواهر الاجتماعية هي ظواهر علمية طبيعية وبأنها تخضع لبعض القوانين  الطبيعية وهذا اعتراف ضمني من كونت، باعتبار أن الظواهر الاجتماعية تنطوي على بعض خواص الأشياء.

وخلاصة القول أن كونت خلط بين التطور التاريخي وبين الفكرة التي سبق أن كونها لنفسه عن هذا التطور ولا تختلف فكرة هذا الفيلسوف عن الفكرة  التي يكونها العامة من الناس لأنفسهم عن هذه الظاهرة. وفي سياق ما قاله كونت وجاء هربرت سبنسر وجعل من المجتمعات موضوعا لعلم الاجتماع والذي يقرر  أن المجتمع لا يوجد إلا إذا تحقق شرطان هما الحوار والتعاون باعتبارهما جوهر الحياة الاجتماعية عكس كونت الذي جعل من الانسانية موضوعا لها.

إن الأخلاق تهتم عادة بالعناصر التي تنطوي عليها كل فكرة من  القانون، كما يتم تعريف كذلك علم الطبيعة هو تلك الأجسام التي توجد بالفعل كفكرة عامة التي يكونها العامة من الناس هذا إضافة إلى إبراز مفهوم الاقتصاد السياسي مع ستيوارت ميل وهو تلك الظواهر الاجتماعية التي توجد في المجتمع أساسا وبالذات من أجل تحصيل الثروة فقط.

ولعل من أهم القواعد التي رصدها إميل دوركهايم في كتابه قواعد المنهج في علم الاجتماع وهي كالتالي:

– القاعدة الأولى: على  عالم  الاجتماع أن يتحرر بصفة مضطردة من كل فكرة سابقة وهي نتيجة كل ما تطرق إليه.

– القاعدة الثانية: على عالم الاجتماع أن يبرهن على صدق النتائج التي يؤدي إليها هذا البحث حيث، يلزم عليه التحرر من تلك الآراء البديهية المادية  التي تسيطر على عقول العامة من  الناس وأن يبتعد عن التفكير التقليدي لكن، هذه القاعدة تعتبر سلبية مقارنة مع القاعدة الثانية وذلك لأنها ترشد  عالم الاجتماع إلى طريقة التحرر من سيطرة الأفكار المبتذلة لكي توجه نظره إلى الظواهر  نفسها.

– القاعدة الثالثة: ركزت على جعل الباحث أن يعرف الظواهر التي يدرسها لكي يعرف الناس ويعرف هو أيضا تمام العلم نوع المسائل التي سيدرسها، وهذه تعتبر من أهم الشروط التي يجب أن تتحقق في كل برهان علمي، ولا يمكن تصديق إحدى النظريات إلا إذا قام بتعريف الظواهر التي يجب تفسيرها من قبيل النظرية غير أن هذه القاعدة تنطوي على علامة خلقية الذي لا يقتصر على المجتمعات البدائية فقط، بل أيضا المجتمعات الراقية.

– القاعدة الرابعة: تتميز بطغيان الطابع الشخصي على الاحساس حيث تقر العلوم الطبيعية على عدم استخدام المدركات الحسية، بل يجب أن يغلب الطابع الشخصي الذي يقوم بملاحظة الظواهر لكن في نفس الوقت يمكن الاعتماد على هذه المدركات الحسية التي تعتمد على طابع موضوعي حيث يلتزم عالم الاجتماع على تحديد موضوع بحثه قريب جدا من الواقع حيث، أن الظواهر الاجتماعية كلما اعتمدت على الطابع الموضوعي كلما سهل على عالم الاجتماع أن يكون ملما بحيثيات الواقع حيث، تعالج هذه القاعدة دراسة بنية المجتمع من حيث التقاليد الاجتماعية أو القواعد القانونية أو الخلقية والأمثال الشعبية والظواهر الاجتماعية لذلك فلابد من دراسة هذه الحياة عن طريق الإلمام بهذه المواضيع حيث تظل دون تغيير رغم ما تخلقه من صعوبة نسبية في فهمها على حقيقتها.

كما اهتمت هذه القاعدة بدراسة مشكلة التعاون وصوره المختلفة إضافة إلى دراسة القواعد القانونية وكذا الأمر الذي يتعلق بالحياة العائلية أو قانون الميراث بصفة خاص

– القواعد الخاصة  بالتفرقة بين الظواهر الاجتماعية السليمة وبين الظواهر الاجتماعية المعتلة:

إن ملاحظة الظواهر الاجتماعية وفقا للقواعد السابقة يؤدي إلى الخلط بين نوعين من الظواهر أي بين تلك الظواهر التي توجد على الصفة التي يجب أن توجد عليها وبين الظواهر التي ينبغي أن تكون  على نحو مخالف للنحو التي توجد عليه حسب الواقع أي بين الظواهر السليمة not maux وبين الظواهر المعتلة phatologique  الأمر الذي يلزم ضرورة التفرقة بين هذين النوعين من الظواهر عن طريق اللجوء إلى العلم خاصة، العلم الإنساني باعتبار هذا العلم لا يبحث عن الأهداف التي يسعى الانسان وراء تحقيقها ذلك أن العلم لا يفرق بين الظواهر التي يدرسها انسان من حيث قيمتها بل يقتصر على فهمها وتفسيرها ذلك أن العلم  عندما ينكب على دراسة الأسباب القائمة بين الظواهر فهو في نفس الوقت يجعل من  الانسان أن يبحث  في هذه الأسباب وفقا لرغباتهم، ذلك أن الانسان قادر على تحقيق الغايات التي تسعى وراءها هاته الأسباب الذي يعجز العلم  على إدراكها لأن العلم عندما يعجز على اختيار أفضل الغايات فإنه في نفس الوقت يعجز على اختيار الوسائل التي تقود الانسان إلى التوصل إلى هذه الغاية.

من بين الوسائل التي يمكن الاعتماد عليها في دراسة الظواهر الاجتماعية وهي بجعل هذه الظواهر منحصرة في إرجاعها إلى بعض المعاني العامة التي تعبر عنها  باعتبار كل دراسة اجتماعية عقلية تتخذ من هذه المعاني أساسا لتصنيف الظواهر، ويمكن الحديث هنا عن السلوك الانساني كونه يفكر في حل مشاكل الظواهر الاجتماعية عن طريق جعل هذا السلوك نفسه سلوك اجتماعي لذلك فإن التفكير الذي يستخدم من أجل هذه الغاية ليس تفكيرا علميا بل اجتماعيا وتعتبر الصحة، مهمة جدا بالنسبة للمجتمعات وبالنسبة للأفراد أيضا مادام عنوان أحد فصول كتاب دوركهايم هو القواعد الخاصة بالتفرقة، فإن العلم لحد اليوم حسب دور كهايم لم يستطع أن يمنح لنفسه أسلوب العلمية كونه لا يفرق لنا بطريقة علمية بين الصحة والمرض في مختلف أنواع الظواهر الاجتماعية… الأمر الذي يجعل من العلم يعطي فقط بعض المعلومات العامة، الأمر الذي يجعل من العقل البشري يستعين بالإحساس لمعرفة كل حالة من حالات الصحة أو المرض وإمكانية أن يعرف العلم الصحة انطلاقا من جعلها تنطبق على كل حالة فردية تماما انطباقا، ورغم أنها امكانية نسبية نظرا لأن تحديد الصحة لا يمكن أن يكون في ظروف شديدة العموم وهي ظروف لا تنطبق تمام الانطباق على جميع الأفراد.

إن مسألة التكيف مع البيئة يصلح في الواقع للتفرقة بين الصحة والمرض باعتبار هذا الأخير يؤدي إلى اضعاف الكائن العضوي كما يحدد دور كهايم على ظاهرة معتلة أخرى وهي المرض في حد ذاته ويعطي مثال يخص المرأة باعتبار الحيض يعتبر إحدى الظواهر المعتلة نظرا لأنه يزيد من قابلية المرأة للإصابة بالمرض  بسبب ما يثيره  لها  من اضطرابات عضوية، الأمر الذي يجعلها تتخذ مجموعة من الاحتياطات حتى تحفظ نفسها لذلك يتبين لنا أن علة المرض لا تؤدي دائما إلى الفناء بقدر ما تؤدي إلى الحياة والتشبث بها أكثر وأعطى دوركهايم مثال الشخص المصاب يحتاط بخلاف الشخص غير المصاب فهو لا داعي أن يقوم باحتياطات نظرا لأنه ليس مريض وهذا هو الأمر الوحيد الذي نفرق به بين الطرفين إلا أن هذه الأمراض تمس الكائن العضوي بخلاف مرض الالحاد الذي يسود  المجتمع وهو أشد الأمراض الاجتماعية في عصرنا الحاضر الذي ينعكس على النظام الاقتصادي لأنه نتيجة للمساوئ الاجتماعية وذلك أن الاقتصاد المحافظ يصف النظام الاشتراكي بأنها ظاهرة معتلة بمعنى الكلمة ويسعى العلم إلى إدراك الجوهر الكامن في الظواهر الاجتماعية قبل الأوان وينطبق هذا القول على الظواهر الاجتماعية باعتبار العلم يسعى إلى إيجاد حل الظواهر المعتلة والسليمة رغم ما تخلقه هذه الأخيرة من صعوبة في تحديد العلاقة  القائمة بينهما الأمر الذي يلزم أن يطلق إسما على كل ظاهرة على حدى حيث أطلق دوركايم اسم الظواهر السليمة fais normaux  على تلك  الظواهر التي تتشكل بصورة يعم وجودها في المجتمع وأطلق على الظواهر النادرة اسم الظواهر المعتلة.

لقد حاول جاروفالو garofalo التفرقة بين الظاهرة المعتلة والظاهرة الشاذة، ذلك بتأكيده أولا أن المرض يدل دائما على شيء يهدف إلى تدمير الجسم العضوي تدميرا كليا.

إن الشدود وعدمه يختلفان باختلاف الأجناس البشرية على حين أن التفرقة بين الصحة والمرض تصدق على الأجناس البشرية جميعا رغم أن الظاهرة المعتلة بالنسبة للرجل المتحضر ليست هي الظاهرة المعتلة بالنسبة للرجل البدائي نظرا لأن شروط الصحة تختلف باختلاف الطبيعة التي يوجد فيها الأفراد.

يمكن أن نفسر سلامة الظواهر بإعطاء مثال، أنه ربما كان من المجدي ألا تتير الولادة آلام مبرحة لذى المرأة الذي هذه الامكانية مستحيلة التحقق واعتمادا على هذا الأمر فقط يمكن أن نفسر سلامة إحدى الظواهر بهذا السبب الوحيد.

وهذا الأمر يجعلنا ألا ننسى أن الغرض من التفرقة بين الظاهرة السلمية والظاهرة المعتلة ينحصر في إرشاد الفرد على الناحية العلمية وذلك إذا أراد أن يبني سلوكا عقلانيا فلا يكفي أن يعرف الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه بل لابد من معرفة السبب الذي يدعو إلى اختيار هذا الهدف دون سواه لأنه إذا اكتشف الأساس الذي تعتمد عليه القضايا العلمية بحال الصحة، سهل علينا تطبيقه على الحالات الفردية.

من الملاحظ أن مسألة قدرة علم الاجتماع  على حل مشكلة هذه التفرقة هو نسبي في حد ذاته وذلك أن التطور الذي مر به علم الاجتماع في مراحله السابقة يتعارض مع كل هذين النوعين من التطور {الظاهرة الاجتماعية السليمة والمعتلة}، ذلك أن ضعف العواطف الاجتماعية هو ظاهرة طبيعية لأن هذا الضعف يزداد كل ما اقتربت المجتمعات من مجتمعات أخرى أوروبية بخلاف أن هذه الأخيرة تتطور. ومن هنا يمكن طرح التساؤل التالي: تدهور العقائد الدينية وازدياد سلطة الدولة ظاهرة سليمة أم معتلة؟

حيث تبينت الدراسة أنه لا يمكن معالجة هذا المشكل مالم يقطع العلم شوطا كافيا في التقدم وما لم يستطيع الانسان أن يحدد الظواهر الاجتماعية ووظائفها وتقسيمها إلى ظواهر سليمة وأخرى معتلة.

يملك الانسان حق التقييم على الظواهر بأنها مفيدة أو ضرورية إلا إذا قاسها هل هي معتلة أم سليمة، وليس من الضروري أن تكون الظاهرة مفيدة حتى تكون سليمة وذلك أن الظواهر المنتشرة في المجتمعات هي أكثر فائدة من الظواهر التي يندر وجودها فيه ولكن هذا لا يعني أن الظواهر المفيدة هي دائما التي تكون منتشرة قد يكون العكس.

– ظاهرة الجريمة:

 إذا أخذنا دراسة هذه الظاهرة وجدنا أن علماء الاجرام يتفقون على كون أن هذه الظاهرة هي ليست معتلة لكنهم يختلفون في تفسير الجريمة، وإذا طبقنا القواعد التي رأيناها مع موضوع الصحة والمرض على ظاهرة الجريمة وجدنا أيضا أنها لا تلاحظ في أغلب المجتمعات التي تنتمي إلى نوع معين، ولكنها تلاحظ في جميع المجتمعات مهما اختلفت نماذجها باعتبارها لا تخلو من الاجرام، ولو تأكدنا أن نسبة الاجرام تقل كلما تحول هذا المجتمع إلى نوع من الرقي لأمكننا القول أن الاجرام هو ظاهرة سليمة لكن رغم ذلك فهو ينقلب إلى ظاهرة معتلة وذلك ليس هناك وجود نقصان حقيقي في هذه العلة بل على العكس من ذلك، كثيرا من الظواهر تشهد اليوم أن نسبة الاجرام آخذة في التزايد، فبمجرد القول أن الجريمة مرض اجتماعي معناه أن المرض ليس شيئا عرضي، لكن رغم ذلك فالجريمة هي عامل مهم لابد منه لسلامة المجتمع.

وسبب انتشار الجرائم كون أن هناك غياب سلطة القضاء داخل المجتمعات ولو زود المجتمع بهذه السلطة حسب دوركهايم فسوف تصل بالأفراد أن يصفوا أخطائهم على أنها جرائم ويعاقبوا على أساس ارتكاب هذه الجرائم وهذا نفس السبب الذي يدعوا الرجل الأمين بأن يحاسب  نفسه على أقل هفوة من هفواته الخلقية، لكن هذا الأمر يختلف حسب الأفراد بحسب البيئة التي نشئوا فيها وباعتبار العوامل الاجتماعية والوراثية التي يخضع لها كل منهم ومن تم فإن شعور كل فرد يختلف عن مثيله وهذا ما يفسر اختلاف الأفراد داخل المجتمعات البدائية رغم أنهم لم يطوروا شخصيتهم إلا بقدر قليل جدا.

ومن أسباب ارتكاب الجرائم كون الأفراد مختلفون حسب العوامل البيئية والوراثية…لكن، لا يمكن اعتبار الجريمة معطى سلبي بل هي معطى إيجابي لأنها مرتبطة بالشروط الأساسية لكل حياة اجتماعية حيث لابد أن تتحقق الشروط التي ترتبط بها الجريمة حتى يمكن أن يتحقق التطور لكل من الأخلاق والقانون.

ونختم موضوعنا هذا بذكر أن عالم الاجتماع لا يمكن له أن يدرس الظواهر نفسها ولكن نعلم أن الموضوع مهم لكل علم خاص بالحياة سواء أكانت هذه الحياة الفردية أم اجتماعية ينحصر باختيار في تعريف الصحة وارتباطها بالمرض وظاهرة الجريمة باعتبارها قواعد ترتبط ارتباطا وثيقا فيما بينها وبالتالي لن يصبح علم الاجتماع علما حقيقيا إلا إذا اتخذ عموم الظواهر دليلا على سلامتها ودراستها دراسة موضوعية مضبوطة قابلة للملاحظة.

من أرشيف جيهان نجيب:

من أرشيف جيهان نجيب:

قواعد العشق الأربعون

اشكالية الحداثة بين العروي والجابري

القطيعة الإبستمولوجية عند غاستون باشلار

نقد، نقد العقل البرهاني العربي لمحمد عابد الجابري / الجزء الثالث

 نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الثاني

  نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الأول

معركة الحريات الفردية في المغرب

الفلسفة المنفتحة عند غاستون باشلار

ما بين الأصالة وقيم الحداثة

عبد الله العروي في محكمة النقد عند الجابري

قراءة في كتاب: الجابري وطه صراع: مشروعين على أرضية الحكمة الرشدية

في أن الكتاب لا يحتوي إلا على تعاليم يسيرة ولا يحث إلا على الطاعة

الرشدية بين الجابري وطه عبد الرحمن

قواعد المنهج السوسيولوجي عند إميل دوركهايم

 

شاهد أيضاً

غيبه مشاعرك          

سماح عبد العاطي غبت بين مشاعري و الشوق أعتراني هل أنادي عليك .؟ و أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *