الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / حوارات الفلسفة بصيغة المؤنث: خديجة زتيلي

حوارات الفلسفة بصيغة المؤنث: خديجة زتيلي

 

1-من هي خديجة زتيلي؟

   كاتبة وأكاديمية جزائريّة تُدرّس بقسم الفلسفة جامعة الجزائر، حاصلة على شهادة دكتوراه دولة في الفلسفة عام 2005 في تخصّص ”فلسفة التاريخ” من نفس الجامعة. شاركتْ في العديد من الملتقيات والمؤتمرات الوطنيّة والدوليّة ممّا أتاح لها الفرصة للاحتكاك بتجارب فكريّة هامّة في الوطن العربي وفي بلاد الغرب أيضاً. تشتغلُ في الوقت الحالي على مجموعة من النصوص الفكريّة والفلسفيّة، وتولي اهتماما بالفلسفة السياسيّة بشكل عام وبمرحلتها الهيلينيّة بشكل خاصّ، كما تتعاطى مع منجزات الفلسفة الغربيّة الحديثة والمعاصرة في بعض حقولها الهامّة المرتبطة بالحداثة والتنوير والعولمة والأمركة والديمقراطيّة وبفلسفة القيّم ونقد الحضارة الحديثة، ومن القضايا التي تبحث فيها باهتمام متزايد علاوة عن ذلك، مسألة نقد الخطاب الذكوري المُهَيمن في مجتمعاتنا العربيّة الاسلاميّة من خلال استدعاء منظومتنا الثقافية والفكريّة وتراثنا الدينيّ واستنطاقه في سبيل تصحيح مسار هذا الخطاب الذي ظلّ عُنصريا ومُنحازا وإقْصائيّا، وبُغية انفتاحه على أفق إنساني حداثي وتنويري. وهناك عمل يتمّ تجهيزه في هذا المضمون سيرى النور على المدى المنظور، وبعض الأعمال الأخرى التي هي قيد البحث، وهي تجتهد قدر المستطاع لكي تعرف مخطوطاتها، التي تعمل عليها في الوقت الحالي، طريقها إلى الطبع والنشر لاحقاً. وتهتمّ راهنا فضلا عن ذلك كلّه بالنشر الالكتروني للمشاركة في نقاش قضايا الفكر الفلسفي والنقدي الحديث والمعاصر، فمن الضرورة بمكان التكيّف مع العصر الجديد وتحدّياته الكبرى، ذلك أنّ الثورة الإعلاميّة والتقنيّة المهولة ووسائط الاتّصال الجديدة جعلتْ العالم قرية صغيرة وسهّلتْ من تواصل الناس فيما بينهم بسرعة فائقة، ولذلك لا مناص من مواكبة هذه التحديات الكبرى وواقع الشبكة الرقميّة من أجل الانخراط بشكل فعلي في مواطنة عالميّة. فالكتابة لصحف ومواقع إلكترونيّة من شأنه أن يوصل المرء إلى جمهور واسع من الكتاب والنقاد والمفكّرين في جغرافيات مختلفة، ويقلّص من المسافات بين الكاتب والمتلقي، وهو الأمر الذي يدفع خديجة زتيلي في كلّ مرّة إلى تعزيز المساهمة في هذا النقاش الحضاري الذي يُجادل في القضايا التي تمسّ البشر اليوم في كلّ بقاع الدنيا، والالتفات – بطبيعة الحال – إلى الإنسان العربيّ وموقعه الراهن في الخارطة الجديدة للعالم.

2-كيف ولجتِ باب الفلسفة والدراسة الفلسفية؟

في مرحلة الثانويّة توقّع الأصدقاء وعائلتي وأساتذتي توجّهي لدراسة الأدب في الجامعة بالنظر إلى بلائي الحسن في المادّة واستناداً إلى الدرجات العلميّة التي كنتُ أتحصل عليها وكذلك لاستمتاعي بحفظ الكثير من القصائد الشعريّة من مختلف العصور، كانت خارج إطار البرنامج الدراسي وكنت أستقيها من بعض مُجلّدات الشعر التي كانت موجودة في مكتبة بيتنا المتواضعة. ولكن قلبي وعقلي أصبحا بعد ذلك معلّقين أكثر بمادة الفلسفة التي اكتشفتها بدهشة وبفرح كبيرين في السنة الأخيرة من التعليم الثانوي، ومن يومها وُلد شغف كبير نحو هذه المادّة لم يعرف من يومها أيّ فتور أو تراجع إلى الوراء. وهذا لا يعني البتّة قطع الوصال مع الأدب والمعارف الانسانيّة الأخرى، فقد يكون من بين العوامل التي جعلتني ألج باب الفلسفة هو إيماني العميق بضرورة التعاطي مع جميع الحقول المعرفيّة والإنسانيّة والتمكن من أبجدياتها الأولى، والفلسفة هي من يلبّي هذا المطلب، أليست هي أمّ العلوم كما حفظناه عن ظهر قلب؟ واليوم أجدُ عزائي لتكريس فكرة التكامل بين المعارف والعلوم في ”نظريّة التعقيد” التي يقترحها الفيلسوف الفرنسي المعاصر إدغار موران في مؤلفاته، فبعد أن هيمنت أساليب الحضارة الماديّة الحديثة على حياة الناس وطغى هاجس الربح عليها، وتعرّضت إنسانية الإنسان إلى أزمات أخلاقيّة وتحوّل الأفراد بفعل العولمة إلى أرقام وأشياء وحسب- على حدّ تعبيره- أصبح من الأهميّة بمكان استعادة التوازن المفقود، وذلك لا يتأتّى من دون أن نُعَلّم ”معرفة المعرفة” التي هي دائما ترجمة وإعادة بناء. ولعلّ الفلسفة بمقدورها اليوم أن تستعيد ذلك التوازن المفقود بين مختلف العلوم والمعارف في عصر العولمة وتغوّل التقنيّة.

3-ما هي اسهاماتكِ في هذا المجال؟

أوّل كتبي صدر في عام 2007 ويحمل عنوان: بندتو كروتشه والنزعة التاريخيّة المطلقة، ولكنّ تلك الطبعة لم أكن راضية عنها فقد انتبهتُ لوجود بعض الهفوات والأخطاء المطبعيّة فيها، وبعد مرور السنوات شرعتُ من جديد في تنقيح هذا العمل، وذلك بتخليصه أوّلاً من الرطانة الأكاديمية وتدقيقه لغويّا وإدراج بعض المصطلحات الجديدة في متنه ذات الصلة الوثيقة بالمضامين، كما تمّ حذف فقرات وإضافة فقرات جديدة له، ولم يغب عني إعادة توضيح بعض المفاهيم التي رأيتُ أنّها قد لا تكون واضحة بالشكل الذي وردتْ عليه في الطبعة الأولى. وقد صدرتْ الطبعة الثانية من هذا الكتاب في عام 2016، باحتوائها على عنوان ثانوي توضيحي لم يكن واردا في طبعته الأولى، وصدر الكتاب بعنوان: بندتو كروتشه والنزعة التاريخيّة المطلقة: من الوعي بأهميّة التاريخ إلى الإقرار بسلطته. أما الكتاب الثاني الذي صدر لي فيوسم بــ أفلاطون: السياسة، المعرفة، المرأة في عام 2011، وهو حصيلة البحث في أفلاطون ومسوّغاته التي يسوقها للإعلاء من الذكورة والحطّ من الأنوثة. وصدر بعده كتاب سؤال الحداثة والتنوير بين الفكر الغربي والفكر العربي في عام 2013، وهو حصيلة جهد جماعي اشتركت فيه مجموعة من الباحثات الجزائريات وقد قمتُ بالإشراف عليه وكتابة مقدّمته، أعقبتهُ بعد ذلك بعملين جماعيين آخرين هما الفلسفة السياسيّة المعاصرة: قضايا وإشكاليات في عام 2014، والأخلاقيات التطبيقيّة: جدل القيم والسياقات الراهنة للعلم عام 2015. ثم يأتي بعد ذلك إشرافي على الكتاب الجماعي الدرس الفلسفي في الجزائر: التحديات والآفاق وهو حصيلة أعمال مؤتمر الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية الذي انعقد في أفريل 2017، وصدر كتاب المؤتمر في شهر أكتوبر المنصرم، وقد قمتُ بالإشراف عليه وكتابة مقدّمته. ينْضاف إلى ذلك كلّه مجموعة من الاسهامات في مجلاّت علميّة ودوريات وأعمال مؤتمرات تعتني بالشأن الفكري والفلسفي لا يمكن حصرها في هذا المقام.

4-كيف تقيّمين دور النساء الحالي في الاشتغال الفلسفي في تداولنا العربي؟

رغم وجود بعض التجارب المُشْرقة في العالم العربي، والتي كثيراً ما صادفتُ بعضها أثناء مُشاركتي في فعاليات فكريّة وثقافيّة في الجزائر أو خارجها، إلاّ أنّ دور النساء الحالي في الاشتغال الفلسفي -حسب تقديري- لا يزال ضعيفاً أو غير فاعل بالشكل المطلوب على الساحة الثقافيّة العربيّة، فمعظمهن يكتفين بالحصول على الشهادة الجامعيّة، ويغبن عن حقل النشاط الفلسفي وعن تفعيل المشهد الفكري في البلاد العربية، وربّما عزّزتْ الظروف السياسيّة والاجتماعيّة التي تمرّ بها الكثير من البلدان العربيّة من هذا الغياب وضعف الأداء، فلا يترعرع الفكر الفلسفي في ظروف الحرب والجوع والاضطراب والهيمنة وغياب الحقوق والمواطنة وفي ظلّ الاستبداد السياسي، فقد حدثتني صديقة عربيّة قائلة: ”أنا أذهب إلى الجامعة من أجل إطعام أسرتي فقط، وتغطية نفقات الحياة، فعن أيّ تفكير أو فلسفة تتحدّثين؟”. وفي بلدان عربيّة أخرى تهرع النساء إلى تخصّصات أخرى غير الفلسفة لأنّ هذه المادّة من المواد المغضوب عنها التي تؤدي إلى الإلحاد والشرك بالله كما يروّج لهُ من طرف بعض المنظومات الدينيّة المتطرّفة، وغيرها من الأوصاف السلبيّة التي تُطْلقها هذه الأخيرة والكثير من الناس على هذا التخصّص، والخلاصة أنّه لا توجد النخب الفكريّة النسويّة الفاعلة اليوم في مجال الفلسفة في العالم العربي، يكون بإمكانها المساهمة الفعليّة في إحداث التغيير المأمول على الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي من أجل المساهمة في النقاش الحضاري العالمي، على عكس ما يوجد عليه الوضع في بلاد الغرب فالأسماء النشيطة اليوم والمثيرة للجدل التي أحدثت طفرة ملحوظة هي كثيرة ولا غبار عليها. لا شكّ أنّ العالم العربي اليوم توجد فيه بعض التجارب الفرديّة الرائدة والنشيطة وهذا لا يمكن نُكرانه، ولكنّها ليست مُحاطة بالاهتمام والرعاية، كما أنّها غير موصولة بالتجارب الأخرى داخل البلاد العربيّة أو خارجها، وفي مجملها لا تنضوي تحت مشروع فكري واضح المعالم أو تحت لواء مؤسّسة ثقافيّة أو ضمن استراتيجيّة معيّنة، وجرّاء هذا التشتت والتشرذم، إنْ جاز لي هذا التعبير، ونتيجة لعدم وضوح المعالم فإنّ التجارب تلك تبقى محاولات فرديّة مفتقدة للتأثير والفعاليّة.

5-ما وضع المرأة الجزائرية في هيئة تدريس الفلسفة؟

أمّا الشقّ المتعلّق بوضع المرأة الجزائريّة في هيئة تدريس الفلسفة فلا يمكن الإلمام به في هذه العجالة، لأنّه علينا التعريج على مستويين من التعليم: الثانوي منه ثمّ التعليم العالي أو الجامعي، ولكن يمكن التأكيد في السياق ذاته أنّ المرأة الجزائريّة موجودة بشكل ملحوظ في هيئة تدريس الفلسفة وخاصّة في السنوات الأخيرة، وهي تحمل أعباء ومسؤوليات كبيرة في تخريج الناشئة من طلاب العلم والمعرفة سواء أكان ذلك على مستوى التعليم الثانوي أو الجامعي، ولكن المطلوب منهنّ في نظري أكثر من هذا، فلا يكتفين بتلقين النظريات وتاريخ الفكر الفلسفي وحسب، بل عليهنّ إنشاء ورشات ونوادي فكريّة ودوريات ومجلّات متخصّصة تعمل كلها على تخريج جيل يملك الأدوات الفكرية والمنهجيّة ليواصل البدء والمحاولات السابقة، ولا يتأتّى هذا الأمر إلاّ ببذل الإدارات الوصيّة جهدا لتحقيق هذا المبتغى. فمن هذا المنظور على المرأة التي تنتمي إلى حقل الفلسفة أن تُفَعِّل نشاطها خارج الثانوية وخارج أسوار الجامعة للمشاركة الفعليّة في التغيير وبناء الإنسان السويّ والمواطن المتمسّك بتراثه من جهة والمنخرط في الحضارة الحديثة من جهة أخرى، فقد لاحظتُ في أكثر من مناسبة ثقافيّة وفكريّة تأدلج التلاميذ والطلبة وعجزهم عن النظر إلى العالم بمناظير مختلفة ومتعدّدة متأثّرين في ذلك بالمنظومات الفكريّة والدينيّة السائدة. فلا غرو أنّ النقاش والحوار وحدهما يكفلان تعليم فلسفة الاختلاف التي تصنع فضاءات فكرية وفلسفية للعيش الإنساني المشترك. ليس خافياً علينا أنّ مشاغل الحياة وأعباء الأمومة ومسؤوليات البيت من شأنها أن تضغط على مُدَرِّسة الفلسفة أينما كانت، وعلى المرأة بشكل عام في مختلف مجالات الحياة، ولكن الفرق النوعي بين شخص وآخر هو في شكل الأداء والفاعلية وفي تحصيل النتائج المرجوة على أرض الواقع، وهو همّ كبير تحمله الكثير من مدرّسات الفلسفة في وطني وفي أوطان أخرى رغم العراقيل والمعوّقات الموجودة على أكثر من صعيد، وإنّ التجارب الناجحة هي التي تستجيب للتحديات بصبر كبير. وقد تجيء مناسبة أخرى للتفصيل في هذا الموضوع بدقة أكثر.

وفي الختام أرفع أسمى آيات الشكر والتقدير لمنبر كوة (الفلسفة بصيغة المؤنث) وللقائمين عليه، الذين يحدوهم الأمل نحو التغيير وترسيخ الإيمان بأنّ المجتمع العربي لا يمكنه أن يتطوّر وينخرط في المستقبل وإحدى رئتيهِ معطّلة، وبأنّ الأوان قد حان لكي تتحدّث الفلسفة راهنا بصيغة أخرى بعدما كانت، لعصور طويلة، ذكوريّة بامتياز.

khadidjazetili@hotmail.fr

 

شاهد أيضاً

مقابلة مع نوال السعداوي

ترجمة ماجي فاخر الناشطة و المؤلفة النسوية المصرية تتحدث عن تغطية الإعلام الإمريكي للأحداث في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *