الرئيسية / أنشطة ومواعيد / تغطية / « اليوم العالمي للفلسفة »: نحو أَسْطرَة الفلسفة

« اليوم العالمي للفلسفة »: نحو أَسْطرَة الفلسفة

 عثمان لكعشمي، باحث في الفلسفة والسوسيولوجيا 

« لا يبقى للمثقف إلا الانخراط في شبكات مقاومة تسعى جهدها إلى بلورة أسئلة وإحداث شروخ في عالم ينحو نحو التنميط والتخشب وتكريس البلاهة  la bêtise. »

« ليست البلاهة مجرد الحماقات les bêtises  ، وليس هي البلادة أو الجهل ، وإنما اللافكر الذي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة . »

عبد السلام بنعبد العالي : البوب-فلسفة

لقد أصبح للفلسفة ، كما هو الحال بالنسبة لغيرها من المعارف وغير المعارف ، ” يومها العالمي ” . منذ 21 نونبر  2002 (أول احتفال) ، حيث جعلت اليونيسكو ، من كل ثالث يوم خميس من شهر نونبر ، يوما عالميا للفلسفة ، احتفاء بها وبالفاعلين فيها ( موتى وأحياء ): مفكرين ، فلاسفة ، أساتذة ، باحثين وطلبة . لكن السؤال الذي يستدعي نفسه في هذا السياق هو :  ما المصلحة وراء إقامة يوم عالمي للفلسفة ؟

صار للفلسفة  يوم عالمي، مثلها مثل الأقليات المضطهدة والمهمشة في العالم ، العمال أو البروليتاريا ، النساء ، …وغيرهم . غير أن عبارة أقليات هنا لاتتحدد بمعيار الكم : أقلية عددية في مقابل أكثرية عددية ، بل المعيار في هذا الباب هو الفئة المتغلبة أو المهيمنة باختلاف أشكال هذه الهيمنة وأنماطها المتعددة : اقتصادية ، اجتماعية ، ثقافية ، سياسية ، تكنولوجية ، ذكورية ..لهذا ، فالأقلية بهذا المعنى قد تمثل الأكثرية العددية كفئة مهيمن عليها . كأن نقول اليوم العالمي للمرأة ،..باختصار اليوم العالمي للهامش ، في مقابل باقي أيام السنة للمركز . إنه اعتراف بالأقليات . ما هذه الديموقراطية ؟ ديموقراطية اليوم العالي : ديموقراطية المناسبات . أليس لهذه المناسبة ، بالتالي ، اقتصادها السياسي ؟

هل تحتاج الفلسفة ليوم عالمي ؟ أم أن عالم اليوم ؛ عالم المعاصرة ، هو الذي يحتاج إلى الفلسفة ؟

لا يكاد المرء يصدق أن أصبح للفلاسفة يومهم الخاص . ما هذا التشاؤم ؟ وكأن العالم ، اليوم ، فجأة صار الفلسفة ! نعم هو احتفاء بالفلسفة ، لكنه ضدا فيها ، بما هي فعالية عقلية ، لا من أجلها . إن تخصيص يوم في السنة خاص بالفلسفة ، هو شكل من أشكال اللافلسفة واللافكر . إنه تكريس للتقليد ، أما الفيلوصوفيا فهي تقويض وتفجير له .

ليست الفلسفة بتراث معماري أو تقليد معرفي يتم تخليده ، كطقس تأبيني يرمي إلى طوطمة الفلسفة وتأليه أعلامها وإضفاء نوع من القدسية لنصوصهم  ، هي ليست بتراث عالمي بالمعنى الذي يتحول فيه هذا التراث إلى فلكلور ومنتوج سياحي يتلذذ به السياح . إنه سعي لفلكلرة  folklorisation ما ليس بفولكلور . إرادة تقلدة traditionalisation  ما لايخضع للتقلدة . كما أن الفلسفة ليست بخطاب إيديولوجي يمكن لليونيسكو أن تشرعن به ممارساتها ، بما يتيحه الفكر الفلسفي لها من مفاهيم ذات طابع كوني يمكنها أن توظف في هذه القضية أو تلك ، على حساب إنسانية الإنسان .إنها تفكير حر ، من الإنسان ، حوله وفيه ، ومن أجله .

كيف يتم التعامل مع هذا اليوم ؟ عادة ، ما يتم تصريف هذا اليوم في ندوات ، ولقاءات ، أنشطة ” ثقافية ” ، في مختلف المدرجات (بالكليات ) ، الصالونات الثقافية ، المكتبات..في مختلف الفضاءات العمومية ، بين أساتذة وباحثين وطلبة من نفس المجال المعرفي المعني . لقاءات يهيمن فيها الطابع الأكاديمي ، حيث تشهد نوع من التداول لبعض الأعلام والأسماء الفلسفية هنا أو هناك ، إعلاء من شأن بعضها وتنقيصا من أخرى . وتقديسا لبعض النصوص على حساب تدنيس أخرى ، إذ لا تتجاوز الخوض أو بالأحرى عرض ” شبه المسائل ” ، أو ما تم فيه إعمال الفكر : الإشكالات و الطروحات الجاهزة . وكأن مفكرينا وفلاسفتنا ، هذا إ ن كان ينطبق عليهم هذا الوصف ، يكادون أن يتناسوا إعمال فكرهم  ، بل  الرفع من شدة وكثافة تفكيرهم . فما أكثر أولئك الذين تحولوا إلى مجرد أعواد ثقاب : ردود أفعال ، لايولّدون شرارات : أفكارا ، إلا بحكّهم  . إنهم لا يعملون ، كما يقول نيتشه ، إلا بتبديد وتضييع جهودهم إثباتا ونفيا ، تأكيد ومعارضة . إنهم يبذرون طاقتهم وجهودهم في انتقاد ما أعمل فيه الفكر من قبل ، أما هم فلم يعودوا في حاجة إلى تفكير .

إن التفكير الفلسفي شيء و ” الذهنية المناسباتية ” شيء آخر . فالزمان الفلسفي هو زمان الأسئلة المفتوحة : زمان انسيابي  ، أما الزمان المناسباتي فهو زمان دوري : زمن أسطوري ، يستدعي الماضي ويخلده . لهذا ، فإن الفيلوصوفيا لا تحتاج إلى تقليد سنوي أو إلى يوم يوصف بأنه ” عالمي ” ، لا لشيء إلا لأنه من اعتراف اليونيسكو . إنها لاتحتاج  ” ليوم عالمي ” لتكون عالمية ، وإنما عالم اليوم : عالم المعاصرة هو الذي يحتاج إلى الفلسفة . في حاجة لأي فلسفة ؟

هل يتعلق الأمر بالنقد أو بفلسفة نقدية ؟ إننا لانحتاج إلى النقد ، لاسيما وأن هذا المفهوم أثقل كاهلنا بشدة استعماله واستهلاكه في المشهد الثقافي العربي وغير العربي ، بل نحن في حاجة إلى ” فلسفة مغايرة ” كما قيل . تلك الفلسفة التي تقوم على تفكير استراتيجي مغاير ، تفكير بيني : تقوم على استراتيجية النقد المزدوج ، كاستراتيجية تفكيكية ، الكفيلة برصد اللامفكر فيه و التصدي له .

على أن اللا مفكر فيه لا يقع خارج مايعتقد على أنه مفكر فيه . إنه يقبع في جوانيته ، إنْ لم يكن هو نفسه . ليس علينا إلا أن نخلق ونصنع فيه فجوات ونبث فيه فراغات ، لكي ينكشف لنا كل ماهو مفكر فيه لامفكرا فيه أساسا . حيث نجعل من أعماقه أسطحا و من خلفياته واجهات . هنا بالضبط تكمن مهمة الفلسفة ، ضدا في كل أشكال اللاتفكير ( أو البلاهة ) في مايقدم نفسه على أنه التفكير ذاته . يتعلق الأمر إذا بالمقاومة ؛ مقاومة كل أشكال البلاهة أنّى وجدت ، في الفكر كما في كل كيانات الحياة اليومية وتفاصيلها . بما في ذلك : أسْطرة الفلسفة . عن أي أسطرة نتحدث ؟ أن نجعل للفلسفة  يوم عالمي .

فبدل أسطرة الفلسفة ، وترسيخ البلاهة في مختلف تجلياتها وأشكالها المتعددة ، من بداهة و وثوقية ، في عالم يتجه صوب التنميط والتخشب والقولبة ، في عالم لاصوت فيه يعلوا فوق صوت اللافكر ، بما فيه الفكر الفلسفي نفسه ، وجب علينا وعلى مفكرينا ومثقفينا : « الانخراط في شبكات مقاومة تسعى جهدها إلى بلورة أسئلة وإحداث شروخ في عالم ينحو نحو التنميط والتخشب وتكريس البلاهة » .

هل هناك ما هو أكثر بلاهة ، من أن نجعل للفلسفة يوم عالمي ؟

من أرشيف عثمان لكعشمي:

عبد السلام بنعبد العالي .. كاتب بيدين

(شذرات في) الإنسان المغربي: ماذا يعني أن يكون الإنسان مغربيا؟

 في هشاشة الإنسان العربي (ومعرفته)

« اليوم العالمي للفلسفة »: نحو أَسْطرَة الفلسفة

 

      

 

 

شاهد أيضاً

الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة فرع بركان: احتفال باليوم العالمي للفلسفة

رشيد المشهور*            ميّز الاحتفال باليوم العالمي للفلسفة الذي أحيته الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة ببركان، اختيار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *