الرئيسية / منتخبات / عامة / ترنســــنــدنتــاليــة الفـكـر الــيونــانــي

ترنســــنــدنتــاليــة الفـكـر الــيونــانــي

السهلـــــي إبراهيــــــــم – المغرب

قليل من المشتغلين بالفكر الفلسفي الذين يسألون لماذا يعاود الفلاسفة أرض اليونان؟ إن سؤال العودة إلى اليونان يصادف كل من ألقى نظرة بانورامية على تاريخ الفلسفة،فيظهر للمتمعن الجيد وجود حوار ضمني بين الفلاسفة قبل التأسيس لخطاب فلسفي جديد، مما يجعلنا نسأل بجدية: ما الغاية من العودة إلى أرض اليونان؟ أعتقد جازما أن معظم الفلاسفة يجعلون منطلقهم الرئيسي في بناء فلسفتهم هو العودة إلى أرض اليونان التي يجدون فيها المرتكز الصريح في بناء فلسفتهم، لذلك تثار لديهم ضرورة معاودة الوعي النظري اليوناني كمحاولة رصينة لبناء فلسفة جديدة،وهو ما يؤكد صمود المعجزة اليونانية في الفكر الإنساني وعدم قدرة الفلاسفة منهم المعاصرين على تجاوز الأرضية اليونانية التي رسمها أفلاطون وأرسطو، وقبلهم الأيونيون والفيتاغورين والذريون. ورغم محاولة البعض الابتعاد عن الإرث الفلسفي اليوناني إلا أننا نجدهم يسيرون على أرصفة الفكر اليوناني في فلسفتهم، مما يؤكد حتمية العودة إلى اليونان .

إن حضور الفكر النظري اليوناني والعودة إليه جعلته يحظى باحترام كبير داخل تاريخ الفلسفة، خاصة مع الدارسين الألمان الذين مجدوا هذا الفكر وعبروا عن احترامهم له حين سماه هيغلpensé total وسماه هايدجر:  pense sérieux                                          إن اعتراف الفلاسفة بعظمة الفكر اليوناني هو محالة للعودة إلى اليونان، والعودة إلى اليونان هو إيمان واعتراف  بالمعجزة اليونانية، إنها رغبة في إقامة حوار فلسفي مع الفكر النظري اليوناني الذي يعتبر الإشراقات الأولى للفكر الإنساني، فمع اليونان أثير سؤال الإنسان، سواء في شقه المعرفي أو الأنطولوجي، وحتى القيمي، وبالتالي ليست المقاربات الفلسفية الحديثة أو المعاصرة إلا حوارا تاريخيا مع الإغريق؛ لأن سؤال الإنسان اكتمل نضجه في أرض أثينا، لأنهم هم من احترفوا طرح السؤال، فمن طاليس وانكسامانيس وانكسندراس وهيراقليطس وبارمينيدس، وصولا إلى سقراط، فهؤلاء هم من وضعوا اللبنات الأولى للأنساق المعرفية التي شيدت بعدهم، لذلك فجوهر خطاب الأوائل نجده حاضرا في معظم الخطابات الفكرية الحديثة أو المعاصرة .

إن سؤال العودة إلى اليونان يصادف كل مهتم بالفكر الفلسفي، فأهمية الإرث الإغريقي بالنسبة للدارسين يجعلهم يقيمون حوارا مع المفكرين الأوائل من الإغريق، لذلك فمعظم خطاباتهم أصولها المرجعية الحضارة الإغريقية، فقد تمثلت المعاودة مند فجر النهضة الأوربية في ميدان العلوم خاصة في مجال الفيزياء والفلك، كان لا بد لهم من معاودة الإرث اليوناني القديم، فهم لم يستطيعوا الخروج عن الإرث اليوناني أو القطع مع أثينا، فقد شكلت قوانين كبلر في الفلك ثورة فلكية وضع أسسها الأولى فلاسفة اليونان، وهي قوانين تشكل دعما قويا للمبادئ الرياضية الرئيسية الفيتاغورية،  نفس الشيء نقوله عن ديناميكا غاليلي الذي أعطى نظرة جديدة للديناميكا، فرغم أنها تمثل خروجا جذريا عن المذهب الأرسطي إلا أنه لم يؤسس نظريته الجديدة في الديناميكا دون المعاودة إلى أثينا  [رغم أنه دفع الثمن عن ذلك،لأنها قادته إلى محاكم التفتيش ]، الأمر نفسه تجسد مع إسحاق نيوتن؛ أثناء وضعه لنظرية الديناميكا، فقد حدد قوانين الحركة على طريقة اليونان تفسيرا استنباطيا للديناميكا، وهو ما يعني أن نيوتن أثناء تشييد نسقه الفيزيائي عاود أرض اليونان، كما الحال مع فرانسيس بيكن في تأسيسه للمعرفة العلمية، في عرض قدمه حول المنهج العلمي وتصوره للطريقة الجديدة للبحث العلمي ، كأداة جديدة للكشف، وعنون بحثه بالأرجانون الجديد، معتقدا أنه سيحل محل الأرجانون القديم الذي وضع أسسه أرسطو، لكن تأسيس الأرغانون الجديد فرض على فرانسيس بيكن معاودة أثينا وتشييد حوار منطقي انتهى به إلى عدم تجاوز منطق أرسطو على الإطلاق.

إذا كان عصر النهضة شجع الباحثين على الاهتمام بمسألة الرياضيات، فطرحت بحدة إشكالية المنهج، فإن ذلك امتزج عند ديكارت فأوحى بفلسفة جديدة، على طريقة القدامى، فلقب بأب الفلسفة الحديثة، لقد دشن ديكارت نسقه الفلسفي بتعريف مفهوم الفلسفة، فشبه الفلسفة بمثابة شجرة فروعها الميتافيزيقا وجدعها الطبيعيات والأغصان التي تتفرع منها باقي العلوم التي يمكن إجمالها في الطب والميكانيكا والأخلاق. إن السمة الأساسية للفلسفة الديكارتية هي فلسفة شكية، أخذت من الشك المنهجي نقطة البداية للبحث عن اليقين والحقيقة، وبذلك فهو أعاد ترتيب جميع الحقائق فتوصل إلى حقيقة يقينية هي كونه ذاتا مفكرة، وبما أنه يفكر فهو موجود ومتى انقطع عن التفكير انقطع عن الوجود.

يعتبر تأسيس ديكارت للكوجيطو كمسطح فلسفي جديد على مستوى عصره لم يؤسسه [ديكارت] بمعزل عن الفلسفات التي سبقته، فقد أقام ديكارت جسرا حواريا مع الفلسفات السابقة، وتحتم عليه معاودة أرض اليونان بجدلها وأيقوناتها وخطاباتها، خاصة البناء النسقي الأفلاطوني لمسألة الوجود أو الميتافيزيقا . هنا أستطيع القول إن ديكارت لم يؤسس خطابه الفلسفي بمعزل عن الإرث اليوناني، فإذا أخدنا كلام أرسطو لا علم إلا بما هو كلي، فديكارت يمارس المكر داخل تاريخ الفلسفة، لذلك فقواعد المنهج التي وضعها ديكارت من أجل إحكام العقل من أجل بلوغ اليقين ليست إلا امتدادا لطموح ميتودولوجي تم طرحه في أرض اليونان سلفا، وتظهر المعاودة بشكل جلي في الفكر الديكارتي في مسألتي الفكر والمادة، والتي هي نظرة تقليدية لمشكلة الجوهر، فالجوهر حامل الصفات وهو مستقل بنفسه، فالجوهرين في نظر ديكارت لا يتفاعلان؛ لأن كلا منهما مكتف بذاته، ومن أجل هدم الهوة بينها ظهرت فكرة المناسبة، لذلك من الممكن النظر إلى كل عقل على أنه جوهر، إنه جسر آخر من المعاودة التي طرحها ديكارت في تاريخ الفلسفة، وهو نفس الدهليز الذي سار فيه ليبنيز فيما بعد، ووضع نظريات الذرات الروحية التي تنطوي على عدد لا نهاية له من الجواهر،كل منهما مستقل بذاته، لكن بينهما انسجام بلغة ليبنيز .

إذا كان الفلاسفة العقلانيون قد ربطوا حوار مباشر أو ضمنيا بأرض اليونان، وتمت المعاودة إلى الإرث اليوناني في جل خطاباتهم الفلسفية، فإن تاريخ الفلسفة يسجل معاودة رواد الفلسفة التجريبية إلى أرض اليونان، وزيارة حقولها المعرفية وتمخض عن ذلك ولادة نظرية فلسفية جديدة في المعرفة؛ لها ارتباط وثيق بالفلسفات السابقة، إنها معاودة لأصول المعرفة، إنها نظرية جون لوك في المعرفة ، وأول خطوات جون لوك في تشييد نظرية المعرفة هي رفضه للتصور الذي نادى به العقلانيون، ودعا إلى بناء المعرفة على أساس التجربة وحدها، مما يعني رفض الأنا الفطرية الذي نادى بها ديكارت وليبنيز، رغم أن جميع الأطراف يؤمنون بأن لدينا نوعا من الاستعداد قابل للنمو، ويتيح لنا تعلم عدد من الأشياء، لذلك كان جوهر المعرفة عند لوك فطريا في الإنسان،ما عليه إلا نحت هذه المعرفة عن طريق التجربة، وهذا ما تقول به نظرية التذكر في محاورة مينون، لذلك يمكن القول: إذا كان ديكارت مارس المكر داخل تاريخ الفلسفة، فإن لوك مارس الخداع، فهو لم يستطع تجاوز الإرث السابق الذي رسمته الأرض اليونانية، فقول جون لوك بأن الذهن لا يوجد فيه شيء ما لم يكن قد أتى عن طريق الحواس؛ هو في الحقيقة تعبير مدرسي قديم، ونفس الشيء في القول بأن المرء يعرف شيئا ما ينطوي في نظر جون لوك على أن المرء لديه يقين ما، وفي هذه المسألة لم يفعل جون لوك شيئا سوى مسايرة تراث العقلانيين، فلفظ يعرف يرجع إلى أفلاطون وسقراط[1] ، لذلك يمكن القول بأن لوك عاود أرض اليونان أثناء تشييده نسقه المعرفي،فرغم محاولته تجاوز الأرضية اليونانية إلا أنه ظل يسير بين أرصفتها غير قادر على تأسيس خطاب فلسفي إنجليزي بعيد عن المعجزة الإغريقية، فإذا كان جون لوك ودافييد هيوم وبركلي قد شيدوا خطابا فلسفيا إنجليزيا في إنجلترا؛ فعاودوا أثينا من خلال محاورة رموزها التاريخية،وإحداث مجابهة فكرية بين مدرستين مختلفتين، إحداهما آمنت بالعقل والأخرى طرحت التجربة بديلا للطرف الأول، لكن المدرسة الألمانية مع إمانويل كانط جاءت إجابة عن إشكالية الصراع الفكري بين مدرستين مختلفتين، لذلك عمل على إحداث ثورة كوبيرنيكية في الفلسفة، فشيد نسقا فلسفيا كبيرا لا زال الكثيرون يعتبرونه من بين أعظم الأبنية الفكرية التي شيدها العقل البشري،لكن ما يهمنا هو تتبع المسار الفكري لكانط والوقوف على لحظات المعاودة إلى أثينا.

إذا صدقنا القول بالوصف الذي وصفت به الفلسفة الكانطية في تاريخ الفلسفة كونها فلسفة تأليفية توفيقية، فبديهي جدا التصديق بالقول إن كانط في تأسيسه لخطابه الفلسفي عاود أثينا؛ مادام أنه شيد نسقه الفلسفي نقدا تأليفيا للصراع الفكري بين المدرسة العقلانية ونظيرتها التجريبية، فاقترح موقفا يجمع بين قدرات العقل ومعطيات التجربة،أي بين المعرفة العقلية القبلية والمعرفة التجريبية البعدية، إلا أن التجربة ليست إلا مجرد وسيلة يتم بموجبها الحكم على المبادئ العقلية القبلية، ذلك أن بلوغ الأحكام الكونية يحتاج إلى تفكير عقلي مستفيد من التجربة.

إن رصد المعاودة في الفلسفة الكانطية لأصول الفكر الإنساني تفرض علينا استنطاق النسق الفلسفي الكانطي والوقوف على لحظات العودة وأشكال الحوار التي أقامها كانط مع فلاسفة اليونان، من المعروف أن كانط أسس نسقا فلسفيا منتقدا الفلسفات السابقة عليه زمنيا [الفلسفة العقلانية والتجريبية] والخروج بموقف تأليفي توفيقي بين التيارات المتناقضة بينها، تجسد في قول كانط: “المفاهيم العقلية بدون حدوس حسية تظل عمياء، والحدوس الحسية بدون مفاهيم عقلية تظل جوفاء”،وبذلك أقامت الفلسفة الكانطية توازنا بين الموقف المتطرف للتجريبية الإنجليزية من جهة والمبادئ الفطرية للعقل التي قال بها المذهب العقلاني الديكارتي، لذلك فالمشروع النقدي الكانطي ارتكز على ثلاث أسئلة كبرى: ماذا يمكنني أن أعرف؟ ماذا يمكنني أن أعمل؟ ما هو الإنسان؟

صحيح أن ما يهمنا هو رصد معاودة كانط إلى أثينا،لذلك سنحاول رصد المعاودة بداية في نظرية المعرفة عند كانط،فهو لم يبدأ في تشييد نظريته في المعرفة انطلاقا من الشك المطلق كما ذهب ديكارت، أو التجربة وحدها كما اعتقد جون لوك، بل اعتبر أن هناك مصدرين للمعرفة البشرية هما الحساسية والفهم، فالحساسية تمدنا بالموضوعات،  في حين يعمل الفهم على تعقل تلك الموضوعات، والحساسية تتكون في نظر كانط من صورتين أوليين هما الزمان والمكان، فلا نستطيع إدراك الأشياء إلا وهي متحيزة في المكان ومتعاقبة في الزمان، فالمكان هو صورة الحس الخارجي، في حين الزمان هو صورة الحس الباطني، فالزمان والمكان مفهومان خالصان قبليان ينتميان إلى الحدس الخالص للعالمين الداخلي والخارجي.إن كانط أطلق اسم المقولات على مبادئ العقل، وهو تعبير نحته قبله أرسطو، لكن كانط أطلقه على المبادئ العامة للعقل التي يضيفها الذهن من عنده من أجل تشكل التجربة في صورة معرفة، وبالتالي يكون كانط في سؤال المعرفة قد عاود أرض اليونان ومحاورته لمنطق القضايا الأرسطي، لا يهمنا هنا الدخول في تفاصيل منطق القضايا وإنما رصد عودة كانط إلى أثينا، وهو ما سنحاول استنطاقه في حديثه عن مسألة الميتافيزيقا. الشيء الذي يقودنا إلى إعادة طرح سؤال هايدجر على كانط: هل استطاع كانط مجاوزة الميتافيزيقا؟ فرغم الثورة الكوبرنيكية التي أحدثها كانط في مجال النقد، على اعتبار عصر كانط كما قال هو: “عصرنا هو عصر العصر الحقيقي للنقد، فلا شيء ينبغي أن ينفلت منه”،  إلا أن كانط في مسألة الميتافيزيقا لم يستطع بنقده تجاوز المعالم الكبرى التي رسمتها الذات الأفلاطونية داخل أروقة الأكاديمية، فرغم نقده لميتافيزيقا ديكارت وتوضيح اللبس الذي سقط فيه ديكارت [الذي عاود بدوره أرض اليونان بمفاهيمها الميتافيزيقية] فإن كانط مارس الخداع رغم أن الفضل يرجع له في محاولاته فصل الميتافيزيقا عن العلم كما قال مشيل مايير، وهو فصل من أجل إعادة تأسيس الميتافيزيقا من جديد.

يقول هايدجر: إن الشمس بنورها هي التي تجعل الأشياء مرئية والعين رائية، وقياسا على ذلك إن أيدي الخير هي التي تمنح الذات العارفة القدرة على المعرفة: “إن كلام هايدجر هذا يعكس ارتباط كانط الوثيق بالإرث اليوناني،خاصة الأفلاطوني في معرض حديثه عن مسألة الأخلاق، على اعتبار أن عالم الأخلاق الأفلاطوني هو عالم الأيديا، عالم المثل، عالم المعقولات، لأن الأيديا في نظر أفلاطون هي التي تمنح للموجود إمكانية وجوده نورا وهاجا. إن الأيديا الأفلاطونية [بالنسبة لهايدجر]هي التي تضمن رؤيا حقيقية للوجود وتجعل الموجود يتراءى، لأن للأيديا طبيعة قبلية، هنا يمكننا القول بأن كانط لم يستطع الخروج عن أروقة  الأكاديمية الأفلاطونية؛ لأنه ظل محكوما بثنائية: عالم معقول / عالم محسوس، فظل سجين أسوار الأكاديمية، بل إنه لم يعمل إلا على تعميق تراث ميتافيزيقا أفلاطون بكامله ، وهو ما قاده إلى محاكمة داخل تاريخ الفلسفة، فوصفت ميتافيزيقا كانط بأن همها تمثل في رد الكليات إلى تصورات وأفكار تحدد لها معنى ما وترتيبها نسقيا طبقا لمبادئ ملكة الفهم، وهو ما جعل هيغل يقول بأن: “هذه الميتافيزيقا لم تكن حرة ولم تكن تفكر تفكيرا موضوعيا بدلا من أن تترك الموضوع يفرض خصائصه بحرية وتلقائية، وتفترض مقدما أنه جاهز ومعد سلفا”، لذلك اعتبر المشروع الكانطي مشروعا لم يبلغ هدفه ولم يستطيع تجاوز الإرث اليوناني القديم، فقد ظل كانط يعاود أرض اليونان استمرار لتأسيس خطابه الفلسفي، بل إن ميتافيزيقا كانط ظلت سجينة أسوار الأكاديمية كما بين ذلك هايدجر في كتابه “كانط ومشكلة الميتافيزيقا”.فكانت أولى المحاكمات التاريخية لفلسفة كانط ذلك الجدل الذي أثاره هيغل لميتافيزيقا كانط، وهو ما يجعلنا نرصد معاودة هيغل لأرض اليونان.

إن سؤال المعاودة عند هيغل هو استنطاق لفلسفة هيغل التي أعطت اهتماما كبيرا للتاريخ والطابع التاريخي لكل نشاط بشري، فاعتمد هيغل على المنهج الجدلي لفهم تطور التاريخ، فالمعاودة عنده تبدأ مند لحظة البحث عن أصول المنهج الجدلي الذي يذكرنا بسعي سقراط لمثال الخير الذي يناظره عند هيغل الفكرة المطلقة، فإذا كان المنهج السقراطي ينتهي بتفنيد الفروض فإن المنهج الهيغيلي ينتهي بالوصول إلى الفكرة المطلقة.

إن تأملا بسيطا للمنهج الجدلي يوحي لنا بمعاودة هيغل لأرض اليونان، فهو مبني على عنصر الصراع بين قوى متعارضة كما هو الحال عند هيراقليطس الذي ذهب إلى القول: إن الحرب أم الأشياء، لذلك فالجدل الهيغيلي يقوم على ثلاث مراحل: القضية والنقيض والمركب،فالقضية والنقيض استمدهما من الجدل اليوناني القديم، وهو ما نجده حاضرا عند بارمينيدس في قصيدته الشهيرة الحقيقة [الطريق الأول طريق الوجود والطريق الثاني طريق اللاوجود  … ]، فعبر الوجود واللاوجود فهو يناقض أطروحة هيراقليطس الثبات، ويطرح التغير، إنه بحث عن الإنسجام بلغة ليبنيتز .

يمكن القول إن الخطاب الفلسفي الهيغيلي ظل حبيس أرض اليونان فلم يستطيع هيغل تجاوز أثينا، بل عاود أرض اليونان باستمرار، وتمكن من بناء خطاب فلسفي سمته الجدل. لقد آمن هيغل بالمعجزة الإغريقية عندما أطلق اسم pense total  على الفكر الإغريقي، وهي نفس التسمية التي أطلقها نيتشه كذلك، فقد شكلت لحظة نيتشه لحظة حاسمة في تاريخ الفلسفة،فقد وصف زمانه بنهاية عصر الأنساق أو كما سماه هايدجر تمام عصر الميتافيزيقا، واعتبر نيتشه آخر الميتافيزيقيين،عموما فللخطاب النتشوي أصوله الإغريقية، فنيتشه عاود أرض اليونان وشرب من الفكر اليوناني، فجاءت أعماله مستوحاة من المثل العليا اليونانية [برتراند راسل] في عصر ما قبل سقراط، خاصة في اسبرطة، فكانت جل كتاباته مشبعة بالفكر الإغريقي بهذا القدر أو ذاك، ففي كتابه ميلاد التراجيديا نجده يعود زمنيا ويحاور رواد التراجيديا اليونانية حينما وضع التمييز بين الحالة الأبولونية والديونيزية للروح اليونانية، وهذا ما جعل نيتشه يصف المأساة الإغريقية بأنها تسام أبولوني على الرغبات الديونيزية العارمة.

إنه وككل مهتم بتاريخ الفكر الفلسفي يجد نفسه لحظة يقف أمام صرح رواد الفكر الوجودي، فكان لابد من مساءلة واستنطاق تجربة هايدجر الفكرية؛لرصد لحظات معاودة هايدجر لأرض اليونان، فمما لا شك فيه أن هايدجريمثل لحظة  مهمة في تاريخ الفلسفة، بل تعتبر أرض اليونان في نظر هايدجر هي أصل ومنبع الفكر الفلسفي، لذلك فالرجوع إلى اليونان هو رجوع كل من يريد أن يفكر في ينبوع بداية الفلسفة،  لذا فالرجوع إلى أثينا أمر لا مفر منه.إن هايدجر في تأسيسه لخطابه الفلسفي شد الرحيل إلى تلك الينابيع الأولى لتأسيس خطاب فلسفي رصين، شأنه في ذلك شأن جيل دولوز أثناء تأسيسه لمفهوم “الفلسفة”.

يقول هايدجر: “إن فجر الفكر يظل معتما من حيث هو إشراقة أولى”،ومفاد كلام هايدجر هذا هو أن خطاب  الأوائل معه ولد الفكر الفلسفي، وخارجه لا يمكن الحديث عن خطاب فلسفي؛ لأنه عند هؤلاء انقشع الفكر الفلسفي،وهو ما جعل  جل الفلاسفة يعاودون أرض اليونان؛ كما هو الحال مع هيغل الذي جعل من هيراقليطس أبا الجدل،ونيتشه الذي جعل من بارمنيدس و هراقليطس فلاسفة عظاما، ويتم قوله : “فيأتي المساء لينكشف الفجر عن حقيقته، فربما لا يأخذ هذا الفكر عمقه إلا إذا نظرنا إليه من خلال المغيب”، فالمغيب عند هايدجر يفيد الظهور، إنه انقشاع لفكر جديد إيليتيا بلغة بارمينيدس، إنه نضج واكتمال لحقيقة ظهرت مع سقراط، إنه الفكر الفلسفي الذي اكتمل الوجود مع سقراط، إن سقراط لحظة مهمة في نظر هايدجر، اكتمل سؤال الوجود وتمركز في زاوية الإنسان، لذا رفض هايدجر كل أشكال الوجود السابقة على سقراط، خاصة الوجود السفسطائي؛ باعتبار الأرض السفسطائية هي أرض لتدييت المتعالي، وهو ما فعله تلميذه أفلاطون عندما سما بسؤال الوجود إلى عالم المثل، وفيها بنا أفلاطون نسقه الفلسفي، وبلغة غارقة في التجريد، جعل جاك دريدا يقول: “إنه سما بالفكر الفلسفي إلى حقب لاهوتية”.

إن لحظة أفلاطون في نظر هايدجر هي لحظة مهمة في تاريخ الفلسفة، تحول فيها الفكر إلى فلسفة أو إلى ميتافيزيقا سيعمر مفعولها طويلا، فقد جاد به القول: “إنه بتأويل أفلاطون للوجود باعتباره أيديا كانت البداية الفعلية للميتافيزيقا” [ neitzsh 2 p15]. لقد شكلت هذه اللحظة بالنسبة لهايدجر لحظة نضج الفكر اليوناني، فتجربة أفلاطون الفكرية حصرت الوجود في مختلف أنواع الأيديا فأسس معها نظرية المثل، ومعها قام التأويل الأفلاطوني للوجود باعتباره أيديا أو أيدوس.

إن معاودة هايدجر إلى أرض اليونان ووقوفه على تجربة أفلاطون له ما يبرره، فأفلاطون في نظره يمثل تاريخ الميتافيزيقا، إنه لحظة تحول في ماهية الإنسان وماهية الفكر والحقيقة، وهي لحظة مورس تأثيرها على كل مشتغل بالفكر الفلسفي حتى مجيء نيتشه الذي أعلن عن مشروع قلب الأفلاطونية وتجاوزها، لأن مع أفلاطون تم تدشين بداية نسيان الوجود ونهاية تجربة فكر الوجود مع بارمينيدس و هيراقليطس، إن أفلاطون في نظر هايدجر بطل ستتشكل معه أول صورة لتاريخ الغرب.

من أرشيف إبراهيم السهلي:

قراءة أذهان الآخرين وسؤال المعرفة الاجتماعية     

ترنســــنــدنتــاليــة الفـكـر الــيونــانــي

حفل توقيع “خلق اضطراري” بمناسبة اليوم العالمي للكتاب

 

  • المراجع :
  • محمد الطواع :هيدجر والميتافيزيقا ـ مقاربة تربة التأويل التقني للفكر ـ أفريقيا الشرق
  • محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح : التقنية الحقيقة الوجودـ المركز الثقافي العربي
  • نيتشه و الفلسفة ـ ترجمة أسامة الحاج
  • برتراند راسل ـ حكمة الغرب ، الجزء الثاني ترجمة فؤاد زكريا

[1] [ حكمة الغرب الجزء الثاني ]

شاهد أيضاً

التّفكير بالجسد

سعيد ناشيد ثمة انطباع واسع الأثر وبالغ الضرر، مفاده أن قُدرة المرء على التفكير لا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *