الرئيسية / أدب وثقافة / مقالات /  في هشاشة الإنسان العربي (ومعرفته)

 في هشاشة الإنسان العربي (ومعرفته)

 عثمان لكعشمي ، باحث في السوسيولوجيا

إن إنكار الواقع يؤدي إلى التخلف وإلى هشاشة الصورة التي نرسمها لأنفسنا . ينبغي علينا أن نفسح المجال لفكر يتخلى عن الذاتية الحمقاء ليتمسك بالاختلاف. عبد الكبير الخطيبي

” يعمل تاريخ الفكر والمعارف والفلسفة والأدب ، على إبراز تعدد الفصائل ، وتقصي جميع مظاهر الانفصال ، في الوقت الذي يبقى فيه التاريخ بمعناه الكلاسيكي ، ميالا إلى إغفال الأحداث المباغثة لصالح بنيات لايمكن للإغفال أن يعرف طريقه إليها . ”

ميشال فوكو

    إن العالم العربي ، اليوم ، كما هو الحال بالنسبة للكائن العربي تعدد . كيف يمكن التفكير في عالم متعدد بفكر لامتعدد ؟ إنها المفارقة : مفارقة الفكر العربي ( مع واقعه ) . لا مفر لنا من التفكير في خلق تفكير متعدد لإنسان ( وعالم ) متعدد .

يبدو أن الإنسان العربي ، يعاني من هشاشة ( وتهشيش ) الصورة الذاتية التي يرسمها وينحتها عن نفسه فيها . لكنه غالبا ما يلجأ إلى الهوية ( العربية والإسلامية ) المطابقة للتطابق و الوحدة الكلية : اللاهوتية ، الباطريركية ، و التيوقراطية المفقودة في ذاتها . وما يلازم ذلك من ممارسة عنيفة تجاه الحاضر والمستقبل : تجاه الآخر . كتعبير متوحش عن تلك المعاناة والهشاشة التي ما فتأت تنخر كيان وكينونة ( عربيّة ) عربيّنا .

حيث أصبحنا نقاوم هشاشتنا ميثولوجياً : هشاشة وجودنا وعدمنا ، بميثولوجيا ، بهويتنا المنفجرة في ذاتها : في تعددها . هذا هو حالنا ، حال تعدد سيرورة حيواتنا وموتنا : سيرورة أنطولوجيانا .

إن العالم العربي انفصال . انفصال حيواتنا عن  أحيائنا ، وموتنا عن موتانا . انفصال الحياة في موتها والموت في حياتها . ذلك ما يجب أن يكون عليه الأمر ، أليس كذلك بالفعل ؟

ما العمل ؟ ما دام العربي يتنكر ويتنصل من حقيقة وواقعية هشاشته في المعاصرة ، ويلبسها ( لباس ) جلباب الأصل ، منسوخ الأصالة ، فإنه ( سيظل ) لن يعمل إلا على تعميق وتجذير وترسيخ ( تهشيش ) هشاشته المعنية . هل هناك هشاشة أعمق من هشاشة الإنسان العربي ؟

ما البديل وما الحل ؟ كيف السبيل إلى الانعتاق من وضعنا والحالة هذه ؟

يكون البديل ، أولا وقبل أي شيء آخر ، بالوعي ، الشعور والاعتراف بهذا الوضع : وضع الكيان العربي ؛

على أن يجعل  ، هذا الوعي والشعور والاعتراف ، من التفكيك والخلخلة والحفر والتحلل والتقويض ، أسسا ومقومات لفعله ولممارسته ؛

وهي الممارسة المنوطة ببلورة مشروع فكري متعدد ومنفتح ؛ بلورة فكر استراتيجي حر . منفتحا على فكر الاختلاف : ماركس ، نيتشه ، هايدغر ،بورخيس ، بلانشو ،بارط ، دولوز ، فوكو ، الخطيبي ، بنعبد العالي..انفتاحا وحوارا من شأنه أن يبعث وينفخ شعلة المعاصرة والجدة في حيوات الإنسان العربي : تفكيرا وممارسة .

هذه دعوة وليست دعاية . هي دعوة من حيث كونها تنادي وتصرخ بكل ما تملكه من صوت وقدرة على توسيع الأفق . نعم ، إنها صرخة . صرخة تصرخ : بفتح حوار مع الواقع العربي المتعدد وفكره المنكمش في ذاتيته الحمقاء : ويبقى السؤال الوجودي للعرب  لماذا تقدم الغرب وتخلف العرب ؟ لماذا يا ترى ؟ لأنهم لازالوا يطرحون تكرارا نفس السؤال لأزيد من قرنين . وهو الحوار الذي لن يتحقق بفكر لاهوتي وتيولوجي وميتافيزيقي : يجعل من الهوية وحدة لا تعدد ، كلية لا تشتت ، اتصالا لا انفصالا ، اختلافا لا ائتلافا

لهذا ، ينبغي علينا  وفي أسرع وقت ممكن أن نسارع للعمل بلا هوادة أو تردد على خلق وصناعة استراتيجية أو استراتيجيات مختلفة ، فلسفية وسوسيولوجية في نفس الآن ، يمكنها أن تساهم في إضفاء حياة على حيوات كياننا العربي ، على مستوى الفكر كما في والواقع الملموس .

يتعلق الأمر إذن ، برسم وخطّ ونحت فكر وسوسيولوجيا مغايرين . تماما ، مثلهما في ذلك مثل مغايرة هويتنا الحالية وتعددها ، التي تطفوا على السطح  ، رغم المحاولات العديدة والجبارة في طمسها واغتيال وجدانها ، إلا أنها لاتنفك إلا أن تتبدى في الأفق . فقبل إعمال الفكر في الموضوعات يجب إعمال استراتيجيات تعمل على تفكيك تلك الموضوعات بما تتضمنه من منظومات ومقولات معرفية ، وتفجيرها في فاعلية العلاقات : بين الفاعلين والمنظومات .

فلا بديل للإنسان العربي اليوم على أن يعيد النظر في هشاشته : هشاشة صورته ، وهشاشة المعرفة التي تعبر عنها ، إخفاء أو إظهارا .

إننا لنرى في النقد المزدوج ( بمحاورته ) ، لمفكرنا عبد الكبير الخطيبي ، كاستراتيجية (سوسيولوجية) تفكيكية بالتعريف من ناحية ، وفي فكر الاختلاف عموما ،بمحاورته من ناحية ثانية : آلية لمجاوزة هشاشة أنطولوجيا الإنسان العربي .

ذلك هو السبيل إلى زحزحة وخلخلة المركز : من خلال الهامش . بخلق هوامش جديد ومتعددة ، بخلق فجوات في جوانيته ، ومن ثمة تفجير المركز في الهوامش : هي تحلل وتقويض وتفجير من شأنه أن يخلق هامش جديد : هامش للمركز وللهامش نفسه .

هكذا تغدو ، كل محاولة لإخفاء هشاشتنا إظهار لها . فتصير كل محاولة لحجبها وتسترها  بمثابة محاولة نحو إبرازها وكشفها . وفي هذا السياق كتب عبد السلام بنعبد العالي : ” الإخفاء إظهار : لايعني هذا فحسب أن التحجب هو كيفية من كيفيات الظهور ، وإنما أن كل تحجب هو إبراز وكشف وإظهار” ، ويضيف كاتبنا ، بل إن : ” هذه المسرحة التي تسدل الستار حتى إن رفعته ، وتميط اللثام حتى إن وضعته ، وتلبس الحجاب حتى إن نزعته تطال الكائن في جميع أبعاده ، وهي التي تتحكم في إنتاج المعنى وتحديد الدلالات ”

من أرشيف عثمان لكعشمي:

عبد السلام بنعبد العالي .. كاتب بيدين

(شذرات في) الإنسان المغربي: ماذا يعني أن يكون الإنسان مغربيا؟

 في هشاشة الإنسان العربي (ومعرفته)

شاهد أيضاً

نيتشه ..نحو قراءة منفلتة من سطوة النسق الفهمي

حمزة بلحاج صالح /   مفكر و باحث – الجزائر الإستحواذ الثلاثي على نيتشه في نظر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *