الرئيسية / فكر وفلسفة / مساهمات / فوكو أمام كانط أو بصدد مسألة الأنوار

فوكو أمام كانط أو بصدد مسألة الأنوار

خالد بولعلام – المغرب

“ما الأنوار؟” سؤال كانط  فتح، حسب فوكو، الواقع على الحداثة في الغرب منذ مائتي عام، إنه سؤال يؤكد حق الفيلسوف في التدخل في مجرى أحداث زمنه، إنه سؤال مرتبط ارتباطا شديدا بالآن، يحاول إبراز ما الآن ؟ كيف يمكن فهم  الآن و إعطاؤه معنى ؟ ما الشيء الذي له معنى ويدل على الحاضر ؟

نص الأنوار، في اعتقاد فوكو، يختلف عن كل نصوص كانط السابقة، فهو لا يطرح سؤال الأصل، ولا سؤال الإنجاز، بل يضع بصفة محتشمة، تكاد تكون جانبية، مسألة الغائية الكامنة في التاريخ ذاته([1]) . فالمسألة تبدو لفوكو لأول مرة في نص كانط هذا مسألة الحاضر، أي سؤال الآنية : ماذا يحدث اليوم ؟ ماذا يحدث الآن ؟ ما هو هذا الآن الذي نوجد نحن وغيرنا فيه ؟ ومن الذي يحدد اللحظة التي أكتب فيها ؟

يقول فوكو: “لقد اعتبر هذا النص منذ مدة طويلة، ولازال نصا قاصرا Mineur”  نسبيا، لكنني لا يمكنني منع نفسي من اعتباره مدهشا، وهاما في آن. إذ لأول مرة يقترح فيلسوف كمهمة فلسفية لا تحليل نظام المعرفة العلمية و أسسها الميتافيزيقية فقط، بل تحليل حدث تاريخي، حدث راهن. عندما طرح  كانط  سؤال ما الأنوار ؟ ” سنة 1784م ، فإنه أراد القول : ما الذي يحدث في هذه اللحظة؟ ما الذي يحدث لنا ؟ ما هو هذا العالم، وهذه الحقبة، وهذه اللحظة التي نعيش فيها ؟ “([2]) .

من “هيجل” إلى “هوركهايمر” و “هابرماس”، مرورا “بنيتشه “و “فيبر” لا توجد فلسفة إلا وواجهت بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة نفس السؤال : ما الحدث الذي يسمى بالأنوار؟  يقول كانط : “إنه خروج الإنسان من وضع الحجر الذي هو مسؤول عنه، وهذا الحجر يعني عجز الإنسان عن استعمال عقله دون وصاية غيره “.([3])

يعرف كانط الأنوار بطريقة سلبية، يعرفه ” كخروج “، وسؤاله يهتم بالوضع الحاضر، فهو بحث عن الاختلاف، لا يسعى إلى فهم الحاضر انطلاقا من كلية أو اكتمال مستقبلي، انه سؤال كالآتي : ما هو الشيء المختلف الذي يضيفه الوضع الراهن، بالمقارنة مع ما أتى به الأمس؟ ماذا يجري الآن؟ ما هو هذا الآن الذي نوجد بداخله ؟

الخروج الذي يميز الأنوار، حسب كانط، هو سيرورة تخرجنا من حالة القصور، والقصور حالة معينة لإرادتنا، تسمح لنا بقبول وصاية ما، تعمل على توجيهنا في عدة ميادين. فما هو نوع التغيير الذي يحدد الانوار ؟

الأنوار بصفة عامة تتحدد بتغيير العلاقة الموجودة سلفا بين الإرادة والسلطة، واستخدام العقل، هذا الاستخدام يؤدي حتما إلى خروج الإنسان من حالة القصور، والتي ترجع إليه بالذات. فعلى أية صورة يقدم كانط هذا الخرور؟ هذا الخروج ينظر إليه فوكو، أنه قدم من طرف كانط بصورة مبهمة. كيف ذلك؟ يقدم كانط هذا الخروج، مرة كحدث، كسيرورة سارية الحدوث، ومرة أخرى كمهمة يجب القيام بها، فمنذ البداية يشير  الى أن حالة القصور التي يعيشها الفرد، هو نفسه المسؤول عنها، وهكذا فالخروج من هاته الحالة لن يتم إلا بتغيير يحدثه الفرد بنفسه على نفسه.

إن للأنوار عند كانط شعارا تعرف به، غير أن الشعار- حسب فوكو – هو سمة مميزة نعرف بها، كما أنه تعليمات نعطيها لأنفسنا، ونقترحها على الآخرين( [4]). فما هي هذه التعليمات؟ إنها تتلخص في العبارة التالية: “لتجرأعلى المعرفة، ولتكن لديك الشجاعة على إعمال عقلك الخاص. ذاك شعار الأنوار”.( [5]),

إن نص كانط، في رأي فوكو، يصف الأنوار كلحظة تسعى فيها الإنسانية إلى استعمال فكرها الخاص دون الخضوع لأي سيطرة، فما المقصود ب “الإنسانية” في نص كانط ؟ في مقال كانط هناك ، حسب فوكو، صعوبة متعلقة باستعمال كلمة “الإنسانية”، وهي كلمة لها أهمية في التصور الكانطي للتاريخ، فهل يجب فهم أن مجموع النوع البشري هو المقصود في حدث الأنوار؟ في هاته الحالة تصير الأنوار تغيرا تاريخيا يمس الوجود السياسي والاجتماعي لجميع البشر على وجه الأرض([6]). أم  أن الامر متعلق بتغيير يمس ما يكون إنسانية الكائن البشري؟ و بالتالي يطرح السؤال لمعرفة هذا التغيير؟ وهنا أيضا، في نظر فوكو، يبدو جواب كانط غامضا، إذ يبدو جوابا معقدا رغم ما يبدو عليه من بساطة ( [7]).

إن لحظة الخضوع والسيطرة هي التي يكون فيها النقد ضروريا، ذلك أن النقد هو تحديد شروط استعمال العقل المشروع، فكأن النقد –كما يصرح بذلك فوكو-بمثابة مذكرات يومية، مكتوبة لعقل أصبح خارج وضعية القصور في عصر الأنوار، وعكس ذلك أصبحت الأنوار هي عصر النقد.

الجديد، وهو الهام ، هو الآني الذي ليس ما نحن عليه، بل بالأحرى ما نصيره، أي الآخر، الصيرورة- آخر(…).وعندما يعجب فوكو بكانط، فلأنه طرح مشكلة الفلسفة لا في علاقتها مع الأبدي، بل في علاقتها مع الآن، وعليه فإن فوكو يريد القول بأن موضوع الفلسفة ليس تأمل الأبدي، ولا تأمل التاريخ، بل تشخيص صيرورتنا الآنية( [8]). فمحاولة كانط لتحديد موقع للفلسفة داخل حاضرها هو السمة التي يراها فوكو مميزة للأنوار.

إن مهمة النص الكانطي تجلت بشكل أساسي في انجاز مشروعه، المتمثل أساسا في بلوغ عصر الإنسانية، أي الرشد وجواب كانط عن سؤال ” ما الأنوار؟” عموما، هو في رأي فوكو أصل انطولوجيا الآني التي تؤول إلى “هوركهايمر” ، و “أدرنو”، مؤسسي مدرسة “فرانكفورت” مرورا بهيجل، نيتشه، وماكس فيبر. إنه سؤال متعلق بالعالم والحقبة، واللحظة المحددة التي فيها نعيش. إذ يرى فوكو أن الحاضر بالنسبة لكانط ليس عصرا من عصور العالم، ننتمي إليه، بل حدثا نستشف علاماته، إنه الحاضر كمخرج( [9]).

يعيد فوكو صياغة سؤال كانط وطرحه بطريقة مغايرة: من نحن؟ من نحن كمستنيرين، كشهود على عصر الأنوار؟ وإذا ما قارنا هذا السؤال بالذي طرحه ديكارت: “من أنا “؟ أنا باعتباري ذاتا متميزة، ولكن كونية، و لا تاريخية. فديكارت طرح سؤال “من أنا؟ ” لأنه يعتبر نفسه هو كل الناس في كل زمان ومكان، لكن الجديد في سؤال كانط؟

إنه سؤال مغاير في استراتيجيته، وأبعاده، لأنه آني، وتاريخي متعلق بمعرفة: من نحن في هذه اللحظة التاريخية المحددة؟ انه تحليل للنحن والآنية. فمقال” ما الأنوار؟ أحدث قطيعة مفاهيمية، إذ يقترح تمفصلا غير مسبوق بين طرفي التعارض بين ما هو عام، وما هو خاص، عبر خلق نوع من التماهي بين ” الإستعمال العمومي للعقل ” من جهة، و “استعماله الخاص” من جهة أخرى.

إن كانط يضع فرقا بين استعمالين للعقل: استعمال عمومي، يجب أن يكون العقل فيه حرا، وإلى جانبه هناك استعمال خاص: يكون العقل فيه خاضعا، الأمر الذي يخالف تماما ما يسمى بحرية الرأي. يقول فوكو: “إننا لانفهم جيدا أن الاستعمال الكوني للعقل هو مسألة تخص الذات نفسها كفرد، كما نعلم أيضا أن حرية هذا الإستعمال يمكن أن تكون مضمونة بطريقة سلبية تماما، نظرا لعدم وجود أي متابعة ضدها. لكن كيف نضمن الاستعمال العمومي لهذا العقل؟”(10).

إن فوكو لا يفهم الأنوار كحدث عام يمس البشرية جمعاء، أي فقط كضرورة مفروضة على الأفراد. إنها تظهر، في نظره، الآن كمسألة سياسية. يقول G. Leblanc: “إن راهنية الأنوار تكمن في الانتقال من درجة القصور الى درجة من التطور، والكائن البشري يصبح ذاتا سياسية عندما يخرج من حالة القصور، التي يكون هو المسؤول عنها.” (“[10]). هذه المرحلة، حسب ” Leblanc” تشكل الشكل السياسي “politique” لتأسيس الذاتية إضافة إلى الشكل الأخلاقي “Ethique”، والجمالي”esthetique”.ان التفكير في الآن، كاختلاف داخل التاريخ وكدافع نحو مهمة فلسفية خاصة هو الجديد الذي يحمله، حسب فوكو، نص كانط.

يقول فوكو: ” بعودتي إلى كانط، كنت أتساءل، لماذا لا يمكن أن نعتبر الحداثة كموقف، عوض اعتبارها حقبة من حقب التاريخ ؟” ([11]). فماذا يعني فوكو بالموقف؟. يواصل قوله: أعني بالموقف، شكلا مع ما يحدث في الوضع الراهن، واختيارا واعيا يقوم به البعض، وأخيرا نمطا من التفكير، والإحساس، وطريقة في السلوك، والاستجابة التي تدل على انتماء معين، وتظهر كمهمة يجب فعلها. أو بعبارة أخرى، ما كان الإغريق يطلقون عليه “Ethos” (الطابع). هكذا، وعوض أن نعزل حقبة الحداثة، عن الحقب التي تسبقها أو تليها، أظن أنه يجدر بنا أن نبحث كيف أن موقف الحداثة، منذ نشأته، قد وجد نفسه في مواجهة المواقف المضادة للحداثة. ([12])

أراد فوكو ان يلح، داخل الانوار، على عمق نمط التساؤل الفلسفي الذي ربط في نفس الوقت، وداخل علاقة إشكالية كلا من العلاقة مع الحاضر، ونمط الوجود التاريخي، ثم بناء الذات ككائن مستقل. ومن جهة أخرى أراد فوكو أن يسجل أن ما يجمعنا بالأنوار ليس الوفاء لمبادئه، بل إعادة التنشيط المستمر لموقف ما، أي لطابع فلسفي يمكن اعتباره نقدا لوجودنا التاريخي.

سؤال الأنوار إذن سؤال الآنية. إنه سؤال حدد طريقة معينة للتفلسف، تأسست وطبعت القرنين الأخيرين. هكذا أصبحت ضرورة التساؤل الدائم حول الحاضر الخاص من مهمة الفلسفة.

إن الهدف الرئيس اليوم للفلسفة دون شك، لا يكمن في اكتشاف ما نحن عليه، بل رفضه. إذ يتوجب علينا تخيل وبناء ما يمكن أن نكونه، من أجل التخلص من هذا النوع من “الاكراه المزدوج”: السياسي، الذي هو الفردنة والتجميع المتزامنين لبنيات السلطة المعاصرة([13]).

من أرشيف خالد بولعلام:

قيمة الدرس الإبستمولوجي

الدلالة الإبستمولوجية للحظة الديكارتية

فوكو أمام كانط أو بصدد مسألة الأنوار

هوامش

1-ميشال فوكو، “كانط والثورة “، ترجمة يوسف الصديق، مجلة الكرمل، العدد12/1984 نص66

2-مصطفى الحسناوي، فوكو والسياسة ، الطبعة الاولى 2003 ، منشورات مجلة اختلاف ، ص38

3-إيمانويل كانط ، ما التنوير ؟ ترجمة مصطفى العريصة ، مجلة مقدمات ، عدد31 خريف 2004 ،ص10

4- المرجع نفسه، ص137

5-المرجع نفسه ص10.

6- فوكو ” ما الانوار؟”، ترجمة وتعليق حميد طاس، مجلة فكر ونقد، يناير 1998،ص137

7-المرجع نفسه، ص137

8-مصطفى الحسناوي،فوكو والسياسة ، الطبعة الأولى 2003، مجلة اختلاف،ص20.

9-نفس المرجع السابق،ص39

10- فوكو ” ما الانوار”، ترجمة و تعليق حميد طاس ، مجلة فكر ونقد، العدد 5 ، يناير 1998، ص139 .

11- فوكو ” ما الانوار”، ترجمة و تعليق حميد طاس ، مجلة فكر ونقد، العدد 5 ، يناير 1998، ص149 .

12-  المرجع نفسه، ص140

13- نفس المرجع،ص140

14-مصطفى الحسناوي ، فوكو و السياسة، ص41

 

شاهد أيضاً

قواعد المنهج السوسيولوجي عند إميل دوركهايم

جيهان نجيب: باحثة في الفلسفة ولد عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كهايم في 1 أبريل …

تعليق واحد

  1. مقال هادف و يتميز بروح النقد الفلسفي،لكن لنطرح سؤال على لحظتنا الانية التي نعيشها الان،والسؤال كالتالي :
    ما لحظتنا الان ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *