الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / التصوف: بارود مرطب في أيادي مرتجفة

التصوف: بارود مرطب في أيادي مرتجفة

كوة: ع، ر.

“يتضح أن التعاون مع رجال الله وزواياهم ضروري، بالنَّظر إلى الاندماج الثقافي القوي  الذي تحققه مذاهبهم وحساسيَّاتهم، إضافة إلى الممارسات الولائيَّة التي نشرتها حركتهم في كل المجتمع… يظل الدور الذي تقوم به الزوايا دوراً بارزاً، حتى إنه يتحتم على كل حاكم واعٍ به احاطتهم بإجلال واضح المعالم” عبد الله حمودي الشيخ والمريد، ص 112.

 

للزوايا الصوفيَّة تاريخ عريق في المغرب القديم والحديث، بل ولها باع طويل في مقاومة الاستبداد السيَّاسي، رغم أنها تتمتع باستبداد ديني لا حد له.

ليست علاقة الزوايا بالسلطة السياسية علاقة تكافؤيَّة ولا تصالحيَّة فقد كان لبعض الزوايا دور هام في معارضة النِّظام في مراحل تاريخية مختلفة، يقول عبد الله حمودي: “انتشرت الطريقة الدرقاويَّة، كما نعلم، في المدن والبوادي، وتجاوزت “المغرب الأقصى” إلى سائر بلدان الشمال الافريقي. وقد حركت معارضة شديدة في الأطلس المتوسط وضعت السُّلطة في مأزق”[1].

ظهر مفعول خطة إعادة هيكلة الحقل الدِّيني مع نضالات حركة 20 فبراير، حيث سارعت الزاوية البوتشيشيَّة لحشد أنصارها في مسيرة البيضاء يوم 19 أبريل 2011 لدعم الدستور الجديد[2] ولمواجهة جماعة العدل والإحسان التي ينحدر زعيمها ومؤسسها عبد السلام ياسين من نفس الزاوية. كان لافتاً اصطفاف كافة المنخرطين في إطار السيَّاسة الدينيَّة الجديدة، في خانة المناهضين لـحركة 20 فبراير. ورغم وجود استثناءات فالأمر كان متعلقاً بدواع مصلحيَّة وليس بمنظور نقدي للتسلُّط: يتعلق الأمر هنا بحضور أنصار المغراوي لبعض المظاهرات لغاية فتح دور القرآن التي أغلقتها وزارة الداخلية سنة 2003 (وقد تحقق لهم ذلك آنذاك بعد التفاوض مع بنكيران حول تشكيل الحكومة) ثم بعض الفقهاء المحتجين لتحسين أوضاعهم الاجتماعيَّة وقليل منهم من المرتبطين بتيَّارات سيّاسيَّة إسلاميَّة ندّدوا بوصاية وزارة الأوقاف على المساجد، لكن بمجرد تحرك الآليَّة القمعيَّة المخزنيَّة وفق ثنائيَّة العطايا والوعيد حتى تبخر ذلك.

المسألة الأكثر دلالةً في هذا السيَّاق هي أنه في ظل مظاهرات 20 فبراير ضد دستور 2011، لم تستطع أي من القوى السيَّاسيَّة حشد أنصارها في الشارع للدفاع عن الدستور رغم اصطفافها إلى جانب الملك. والقوة الوحيدة التي استطاعت القيام بهذا الدور هي الزاوية البوتشيشيَّة التي حشدت أكثر من مائة ألف بالبيضاء في مسيرة ضخمة. الدرس الذي يجب استخلاصه هنا هو أنه في ظل فقدان أدوات الوساطة السيَّاسيَّة للملك (أحزاباً ونقابات وجمعيَّات) لمشروعيَّتها في شروط تنامي الكفاح الجماهيري فإن الخزَّان الاحتياطي للمشروعيَّة ستبحث عنه الملكيَّة في قوى دينيَّة أخرى محافِظة قادرة على لعب دور الطابور الخامس للدولة.

في مارس 2012 قدم القصر الملكي هِبات عدَّة لعدد من الأضرحة والزوايا لعل أهمها: هبة ملكيَّة لشرفاء ومريدي ضريح مولاي بوعزة (خنيفرة)، هبات لشرفاء ومريدي زاويتي سيدي حمزة وسيدي يحي أو يوسف (ميدلت)، شرفاء مكناس، زاوية مولاي بوسلهام (القنيطرة)، عدد من الأضرحة بالعرائش والقصر الكبير وطنجة، شرفاء زاوية سيدي لغليمي (سطات)، زاويتي الشيخ محمد بن محمد سالم٬ والشيخ محمد المامي (الداخلة)، الزاوية الوزانيَّة (تطوان)… وفي الحقيقة تشكل هذه الهبات دعماً مباشراً للطرق الصوفيَّة والأضرحة لمواصلة أنشطتها الدينيَّة العاديَّة وتنظيم مزاراتها، للقيام بأدوارها في عمليَّة إعادة الإنتاج، هذا ناهيك عن الدور الاستشفائي الذي تقوم به العديد من الأضرحة، ولعل أبرزها بويا مولاي عمر الذي قرَّر وزير الصحة السابق (الوردي) إغلاقه سنة 2015 دون أن يوفر المأوى لمرتاديه من المرضى النَّفسانيِّين والعقليِّين. فهل يمكن الاعتقاد أن هذه الهبات هي مجرد فعل خيري إحساني لا علاقة له بالشرعيَّة الدينيَّة لأمير المؤمنين؟

من المؤسف اعتقاد أن الهبات الملكيَّة مجرد عطف وبركة يخصها الملك لرعاياه الصوفيِّين، بل إن ثمة في ذلك مصالح وخدمات متبادلة، والعطف هنا يأخذ بمعانيه السيَّاسيَّة كاملةً، أي كعطف محكوم بمصالح متبادلة، لهذا يجمل موليم العروسي كلامه في التداخل بين التصوف والسُّلطان في قوله: ” يتلازم الدِّين والسيَّاسة في الأوقات الحرجة. فبالنسبة للملك يتراجع الدِّين في الأوقات الصعبة لصالح الاستراتيجيَّة؛ بمعنى في القبَّة عندما أحس السُّلطان بالخطر طرح تساؤلاً: ماذا يمكنني أن أفعل؟ وهذا هو شأن الشيخ “الهسكوري” الذي درس بالقرويِّين وأراد أن يكون متصوفاً ويشيِّد زاويَّة. لكن منطق الدولة طغى على منطق التصوف. هذا أمر موجود منذ زمن على أساس أن هناك محاربين ويلزمهم مال ويجب أن يكونوا ملتزمين. فالمسألة واضحة، فالقُدسِي والدُنيوي يحملان بعداً آخر عندما نريد أن نغطي على مسائل محددة. وهناك جانب أعمق يتمثل في أن الدِّيني ليس هو القُدسِي، لأن الأول يغطي جانب الدِّين العادي لكن الثاني يتعلق بالولاية والتصوف. فهذا الجانب له دور مهم فيما يتعلق بتاريخ المغرب باستثناء الزوايا التي كانت دويلات صغيرة، ومجرد عرقلة لتطور المغرب وتقدمه. لا يمكن أن نفصل النَّظر الفكري والسيَّاسي عن الإبداعي فالإبداعي يقوم بتعريَّة العلاقات المتشابكة بين هذه الأمور دون كبير اهتمام بتحليلها المنطقي المزعوم. فمحاولة تحليلها منطقيّاً وإدخالها في قوالب جاهزة يجعلها تستعصي على الفهم وتتعالى عن الواقع. الإبداع يجعلها تقترب من الحياة”[3].

اخترق المغرب العديد من الدول الافريقيَّة للحفاظ على ما يسمى بالأمن الروحي للمملكة في إطار اتفاقات ثنائيَّة تهم علاقة المغرب ببعض البلدان، وقد وقع المغرب وجمهوريَّة الصومال الفيدراليَّة، يوم الأربعاء 15 شوال 1437 (20 يوليو 2016) بالرباط، على اتفاق للتعاون الإسلامي وتبادل التجارب والخبرات بهذا الشأن، حيث قال الوزير الصومالي إن هذه الاتفاقيَّة ستتيح لبلاده الاسترشاد بتجربة المغرب الرائِدة القائمة على الوسطيَّة والاعتدال والتسامح ومنهجيَّته الحكيمة في احتواء التطرُّف وتجفيف منابِعه، مؤكداً حاجة جمهوريَّة الصومال الماسَّة إلى الاسترشاد بمنهجيَّتِه المتميزة والسَّير على منوالها، بالنَّظر إلى أن المغرب راكم تجربة “شاملة ومتميزة ليس في محاربة التطرف والإرهاب فحسب بل في الوقاية منه”، ما دفع بدول العالم إلى الإشادة بها والرغبة في استلهامها. وأردف أحمد التوفيق[4] وزير الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة، إن تدبير الشأن الدِّيني بالمغرب منوط بإمارة المؤمنين بمقتضى عقد البيعة باعتبارها “نظاماً سيَّاسيّاً دينيّاً مستمداً من كون الإسلام منذ نشأ، نشأ دينا ودولة”.  وأبرز التوفيق، في لقاء نظمته المؤسسة الدبلوماسيَّة يوم الأربعاء 5 رجب 1437هـ (13 أبريل 2016) بالرباط، بحضور ممثلي السلك الدبلوماسي المعتمد بالمغرب، أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس هو رئيس الدولة وفي نفس الوقت أمير المؤمنين والساهر على “حفظ الكليَّات الخمس المتمثلة في حماية الدِّين والنفس والنِّظام العام والأموال والعرض”، مضيفاً أن المغرب الذي اندمج في اللُّغة الحديثة للسيَّاسة، نص في الفصل 41 من الدستور على أن الدِّين من اختصاص أمير المؤمنين “لأنه موضع اتفاق من لدن الأمة”. كما أكد أن مشروعيَّة إمارة المؤمنين في المغرب “تقوم على عقد مكتوب منذ قرون يسمى البيعة”، موضحاً أن ضمان إمارة المؤمنين للدِّين يكون باحترام الكليَّات المذكورة التي تتحكم في ضمير الناس وتصورهم للعالم والحياة. لأن التوجه الإفريقي لسيَّاسة الملك متعدد الأبعاد يستمد تميزه من الأواصر الجغرافيَّة والروابط التاريخيَّة والأسانيد العلميَّة، مشيراً كرئيس منتدب لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، أن العديد من مشاريع الشراكة الاقتصاديَّة التي أطلقها الملك في المدة الأخيرة، مع بلدان في جنوبي الصحراء، تقترن في أذهان أهل تلك البلدان برصيد المغرب الدِّيني والعلمي والروحي المشترك، حيث يقر المصنفون بأن ما تم بناؤه عبر العصور، في مجال ذلك الرأسمال اللامادي، لا يقاس بنفع ولا يقدر بثمن، وهو باق صامد لكل حوادث الزمان، ومن ثمراته أن علاقات المغرب مع إفريقيا الغربيَّة على الخصوص، لها طابع شعبي مستدام، لا تؤثر فيه الظرفيَّات العابرة. وقد أبرز أن مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، “تستشرف تحقيق ربط فعال على صعيد القارة بين العلماء، والغاية المشتركة هي العمل على أن يحافظ لهذه الشعوب على إيمانها وعقليتها المحبة للسلم، وأن تصان لها، في نفس الوقت، ثقافتها المتميزة التي لم تخرجها يوما من توحيد الله والعمل بمكارم دينه، المبين بسنة رسوله الأكرم”. وسجل أن أفاق مستقبل هذه المؤسسة، كما خطط لها جلالة الملك من خلال أهدافها في الظهير الشريف، ستتبلور في شراكة في الخبرة بين علماء المغرب وعلماء البلدان الإفريقية الراغبين في ذلك، وبالقدر المتاح لهم سياقا وقانونا، من أجل مقاربة شمولية لقيام الدِّين، بحمايته وتنمية خدماته: “لقد ابتكرتم، هذه الآليَّة، قبل كل شيء، بقصد نيل رضا الله في القيام بالأمانة الموضوعة على عاتقكم، كحام للملة والدِّين، وكراع للتاريخ الروحي المشترك بين المغرب وإفريقيا، وكغيور على الأمن والاستقرار في المنطقة”، لأن هذه الشراكة من خلال المؤسسة، ستمتد، إلى مجال التأطير العلمي، وذلك بإسهام العلماء في تبليغ مبني على الوسطيَّة، وبتنسيق الجهود لنشر فكرة أولويَّة دفع الفِتنة واستدامة الأمن والاستقرار كضرورة شرعيَّة قصوى..

في الاجتماع الثالث لأتباع الطريقة التيجانيَّة بمدينة فاس يوم الأربعاء 14 ماي 2014 وجه أمير المؤمنين رسالة إلى المشاركين ألقاها وزير الأوقاف والشون الإسلاميَّة جاء فيها:

“حضرات السيدات والسادة، في سياق هذه السيَّاسة الرشيدة، التي ننهجها بإيمان راسخ، ومنظور وحدوي ملتزم، واستراتيجيَّة تنمويَّة طموحة قائِمة على تفعيل دور التصوف في إشاعة الأمن الروحي، ونشر قيم المحبة والوئام، وتطهير النفوس من جذور التعصب والحقد والكراهيَّة، يلتئم هذا الجمع المبارك للطريقة التجانيَّة، لتدارس شؤونها، والقضايا المتعلقة بزواياها وتفعيل التنسيق بين أجهزتها، من لدن مشايخها، وكذا لتبادل الرأي في رسم خطط العمل للنهوض بالتربيَّة الروحيَّة بما يلائِم المستجدات. وهو الأمر الذي يدل على وعيكم العميق بضرورة نهوض الطريقة التجانيَّة برسالتها، في هذه الظرفيَّة التاريخيَّة، بالنسبة للمجتمعات الإسلاميَّة، التي هي أحوج ما تكون إلى مساهمة كل الفَاعِلين من علماء وفقهاء وصوفيَّة لرفع تحدي التطرف الأعمى ونزوعات الانفصال والانقسام.

وفي الختام، فإننا ننوه بما يجمع التجانيِّين قاطِبةً، منذ تأسيس طريقتهم إلى اليوم، من مشاعر التعلق والوفاء لملك المغرب، بوصفه أميراً للمؤمنين وسيطا للنَّبي الأمين، مبادلين إياهم نفس الوفاء، مسبغين عليهم موصول الرعاية أينما كانوا، داعين إياهم أن يحافظوا على اتخاذ المغرب قبلة لهم في الورد والصدر، إسوة بمؤسس الطريقة -رضي الله عنه-، في اتخاذ هذا البلد الأمين مقاما، ونعم المستقر. كما نطلب منكم أصحاب الفضيلة، أن تخصوا جلالتنا بنصيب من أدعيتكم المستجابة، كلما حفت بمجالس ذكركم ووظائفكم نفحات التجلي وأوقات الإجابة”[5]. وفيها نتلمس المصلحة المتبادلة كيف إمارة المؤمنين والطريقة التجانيَّة في تعاون وثيق للحفاظ على الشرعيَّة الدينيَّة للإمارة وعلى الدعم السيَّاسي للطريقة.

هوامش:

[1]  – عبد الله جمودي: الشيخ والمريد، دار توبقال، الدار البيضاء، ص 126.

[2]  – لأول في تاريخها مرة تصدر زاوية الشيخ حمزة بياناً سيَّاسيّاً يدعو أنصارها والمغاربة عموماً للتصويت بنعم على الدستور.

[3]  – حوار مع موليم العروسي، أنجزه حسن إغلان، جريدة الاتحاد الاشتراكي، رمضان 2016.

[4]  – المصدر: موقع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية: www.habous.gov.ma

[5]  – نص الرسالة الملكية إلى المشاركين في الاجتماع الثالث لأتباع الطريقة التجانيَّة المنعقد بمدينة فاس يوم الأربعاء 14رجب 1435هـ الموافق لـ 14 ماي 2014م والمنشورة على موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

شاهد أيضاً

الحداثة السائِلة في مجتمع العولمة

الدار البيضاء: العلوي رشيد زيغمونت باومان  Zygmunt Baumanسوسيولوجي وفيلسوف بولندي ولد في بوزنان سنة 1925، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *