الرئيسية / أدب وثقافة / متابعات / العنف المدرسي في ظل غياب نظام “المساعَدة الاجتماعية المدرسية”

العنف المدرسي في ظل غياب نظام “المساعَدة الاجتماعية المدرسية”

خالد العبيوي – كاتب عام فرع سلا للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة – 

تعريف “العنف المدرسي”: من الصعب إعطاء تعريف موحد ونهائي لمفهوم “العنف المدرسي”، نظرا لتعدد واختلاف دلالات هذا المفهوم من جهة، ولتباين المرجعيات التربوية والاجتماعية والقانونية والسياسية المؤطرة له من جهة أخرى. فإلى حدود الثمانينيات من القرن الماضي كان العنف الممارس ضد التلاميذ في مؤسساتنا التعليمية هو الشكل الوحيد للعنف، مع بعض الاستثناءات، رغم أنه اجتماعيا لم يكن ينعت بأنه عنف، بل نوع من التربية. ولا زال المربون يتذكرون العبارات التي كان الآباء يرددونها عندما يتم استدعاؤهم من قبل الأساتذة، من أجل إخبارهم بسوء أحوال أبنائهم، فيرد الأب قائلا للمدرس <<أنت ذبح وأنا نسلخ>>. لكن الوضع تغير في الظرف الراهن لاعتبارات مرتبطة بتنامي الوعي الحقوقي داخل المجتمع. ما كان يعتبر عنفا في الحاضر ليس كذلك في الماضي، والعكس صحيح. فعلاقتنا بالعنف تغيرت بتغير الأحوال الاجتماعية، وتباينت باختلاف التمثلات الثقافية. لكن هذا لا يمنعنا من البحث عن تعريف عام وشامل لمفهوم “العنف المدرسي”. وإن كان إيريك دوباربيو (Eric Debarbieux)، وهو مدير المرصد الدولي للعنف المدرسي وصاحب كتاب (La violence dans la classe)، لا يرى ضرورة وضع تعريف عام للعنف مقبولا من طرف الجميع. ووفقا له، فمن الضروري أن يكون هناك تعريف موسع لمفهوم “العنف المدرسي” يشمل مختلف الحالات التي تتباين من حيث الزمان والمكان والبيئة الاجتماعية والثقافية. وإن كان التعريف الجنائي للعنف هو الأكثر تداولا، إذ يسمح بتصنيف أشكال العنف، ويساهم في قياس درجة خطورته، ومن ثم تعريف “العنف المدرسي” بوصفه إلحاقا للضرر الجسدي أو المادي أو النفسي بالغير من الفاعلين التربويين، سواء داخل الفضاءات المدرسية أو في محيطها. لكن دون إغفال الممارسات التي من شأنها عرقلة السير العادي للعمليات التعليمية التعلمية.

مظاهر”العنف المدرسي“:

تبعا للتعريف سالف الذكر يمكن أن نصنف أشكال العنف وفق تمظهراته؛ فهناك العنف الجسدي، ويتمثل في الدفع والضرب واستعمال السلاح الأبيض أو الأدوات الدراسية الحادة والبصاق والرمي بالأشياء التي قد تلمس جسد الغير من اللوازم المدرسية وغيرها…كما أن هناك العنف المادي ويتجسد في تحريك الطاولات وصد الأبواب بعنف وتخريب المرافق المدرسية من الكتابة على الجدران، أو إلحاق الضرر بممتلكات الفاعلين التربويين من سيارات ونحوها…وأخيرا العنف النفسي نتيجة التهديد والابتزاز والتخويف، وإحداث التوتر مما يؤدي إلى ترويع العاملين داخل المؤسسة وفي محيطها، باستعمال العنف الكلامي من سب وشتم وإصدار لأصوات غريبة، واللجوء أحيانا إلى مضايقات جنسية أو عرقية…ولعل الظاهرة الجديدة التي تنامت مؤخرا هي استغلال الوسائل السمعية البصرية عبر التصوير بالهواتف النقالة وبثها في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي شكلت أبرز وسائل العنف الرمزي الممارس في الظرف الراهن ضد الفاعلين التربويين سواء كانوا مدرسين أو تلاميذ أو إداريين…ومن تمظهرات العنف أيضا ممارسات تعرقل السير العادي للأنشطة التعليمية، وتتجلى في عدم الانضباط داخل الفصل بشكل لا يحتمل، وعدم احترام النظام الداخلي للمؤسسة، حيث رفض إزالة القبعات أو سماعات الهواتف النقالة، وكذا تعمد عدم إنجاز الواجبات المدرسية، أو إحضار اللوازم الدراسية، فضلا عن المشاجرات داخل حجرة الدرس.

العنف المدرسي” ظاهرة اجتماعية:

لا شك أن “العنف المدرسي” يمثل ظاهرة اجتماعية بامتياز. وبما أن المدرسة مندرجة في المجتمع، فإن القضايا التربوية المطروحة لا يمكن معالجتها بيداغوجيا فقط، بل بإحالتها إلى عوامل اجتماعية وثقافية وسياسية أيضا. تمارس تأثيراتها على المدرسة، تجاوزا للخداع التربوي الذي يرى المشكلات التربوية مستقلة عن الاجتماعي، تتصل بشؤون تربوية خالصة، تصورات تنم عن مغالطات غارقة في الوهم. إن أهم ما نطمح إليه هو دراسة ظاهرة “العنف المدرسي” في بعده السوسيولوجي، من خلال تشخيص راهنية هذا الشكل من العنف والكشف عن تناقضاته وصراعاته، ومحاولة استجلاء الجوانب المسكوت عنها في الواقع المدرسي خاصة والاجتماعي بشكل عام. لكن في غياب دراسات وأبحاث سوسيولوجية موضوعية، كما هو الحال في المغرب، فإن السوسيولوجيا العفوية تكون هي الملاذ الأخير باعتماد إحصاءات رسمية، أقل ما يقال عنها أنها مغلوطة، لا تلامس الوقائع كما تمارس فعليا في الفصول الدراسية، وفي فضاءات المؤسسات المدرسية، وعلى مقربة من محيطها المحلي. مادامت تتأسس على تقارير الإدارات المدرسية، وما يحيط بها من تعتيم وانتقائية. فهي تخفي العديد من حالات العنف المدرسي “الخفيف” أو الذي تم فضه أو السيطرة عليه، ولا تكشف إلا عن الحالات التي بلغت حدا لا يطاق، انتهت بالمجالس التأديبية.

أسباب “العنف المدرسي“:

إن “العنف المدرسي” هو حصيلة تفاعل شروط موضوعية، اجتماعية وتربوية واقتصادية…فالعنف المدرسي قد تساهم في إنتاجه أسباب اجتماعية كالفقر والإقصاء، نتيجة تواجد التلاميذ في أحياء هامشية تفتقر لأبسط المرافق الصحية والإدارية والترفيهية، أحياء تضم في الغالب مساكن غير لائقة، أزقة وممرات ضيقة، قد تنتشر فيها تجارة المخدرات والكحول المهربة، وتسود فيها السرقة والإجرام ومختلف أشكال الانحراف…في غياب المناطق الخضراء مما يجعل الساكنة محرومة من حقها في العيش في بيئة سليمة. ولا ننسى أيضا بأن “العنف المدرسي” قد تسببه المؤسسة المدرسية نتيجة سوء المعاملة الصادرة عن العاملين فيها من إداريين ومدرسين وأعوان… وعدم فسح المجال للتلاميذ للتعبير بشتى أنواعه. خاصة ونحن نتعامل مع فئات عمرية، معظمهم قاصرين أطفالا أو مراهقين، يتسمون بعدم النضج، مما يجعلهم عرضة للمشكلات العلائقية، خاصة العاطفية منها، سريعي التقبل لمواقف ومعتقدات تفتقد للحس النقدي الكافي.

النتائج والحلول الممكنة:

لا أحد يجادل في أن “العنف المدرسي” له آثار سلبية على الأهداف والغايات المتوخاة من المؤسسة المدرسية، والتي تنشد بناء الشخصية المتكاملة لدى التلاميذ، عبر تعزيز المثل النبيلة ونشر المعارف النافعة والسلوكات الإيجابية…من خلال انتشار القيم المنافية للأخلاق وسيادة علاقات التوتر والصراع مما يؤدي إلى عرقلة السير العادي للممارسة التربوية، ينعكس سلبا على المردودية التعليمية.

لكن المؤسف حقا هو أن وزارة التربية الوطنية غالبا ما تتجاهل خطورة ظاهرة “العنف المدرسي”، إما بالتحرك مناسباتيا، أو اللجوء إلى حلول ترقيعية، فضلا عن عدم مبالاتها بجدوى القيام بدراسات ميدانية تميط اللثام عن أسباب الظاهرة وآثارها، من خلال اعتمادها على تقارير رؤساء المؤسسات التعليمية التي تخفي أكثر مما تعلن، مما يعطي الانطباع بأن كل شيء على ما يرام. وهذا ما يبين بجلاء عقم المقاربة الرسمية في معالجة الظاهرة. فالتقليل من خطورة الظاهرة يؤدي حتما إلى استفحالها، قد يفضي يوما إلى أحداث كارثية ستهز، لا محالة الجسم التربوي، الذي يُفترض أن يكون آمنا. لقد أكدت في كتابي “سوسيولوجيا الثقافة المدرسية بالمغرب” بأن المشكلات التربوية أصبحت تُدرس في سياق الأنساق المحلية المصغرة داخل المؤسسة المدرسية والفصل الدراسي وممارسات الفاعلين الاجتماعيين…ومن ثم يمكن معالجة كل مشكلة محددة في المكان والزمان. بدل الرهان على تنظيم حملات تحسيسية أو ملتقيات وندوات تساهم فيها جهات مختلفة في مناسبات خاصة، ينتهي تأثيرها مباشرة بعد نهاية أنشطتها. كما لا يمكن بتاتا أن نعول على إصدار مذكرات ومراسلات تحمل مضامين زجرية لم تعد تخيف أحدا، أو إثقال كاهل رجال الإدارة أو الأساتذة بمهام جديدة، أو الاكتفاء بإنجاز أنشطة موازية في إطار نواد تربوية يقوم بها مدرسون قلما تنجز في غياب التحفيزات المادية والمعنوية. أو عقد شراكات مع جمعيات المجتمع المدني في إطار برامج مناسباتية، أو إحداث نواد للإنصات تعتمد على متطوعين على قلتهم يفتقرون للكفاءة المطلوبة. هذه الآليات والإجراءات مفيدة، لكنها وحدها غير كافية.

جهاز “المساعَدة الاجتماعية المدرسية” هو الحل:

من العار أن يفتقر نظامنا التربوي لجهاز اسمه “المساعَدة الاجتماعية المدرسية” (Assistance sociale scolaire)، في الوقت الذي نجد فيه دولا عربية مجاورة كالجزائر وتونس تتوفر على مساعدين اجتماعيين داخل المؤسسات المدرسية. فطبيعة الأنشطة المنوطة بهم، تجعلهم يشكلون جهازا مهنيا متخصصا، لا يتأسس على الارتجالية والعفوية…يتوفرون على الكفاءة المطلوبة. فهم غالبا ما يكونون أشخاصا حاصلين على شواهد في الكفاءة المهنية في مجال العمل الاجتماعي بعد ثلاث سنوات من التكوين بعد البكالوريا، أو أشخاص حاصلين على شواهد الإجازة في العلوم الإنسانية (علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة) فضلا عن سنة من التكوين المهني في مجال الخدمة الاجتماعية المدرسية، مما يجعلهم واعين بالمهام الموكولة إليهم، حيث حماية المؤسسة المدرسية وفضاءاتها من كل عنف محتمل، سواء كان سببه التعاطي للمخدرات أو التدخين أو الانحرافات أو مختلف أشكال الإدمان على الإنترنيت أو التلفاز أو الهواتف النقالة أو الموسيقى أو الرياضة…وغيرها، مما يعني حماية الأطفال والمراهقين من كل المخاطر وجعلهم يعيشون في بيئة تربوية ملائمة للحياة المدرسية. جهاز “المساعدة الاجتماعية المدرسية” وحده القادر على مصاحبة التلاميذ في وضعيات صعبة اجتماعيا ونفسيا وصحيا، بحكم الخبرة والكفاءة والمسؤولية القانونية والمهنية…لهذا كان هذا الجهاز يشكل على الدوام حلقة تواصل بين مختلف الفاعلين التربويين، لقدرته على نسج شبكة من العلاقات مع مختلف العاملين داخل المؤسسة، ومع الشركاء والعائلات والمصالح الإدارية والأمنية، والجمعيات المتواجدة داخل المحيط المدرسي. لكن المؤسف حقا هو أن الوزارة الوصية تُجانب الصواب بإغفالها الدور الذي يمكن أن يلعبه جهاز “المساعدة الاجتماعية المدرسية” في نظامنا التربوي. صحيح أن توفير مكاتب قارة لمساعدات أو مساعدين اجتماعيين داخل كل مؤسسة اجتماعية على حدة يتطلب ميزانية ضخمة لا تقوى عليها الوزارة الوصية في الظرف الراهن، لكن بإمكانها تكوين مدرسين حاملين لشواهد في العلوم الإنسانية من أجل سد هذا الخصاص غير المبرر. أو على الأقل تعيينهم على رأس كل جماعة ترابية، في انتظار تعميم التجربة لاحقا على جميع المؤسسات التعليمية، بهدف القيام بالمهام التربوية الاجتماعية المنوطة بهم. وأخيرا أقول إن أي حل خارج هذا الإجراء هو مجرد ذر الرماد في العيون، سيكشف الزمن القريب عن عقمه.

 

شاهد أيضاً

شر الفلسفة يأتيها من الداخل: التفكير في فاجعة التحاق أستاذ فلسفة بتنظيم داعش

بلال مراوي / مدرس فلسفة ليس التفكير الفلسفي  في عمقه تفكيرا مذهبيا، أيديولوجيا كان أم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *