الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / صورة الإنسان في الفلسفة الغربية المعاصرة: أو نحو تجاوز الإغتراب وأنسنة الإنسان

صورة الإنسان في الفلسفة الغربية المعاصرة: أو نحو تجاوز الإغتراب وأنسنة الإنسان

نصر الدين شنوف – الجزائر

العلم والتقنية وسؤال المصير الإنساني: أو هل أصبح الإنسان سلعة تباع وتشترى؟

لقد احتلت مسألة التقنية مساحة واسعة في الخطاب الفلسفي المعاصر، فإذا كان هوسرل من قبل قد حاول تجاوز أزمة العلوم الأوروبية من خلال معالجة قضية الأسس وما يسمى بالافتراض الرياضي، واذا كان هيدغر قد توقف عند مسالة العلم والتقنية حينما أعلن بأن ” العلم لا يفكر”، وبأن التقنية كانت سبباً من أسباب تهميش موضوعة الكينونة بوصفها جوهر الخطاب الفلسفي الأصيل فيم يسميه هيدغر ” بالنسيان الميتافزيقي “، فإن ماركوز على غرار فلاسفة فرانكفورت، بدءاً من هوركهايمر وأدورنو قد حاول هو الآخر مقاربة مقولة الإنسان في ضوء مفاهيم النظرية النقدية والتراث الماركسي، كمفاهيم النقد والثورة والنفي والإجتماع …إلخ، فالاضافة إلى أنه قد عاين تجليات المجتمع الأمريكي والأوروبي المتقدم على كافة الأصعدة، فإنه في مقابل ذلك، قد انتبه إلى تمثلات اللاتوازن في شخصية الإنسان الصناعي والتقني في عالم بات يحكمه النظام العلماوي على جميع المستويات. إنه إنسان ذو بعد واحد. إنسان العلم والتقنية والصناعة والمواد الناعمة.

لقد أشار ( جورج طرابيشي ) في مقدمة ترجمته لكتاب الإنسان ذو البعد الواحد لماركوز إلى نقطة مهمة جدا ومفصلية في تاريخ الفكر الإنساني عموماً والأوروبي على وجه الخصوص، فإذا كان ( فانون ) كتابه ” معذبو الأرض ” قد إنتبه إلى الوضع الكارثي والحالة المأساوية التي يعيشها الإنسان، فإن ماركوز قد استتبع هذا المسار من خلال وصفه لحالة الإنسان بأنه ذو بعد واحد. مع فارق جوهري بين فانون وماركوز يتمثل في أن الإنسان الذي كان يقصده فانون هو إنسان العالم الثالث، ذلك الإنسان الذي قتلته السياسات العالمية جوعاً وإرهاباً، والذي مسخته الإقتصادات العولمية لضعفه فصار إزاءها عبداً تابعاً مقهوراً، في حين الإنسان الذي أشار إليه ماركوز وحاول أشكلته هو إنسان القرن ال20م، هو إنسان العالم الصناعي والتكنولوجيا التقنية، هو إنسان العلم والمادة والإنتاج. وهنا المفارقة: الإنسان يتعذب في الحالتين. في حالة الضعف وفي موضع القوة.

    حقق القرن التاسع عشر يقينيات العلم الوضعي وجسد انتصار العصر البروميثيوسي الذي بدأ مع عصر النهضة، فامتازت الحضارة البروميثيوسية من نهاية القرون الوسطى حتى فجر القرن العشرين بميلها إلى العمل وإيمانها بالعلم، أما في النصف الثاني من القرن ال20م لفتت وقائع الحرب العالمية الأولى الإنتباه إلى خطورة العلم وتأثيراته الحاسمة في المنظومة الحضارية وبدأ الاهتمام يتحقق ويتعين أكثر فأكثر حين ارتبط تاريخ العلم إرتباطاً وشائجياً خاصاً بالفلسفة، وبدا واضحاً أن كلا الطرفين تاريخ العلم وفلسفة العلم في حاجة إلى تفاعل عميق مع الآخر، أو بلغة ( إمري لاكتوش ): ” فلسفة بدون علم خواء وعلم بدون فلسفة عماء “، لقد ظهر بما يعرف بفلسفة العلم، لأن العلم وحده لا يلتفت إلى ماضيه ولا يهتم كثيراً بذاكرته، أو بالصيغة الهايدغيرية ” إن العلم لا يفكر “، إنه لا يتأمل ذاته ولا يتعقل منتوجاته.

وتعتبر الفلسفة المعاصرة الواجهة الفكرية لكل لحظات الإنسان والعالم المعاصر، فهي تعبر عن العالم في مرآة الفكر وانعكاساً له، لقد واجهت الفلسفة المعاصرة هموم ومشكلات الإنسان المعاصر، إنسان القرن الـ 20 ذلك الإنسان الذي مزقه التناقض والذي فككته التقنية وسيطرة النموذج الميكانيكي في العلم، بعد أن اتخذ ( رنييه ديكارت ) وقلبه ( فرنسيس بيكون)  من النظرة الآلية طابعاً لسبر أغوار العالم.

مع سير القرن العشرين قدماً وجد الوعي الحديث نفسه أسير علمية توسع وتقلص متزامنة شديدة التناقض، ومليئة بالروح الإرتكاسية، ثمة تطور فكري علمي تقني غير إعتيادي، تطور تجاوز حدود المعقول ومحدودية منسوب الوعي الإرتهاني بلحظة الخلاص الإنساني بوصفه كذلك، جاء هذا التقدم العلمي والتكنولوجي مصحوباً بنوع من الإحساس بالتفسح والاعتلال القاتل، ثمة اتساع للآفات وانفتاح على الآخرين غير مسبوق، جاء هذا الانفتاح والتقدم ليعلن عن زمن الإغتراب الإنساني في عصر من أساساته النزعة الإنسانية، أو في عصر لا زال بطابع وجودي بما أن الوجودية هي فلسفة الإنسان، أو الإنسان الأخير بتعبير( فتحي المسكيني )، اغتراب أضحى فيه الإنسان بمثابة نقطة بلا معنى، وغدا رمزاً لا شأن له، أو كالدمى التي تحركها الملايين، وتتحكم فيها، فأصبحت الحياة باعثة على القلق والإنسانية باتت في قدر مرعب من القسوة والفساد، هموم المعاناة والموت، هموم الوحدة والهلع، هواجس الشعور بالذنب اتجاه الذات والطبيعة، إنها لحظة من الوجود مليئة بالخواء الروحي واللآمان الأنطولوجي، وبفعل هذا تحددت مسارات الفلسفة المعاصرة، التي صيغت في زحمة شديدة التنوع من التيارات الفكرية التي تلتقي كلها في نقطة الإنعتاق الإنساني.

لقد شهدت الفلسفة المعاصرة نشاطاً مخصوصاً في مساراتها وتفكراتها ومساءلاتها مخصوصية تستمد مشروعيتها من التحولات التي شملت نماذج الفهم ومقولات التفكير خصوصاً تلك التي جاءت مع اللحظة الحداثوية، كلحظة إيبستيمولوجية هامة من لحظات تطور الفكر الفلسفي الغربي، وهذا بدءاً من التأسيس الذاتي الديكارتي ومستتبعاتها الفلسفية والأكسيولوجية: لحظة الإصلاح الديني والتفجر العلمي والتقدم السياسي خصوصاً على المستوى النظري الإشهاري إلى حين أن أطلق ( كانط ) سؤاله الجوهري: ما التنوير؟، الذي حرض فيه الإنسان – الغربي- على التجرأ على استعمال العقل، دون أن يترك مجالاً للآخرين ليفكرون بدله، إنتهاءاً بلحظة الإغلاق الفلسفي مع ( هيغل )، إغلاق لأنه رفع المحددات المشهورة للعقلانية الحداثوية إلى مرتبة المطلق، الحق في النقد، الحرية، إستقلال العمل، المنزع المثالي في الفلسفة، رفعها إلى مرتبة العقل الكلي الثبوتي، وجعل من النسق كفكرة جوهراً رئيسياً لكل بناء فلسفي جديد، والذي يقول في حقه ( جورج لوكاتش ): ” إن عقل هجل المطلق كان آخر هذه الصيغ الخرافية العظمى، صيغة عبرت عن الكلية وحركتها، بالرغم من أنها ليست واعية جوهرها الموضوعي ” [1]، فإذا كان ( ألكسندر كوجيف ) قد دعانا إلى ضرورة تبين هيغل على غرار ما فعله ( برادلي ) في دوائر الفكر الفلسفي الإنجليزي، فإن ( فوكو) على غرار ( نيتشه ) يدعون إلى تجاوزه، في حين يدعون ( بول ريكور) إلى نسيانه بكل بساطة، وهذه هي اللحظة المفصلية التي قامت عليها الفلسفة المعاصرة، إنها لحظة جاءت لتراجع هذه المخاطرة الهيغيلية التي تعالت بهذه المعقولية إلى حدود التأسيس الميتافزيقي، والميتافيزيقا بهذا المعنى هي كل فكرة مجتشة عن أصولها كما قرأ ذلك ( هيدغر)، وهذا النوع من المعقولية نلحظه في النسل اليوناني الذي أقام كيانه على العقل ومقولاته ومحاكمته كل أشكال اللامعقول، لتكون الثورة على الذات وعلى فلسفات الوعي السمة البارزة لكل تفكير فلسفي معاصر، هذا بالإضافة إلى التصدي لكل بناء ميتافيزيقي، بما أن الفلسفة المعاصرة على اختلاف مشاربها وتنوع مدارسها تجتمع في مسألة رفض وتجاوز الميتافيزيقا. لأن الحديث عن تغيير الرؤية إلى العالم، أو تصويب مساره انطلاقاً من البعد الفلسفي يقتضي هو الآخر إعادة تصويب الفلسفة التي آلت بالعالم والإنسان إلى هذا الوضع بالذات، ” إن الفلسفة التي تريد أن تفضح الأوهام وتقضي على التشويهات التي تلحق الإنسان في المجتمع، تجد نفسها أنها، هي أيضاً، نوع من التشويه الذي يحول الوقائع إلى حقائق … فإذا كنا نريد أن نتخلى عن الأوهام المتعلقة بوضعنا، فذلك يعني أن علينا أن نتخلى عن وضع يكون في حاجة إلى أوهام ” [2]

يبدو أن كل هذا الإنعطاف المصيري والحاسم في تاريخ الفكر الغربي جاء بفعل نوع من التضحية، محاكمة سقراط عند ميلاد الفعل الإغريقي، ومحاكمة يسوع وصلبه عند ميلاد المسيحية، ومحاكمة غاليلو وإدانته وميلاد العلم الحديث، وبكل المعايير فإن النبي المركزي لعقل ما بعد الحداثة هو فريديرك نيشه فهو قد ختم رسالته الأخيرة بكلمة ” مصلوب “.

إن البيئة الفكرية المعاصرة تبعث على التوتر والتردد والحيرة، ومن سماتها التعددية وتفكيكية المفاهيم، ثمة فوضى في التفاسير وإفراط في التأويلات بلغة ( إمبرتو إيكو )، إن تعالي الصيحات في الفلسفة المعاصرة، صيحات الموت والنهاية، موت الإله عند نيتشه، موت الإنسان عند فوكو، نهاية التاريخ عند شبنغلر، نهاية العالم، نهاية الفلسفة مع ريتشارد روتي، إن هذه النهايات هي ما يعبر عن واقع حال الإنسان والفلسفة المعاصرة. إنها عدمية باعثة على اليأس والحيرة والخوف من المستقبل، وتتخذ لفظة العدمية هنا المعنى الذي أعطاه نيتشه في مؤلفه ” إرادة القوة “، ” الوضع حيث يتدحرج الإنسان إلى خارج المركز نحو المجهول، ولكن هذا المعنى للفظة العدمية يلتقي بشكل إجمالي بتعريف يهدجر لها: العملية التي بها، في نهاية المطاف لم يعد ثمة شيئ فيما يتصل بالوجود ” [3].

لقد شكل العلم الوضعي براديغم للتفكير الحدثاوي لعصر النهضة، لقد مثل معيار الحقيقة ومقياس الموضوعية والصرامة المنهجية، واستمر الوضع هكذا حتى اللحظة الهيغيلية وجاء ( سورين كالكيغارد ) الأب الروحي للفلسفة الوجودية ليصرخ في وجه هيغل: إن مهمة الفيلسوف ليس بناء الأنساق ­ أنساق من ورق ­ وإنما مهمة الفيلسوف الحقيقة تكمن في معرفة وتحديد القضية التي من أجلها يحيا أو يموت، هذه القضية هي ذاته مثلما ذكر كالكيغارد على يومياته، إن الإنسان، الأنا هي المحور الأساسي التي أقامت عليه الوجودية مسرحها، إنها جاءت لتناقش الحالات التي تهدد الإنسان في وجوديته، فبغض النظر عن مبدئها المتمثل في أسبقية الوجود على الماهية، فإنها عموماً جاءت لتنظر في مفاهيم القلق والخيار والعدم والموت والمصير والحرية والمسؤولية تلك المفاهيم التي ترتبط بحياة الإنسان ارتباطاً مباشراً، بل إن الحياة كلها تتمثل في مرآة هذه المفاهيم. ثم تأتي البنيوية فيما بعد عبر قيمها المثلى المتمثلة في العلم والصرامة المنهجية والموضوعية والتفسير العلمي وتجاوز النزعة التاريخية، لتعلن موت الإنسان مع فوكو، وقبله شيخ البنيويين، أو كانط القرن العشرين كما يلقبه بول ريكور، الذي قد رأى بأن العالم قد بدأ بدون إنسان وسينتهي بدون إنسان، لم يعد الإنسان جوهر الوجود مع فوكو، ولم يعد الموضوع الجوهري والوحيد للمعرفة الإنسانية، متجاوزاً النزعة الإنسانية التي مثلها ( سانت إكزيري ) و ( ألبير كامي ) و ( بيار تايلاردو شاردان ) وغيرهم كثيرون، إن مقولة الإنسان في التصور الفوكاوي مقولة حديثة العهد لا نجد لها أثراً في تاريخ الفلسفة، لقد أعلن فوكو على موت الإنسان إستجابة منه لإكراهات النسق والنظام الضابط للبنية. من هنا التحول الجذري، من فلسفة سارتر القائمة على قيم الإختيار والحرية والتاريخ والإنسان، إلى فلسفة بنيوية لاإنسانية ولاتاريخية، لا معنى للذات فيها.

وقبل ذلك هيدغر الذي تمحورت فلسفته الأنطولوجية في مناقشته التأويلية لوضع الدازاين بوصفه الكائن في العالم، هذا الدازاين الذي كان مع اليونان منطلق ومرجع كل نقاش فلسفي، ومع التحولات العلمية والتقنية، ذهبت مسالة الكنيونة، الكائن في الهنا، في طي ” النسيان الميتافيزيقي “، التي ساعدت التقنية والتفجيرات العلماوية بالنسبة إلى هيدغر على ما يسميه بإهمال الكائن أو نسيانه وهذا ما يسميه هيدغر بحادث التملك، لقد كانت التقنية السبب الرئيسي في نسيان المقولة الأهم في الفلسفة نعني بذلك مقولة الكينونة، كينونة الكائن في الهناك، ” إن أنطولوجيا التواصل لدى هيدغر، في اعتقادنا تمارس الفهم، ومن ثم التأويل بالتوازي مع بحثها عن حقائق الأشياء ذاتها، إذ لا ينبغي لجهد الكائن هنا (الدازاين) أن يذهب بعيداً عن تأملاته “[4]، ومع هذا فإنه لا يمكن أن نتصور بأن هيدغر ضد التقنية، بل على العكس، إنه موقف نقدي تأويلي لوضع الدازاين في العالم المعاصر، لكن تأويل ونقد يبتعد عن أعلى روح سلبية راديكالية، يقول هيدغر: ” في ما يتعلق بمسالة التقنية، ومن خلال تحديد لماهيتها، والذي لم يتم قبوله حتى الآن في أعلى مكان ­ حتى أكون أكثر صدقاً ­ نستنتج أن علوم الطبيعة الحديثة تتأسس في إطار تطور ماهية التقنية الحديثة ذاتها وليس العكس، وينبغي أن أقرر منذ البداية أنني لست ضد التقنية، بل إنني لم أتحدث إطلاقاً ضد التقنية ولا ضد ما يمكن أن نسميه الطابع الشيطاني للتقنية … إن العلاقة التي بدأت تتفتح داخل ماهية التقنية يمكن أن تنكتشف يوماً بكل نصاعتها ومن خلال ماهية التقنية، أرى ظهوراً أولياً لسر أكثر عمقاً أسميه “حادث التملك” بحيث ينتفي معه أي مجال لمقاومة التقنية أو إدانتها [5]. ويتأسس موقف هيدغر من التقنية خصوصاً من خلال نظرته لما يسمى بالفيزياء البيولوجية، التي تهدف إلى صناعة ذات الإنسان، أن تصنع منظومات عضوية وهذا جوهر النقد الهيديغيرى للتقنية في أنها تجاوزت كل حدودها الممكنة.

إن الفلسفة أبدية وخالدة أما عن اتجاهاتها ومذاهبها ومدارسها فهي بنات عصرهن، ومدرسة فرانكفورت من هوركهايمر وأدورنو إلى هبرماس وصولاً عند أكسيل هونيث، فإنها جاءت لتستجيب لمتطلبات هذا العصر، الذي لابد أن يتخذ طابعاً نقدياً جديداً وهذا ما دأب على تشييده أصحاب النظرية النقدية من جيل النواة إلى الجيل الثالث مع فروقات كثيرة، لقد حاول فلاسفة فرانكفورت تشخيص آلام العقل الغربي والإنساني عموماً، وكشف اللثام وتأويل العالم تأويل جديداً، هذه الروية التأويلية الجديدة باتت أكثر من ضرورة على حد تعبير جان فرانسوا ليوتار. ” يعتقد العديد من مؤرخي الفلسفة أن الفلسفة النقدية ­ مدرسة فرانكفورت ­ قد انشغلت في المرحلة الأولى بنقد شامل للفكر الوضعي الذي ساد في الغرب مع تطور ونضج النظام الرأسمالي ومع تطور منجزات علوم الطبيعة والبحوث التطبيقية والتكنولوجية المتقدمة واستغلال هذا الفكر العقلانية حركة التنوير ونزوعها لتحقيق الحرية والعدل [6].

يعد ماكس هوركهايمر و ثيودور أدورنو إحدى أهم فلاسفة المدرسة، أو فيما يسمون بجيل النواة، عملوا على نقد ما يسمى بالعقل الأداتى، في كتابهما المشترك ” جدل التنوير ” ثم في كتاب ” أفول العقل ” لهوركهايمر،  والذي كان يقصد به نهاية شكل معين من العقل هو عقل التقنية والعلماوية الوضعانية والعقل الأداتي عموماً، واستتبع هذا النقد كل من هربرت ماركوز وولتر بينيامين و يورغن هابرماس وأكسيل هونيت ..إلخ، من نواحي عديدة ومتباينة “جمالية، فنية، سياسية، ثقافية، علمية، ” إن النظرية النقدية بقدر ما انصب اهتمامها على نقد العقل الأنواري وعلى كل نزوع كلياني وعلى الاتجاه الوضعي والنسق الهيغيلي والماركسي أيضاً بقدر ما كان سؤال الفرد يشغل أغلب فلاسفتها، ذلك أن الفكر الفلسفي الذي أنتجه مفكرو هذه النظرية تعبره أزمة الفرد من كل جانب بكل ما يستتبع ذلك من قيم ثقافية جديدة أفرزتها الحداثة ووفرتها مغامرات النظام الليبرالي [7]، واهتمت في المرحلة الثانية ببناء نظرية اجتماعية قائمة على تأسيس حركة تنوير جديدة وصيغة عقلانية تسترشد بالمنجزات العصرية لعلوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية وعلوم اللغة والاتصال وعلم النفس التربوي التطوري بهدف تحقيق حلم الخلاص، أو الحرية والعدل الذي راود فلاسفة التنوير [8].

ويرى البعض أن النظرية النقدية عرفت ثلاثة محطات كبرى تمثلت في حوارات بين بينيامين وآدورنو في أواخر 1929م، وصدور النظرية التقليدية والنظرية النقدية لهوركهايمر 1937م، والفلسفة النقدية مع هربرت ماركوز، واللقاء الحاسم بين هوركهايمر وآدورنو. لقد شكل كل من هوركهايمر وآدورنو وماركوز حجر الأساس الأولى للنظرية النقدية، ضف إلى ذلك كل من كارل كروتش وجورج لوكاتش ووالتر بينيامين وآرنست بلوخ.  ويمثل العقل الهيغيلي الوجه الآخر للعقل الأداتي الذي يعد من أهم المقولات التي أثرت في مدرسة فرانكفورت [9].

لقد حاول ماركوز على غرار كل أقطاب الجيل الأول قلب الرؤية إلى العالم، لقد فكروا في العالم الحديث وفي مسألة التغيير من زاوية تفكير الإنسانية في نفسها مؤكدين على عملية الإدماج بين المجالات، خصوصاً بين المجال العلمي التقني وما بين المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي خصوصاً عند ماركوز. لقد توزعت اهتماماتهم النقدية على نقد السلطة والعائلة، ونقد مفهوم التحرر البورجوازي ونقد الفاشية والثقافة السلطوية الاستبدادية والمؤسسات التوتاليتارية مع تحليل مكونات الحساسيات الجمالية . ” إننا لنواجه هنا واحداً من أكثر مظاهر المجتمع الصناعي المتقدم مدعاة للأسف: الطابع العقلاني للاعقلانية … وبمقدار ما تحول الحضارة القائمة عالم الشيئ إلى بعد للجسم والروح الإنسانيتين، يصبح مفهوم الاستلاب بالذات إشكالياً، فالناس يتعرفون على أنفسهم في بضائعهم ” [10].

لقد قدم ماركوز على غرار إريك فروم وآرنست بلوخ في مستويات مختلفة تحليلاً متعدد المنطلقات للمجتمع الصناعي المتقدم يهدف إلى الكشف عن الآليات الواعية واللاواعية التي تتحكم في الفرد والجماعة، أو ما يسميه ماركوز بالإنسان ذو البعد الواحد المتحرك داخل المجتمع المغلق، يقول ماركوز: ” إن المجتمع الصناعي المتقدم هو اليوم قاب قوسين أو أدنى من المرحلة التي يستوجب فيها، في حال استمرار التقدم، قلب إرادة التقدم وتنظيمه الراهنين رأساً على عقب … عند ذاك المستوى يكون التقدم التقني قد تجاوز ميدان الضرورة حيث كان يجعل أداة سيطرة واستغلال وتحد عقلانيته. ستكون التكنولوجيا آنذاك قد أخضعت لابداع المواهب الحر في النظال من أجل امتلاك الطبيعة والمجتمع وتنظيمهما سلمياً وبكلمة واحدة من أجل تهدئتهما ” [11].

إن العقل العلمي عقل أداتي، عقل عمد على التطلع إلى نصوص فرويد متسائلين عن دلالات الرغبة والتصعيد اللاشعوري، وموقع الجنس في آليات الإغراء الحديثة وعلاقتهما بالعملية الإنتاجية، فالمجال الحضاري الذي أنتجته الحداثة التقنية لا يساعد الفرد على الانعتاق لأنه يوهمه بالحرية والديمقراطية التي بقيت مفاهيم حبيسة التصور النظري، إن العقلانية الأداتية الحداثوية التقنية العلماوية تحولت إلى نقيض المفهوم الأصيل للعقلانية، إنها عقلانية باتت هي الأخرى بحاجة إلى عقلنة، فتحولت في كنفها الحرية إلى استبداد يختزل الإنسان في بعد واحد هو البعد المادي، أضحى الإنسان بمثابة الآلة بفعل مظاهر التشيؤ على حد تعبير جورج لوكاتش، يقول هذا الأخير: ” لعل أفضل تعريف للتشيؤ هو تحول الصفات الإنسانية إلى أشياء جامدة واتخاذها لوجود مستقل واكتسابها لصفات غامضة غير إنسانية ” [12]، هذه الفكرة التي تعبر عن جوهر النقد الأخلاقي للنظام الرأسمالي.

من هنا ارتمت المدرسة في أحضان العالم الجمالي لأن المخيلة ترفض الإلتزام بحدود ما يفوضه مبدأ الواقع، فالفن يرفض ابتذال الثقافة أو انحطاط الفرد، لقد حاول الجميع عند الاحساس بهذا الوضع تغيير الواقع عبر التمرد عليه أو تحقيق الثورة بلغة ماركس. لكن عبر تاريخ العالم لم تخلو أي ثورة من مظاهر التعذيب والقهر والارهاب. ” غير أن المآل هو دوماً بعكس الإدعاء، فالمجريات تفضح الدعوات، والنتائج تنقض المقدمات تماما كما أن الوسائل تدمر الغايات، وتلك هي المفارقة والمخاطرة، انفضاح مزاعم السيادة والسيطرة على المقدرات والمصائر” [13].

من أرشيف نصر الدين شنوف:

نقد العقل الإسلامي لمحمد أركون: أو نحو تأسيس براديغم إنسي

التراث والحداثة عند أدونيس: النص القرآني وجدل المعنى والكتابة

صورة الإنسان في الفلسفة الغربية المعاصرة: أو نحو تجاوز الإغتراب وأنسنة الإنسان

قائمة المصادر والمراجع:

  • 1- جورج لوكاتش، التاريخ والوعي الطبقي، تر: حنا الشاعر، دار الأندلس، بيروت لبنان، ط2، 1982،  ص 27.

2 – عبد السلام بن عبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر “مجاوزة الميتافيزيقا”، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، ط1، 1991، ص13.

3- جياني فاتيمو، نهاية الحداثة “الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة ما بعد الحداثة 1987 “، تر: فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة السورية، دمشق، 1998، ص23.

4 – عمر مهيبل، إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية المعاصرة، الدار العربية للعلوم، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر، المركز الثقافي العربي، المغرب لبنان، ط1، 2005، ص21.

5 – أنظر: هيدغر / التقنية/ الفكر الميتافزيقا: في:  من النسق إلى الذات ” قراءات في الفكر الغربي المعاصر”، عمر مهيل، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط 1، 2001، ص220 ص221.

6 – عصام عبد الله، رهان الحداثة وما بعد الحداثة، الدار المصرية، السعودية، القاهرة، ط 1، 2003م، ص 08.

7 – محمد نورالدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة ” نموذج هابرماس “، أفريقيا الشرق، بيروت لبنان، ط2، 1998،  ص34.

8 – عصام عبد الله، رهان الحداثة وما بعد الحداثة، المرجع نفسه، ص 08.

9- أبو النور حمدي، يورجين هابرماس الأخلاق والتواصل، التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت لبنان، 2012، ص309.

10- هربارت ماركوز. الإنسان ذو البعد الواحد، تر: جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت  لبنان، ط3، 1988، ص45.

11- هربارت ماركوز. الإنسان ذو البعد الواحد، المرجع نفسه، ص52.

12- أنظر إلى: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، إيان كريب، تر: محمد حسين غلوم، عالم المعرفة، دط، دس، ص274.

13- علي حرب، أزمة الحداثة الفائقة ” الإصلاح الارهاب الشراكة “، المركز الثقافي العربي، المغرب لبنان، ط1، 2005، ص7.

 

شاهد أيضاً

جدل الدين والسياسة عند ابن رشد

العلوي رشيد اصدر الباحث المغربي العلوي رشيد كتابا جديدا حول فيلسوف قرطبة ومراكش تحت عنوان …

2 تعليقان

  1. مقال فريد ومفيدة

  2. مقال فريد ومفيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *