الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / قراءة أذهان الآخرين وسؤال المعرفة الاجتماعية     

قراءة أذهان الآخرين وسؤال المعرفة الاجتماعية     

الأستاذ إبراهيم السهلي

لا أحد يجادل اليوم أن القرن العشرين هو قرن الثورات العلمية الغير المسبوقة ، سواء تعلق الأمر بمجاوزة نظريات علمية كلاسيكية ظل العقل البشري سجين لها لردح زمني طويل ، كما هو الحال مع العلوم الحقة ،أو ببزوغ نظريات علمية جديدة ذات طابع إمبريقي و إنساني ،هدمت صرح المعارف المألوف مند القديم حول الإنسان ، فقد أحدثت  العلوم الإنسانية ـ علم النفس وعلم الاجتماع ـ بأبحاثها ثورة علمية كشفت عن الشرخ النظري حول معرفة الإنسان بذاته كبنية معقدة تحتاج لرفع اللبس المعرفي عنها . لذا يعتبر حقل المعرفة الاجتماعية من بين أهم حقول المعرفة في مجال علم الاجتماع المعرفة ويحيل إلى مختلف السيرورات الذهنية و العمليات العقلية و المعارف الاجتماعية التي يعتمد عليها الفرد لفهم كيفية التعامل مع محيطه و الانخراط فيه بشكل سليم ، غير أن ذلك لا يتم إلا بتوفر الفاعل على ميكانيزمات التواصل مع الآخر ، الأمر الذي يستدعي فهم الغير من خلال قراءة أذهانه عواطفه و انفعالاته، فلماذا نجذ البعض منا مهتم بقراءة أذهان الآخرين  وتكوين معرفة بذلك؟ هل ننجح في بناء معرفة بأذهان الآخر على نفس منوال بناء المعرفة في حقول معرفية أخرى كما هو الحال مع العلوم الحقة ؟

إن ما يشغل بالي أنا و أنت اليوم هو السؤال حول الآخر ، معرفة فيما يفكر فيه ، محاولة منا لقراءة حالاته الذهنية و العاطفية و قراءة حالاتنا الذهنية و العاطفية نحن ، فلماذا نطمح لمعرفة في ماذا يفكر فيه الآخر ؟  يعتبر الواحد منا ادعائي إذا فكر في البحث فيما يفكر فيه الآخر وقراءة حالاته الذهنية ،وذلك بوجود مسافة بيولوجية بينه وبين الآخر ، لكننا نجد أنفسنا أشخاص أكثر من ادعائيين عندما ندافع عن رغبات الآخرين  مقاصدهم و نواياهم في كثير من الأحيان . فمعرفتي بالآخر هي رغبة متولدة بدافع علاقاتي الاجتماعية مع المحيط الذي أعيش فيه ،لهذا نجد الواحد منا يتساءل دوما عن ذلك الآخر هل معي أم ضدي ؟ هل هو صادق أم مخادع ؟ هل أنا محط إعجابه أم لا ؟ لهذا ما السبيل نحو بناء معرفة يقينية بالحالات الذهنية العاطفية للآخر ؟

من الواضح أن الفرد كائن اجتماعي بطبعه ووجوده لا يكتمل إلا داخل  الجماعة [1]، وهذا يفرض عليه الدخول في علاقات اجتماعية تفاعلية مع محيطه الأمر الذي يدفعه إلى التفكير في محاولة قراءة ذهنه وذهن شبيهه الذي يتقاسم معه مكونات محيطه ، لذا وجب عليه فهم مختلف السيرورات ـ الفكرية الذاتية من أجل الاستناد عليها لفهم الآخر، وهو أمر يقتضي النفاد إلى ذات الغير رغم أن الأمر يبدو عسيرا ، مادام الغير بنية نفسية اجتماعية مركبة محاطة بسور سميك يستحيل تجاوزه[2] ، يجعل من النفاد إلى باطن الإنسان أمرا مستحيلا .وهو الأمر الذي نفته سابقا الفلسفات خاصة الظاهراتية التي دافعت عن إمكانية بناء معرفة بالآخر و حالاته الذهنية و العاطفية أحاسيسه و رغباته ، انطلاقا من معرفتي بحالاتي الذهنية و العاطفية و النفسية فيتم إسقاطها على الحالات الذهنية و العاطفية للغير اعتمادا على معرفتي بالمظاهر الخارجية للآخر وهو ما يسمى بالاستدلال بالمماثلة  :

  • الدموع دليل على الحزن
  • الابتسامة دليل على الفرح
  • احمرار الوجه دليل على الخجل
  • جماع اليدين دليل على الحنق و الغضب

يقود الاستدلال بالمماثلة إلى إسقاط حالاتي الداخلية على المظاهر  الخارجية للغير لأكون معرفة بحالاته النفسية  والعاطفية وهو الأمر الذي دافعت عنه الفينومينولوجية[3]، وهو الأمر2 الذي خاض فيه موريس ميرلوبونتي متأثرا بفكر ادموند هوسرل  ، فقد أقر ميرلوبونتي بإمكانية بناء معرفة بالآخر  انطلاقا من فعل التواصل[4] معتبرا أن المسافة توجد فقط بين الأشياء الجامدة ، فبين الإنسان و الإنسان اختلاف إنساني يتأسس على وجود مسافة تتسع إذا انسحب كل منا و تخلينا عن التواصل ، فمادام الفرد عضو وظيفي في محيطه الاجتماعي ،فإن ذلك يذيب المسافة ويفتح المجال للتواصل وبناء معرفة بالآخر بل اعتبر ميرلوبونتي أن أقصى حالات العزلة تواصل ،فالامتناع عن التواصل تواصل . فميدان المعرفة الاجتماعية يتيح إمكانية تكوين معرفة بالآخر من خلال استقراء الوضعية الذهنية التي يعيشها الفرد فيتم إسقاطها على السيرورات الذهنية للآخر شريطة توفر الفرد على القدرة على خلق شبكة تواصلية بينداتية مع محيطه الاجتماعي وهذه الوضعية تتطلب توفر الفرد على معارف متنوعة[5] وغنية يستثمرها الفرد ليبادر باستقراء حالاته الذهنية والمستقبلية ويسقطها على الحالات الذهنية و العاطفية للغير كوننا نفكر بنفس الطريقة و بنفس الميكاميزمات ومن نفس الوضعية . إذا ما أخدنا الزواج كوضعية استقرائية مثلا ، فالجواب عن السؤال لماذا تريد الزواج  ؟ فإن معظم الحالات المستجوبة تجدهم يفكرون بنفس السيرورات الذهنية التي يفكر فيها الآخرون في هذه الوضعية .

يبدو أن الواحد منا مدمن على معرفة الحالات الذهنية للآخر ،ونجاح ذلك رهين بقدرة الفرد على التواصل مع محيطه ، فنجاح العملية التواصلية مرتبط أكثر بالقراءة الجيدة لأذهان الآخرين وفهم عواطفهم وتأويل مقاصدهم ونواياهم بشكل سليم أي محاولة النفاذ إلى ذات الغير دون الحاجة إلى استعمال سليم للغة  في العملية التواصلية وهذه الأخيرة لا تنجح إلا  إذا ارتبطت بالعمليات التالية :

ــ 1 ــ الفهم : إذا وجد الفرد في وضعية صعبة الفهم عليه ، لا يتوفر على ميكانيزمات فهم الوضعية وتفكيك شفراتها  [ لا يتقن لغة أجنبية والمتحدثون كلهم أجانب + أو أثناء مشاهدة فليم بلغة أجنبية لا يفهمها  ] فإنه يبدأ بعملية التأويل و إسقاط المعنى ، فطبيعة  الإنسان ترفض الغموض وعدم الوضوح كما لا يقبل الوضعيات الغير منظمة لكونها تشكل وضعيات غير قابلة للتوقع فهو يحاول تجاوز الوضعية بإضفاء المعنى عليها .

ــ 2 ــ التواصل :الفشل في عملية التواصل يعني الفشل في قراءة أذهان الآخرين وعدم القدرة على إدراك الحالات الذهنية للآخرين ، فالشخص الذي يتوفر على أصدقاء كثر أو نقول الشخص المحبوب ، أو الفنان الحبوب ذو الجمهور العريض … ذلك لا يرجع لسبب ما بقدر ما يكمن في قدرة الشخص على قراءة سليمة لأذهان الآخرين وقدرته على خلق شبكة تواصلية كثيفة مع استحضار مبدأ التشابه [ المدرسة  الجشطلتية ] ومبدأ التصميم المتفائل[ مبادئ التصميم : التوازن ، التناغم ، التركيز ، الوحدة ، الحركة ]  الذي يفرض استثمار  المعلومات الملائمة في العملية التواصلية .

ــ 3 ـ التنسيق : إن فهم الحالات الذهنية و العاطفية للغير يقتضي نجاعة العملية التواصلية بكل مقوماتها لكن فهمنا لمقاصد الآخر لتوقع سلوكاته وردود أفعاله هو المطلب وفيه تكمن الصعوبة ، فالسؤال : لماذا قام فلان بهذا الفعل ؟ يدفعنا أكثر للبحث في التوقع في سلوك الأفراد عبر تكوين مجموعة من الاحتمالات التوقعية لردود أفعالهم وسلوكهم ، وهو ما يعني معرفة الحالات الذهنية لغيرنا التي تقوم على نجاح العملية التواصلية من أجل وضع احتمالات توقعية لردود أفعال مستقبلية للآخر ، يذكر هنا أن دماغ الإنسان أكبر بثلاث مرات من دماغ باقي الثدييات مما يجعل منه كائنا استباقيا أي توقعيا [6]

إن نجاح العملية التواصلية ييسر عملية فهم عواطف الآخرين وانفعالاتهم ومنه توقع سلوكهم وردود أفعالهم ، فنكون استباقين لرصد ردود أفعالهم، وهي الصيغة التي تشتغل بها الأجهزة الأمنية الاستخباراتية ، فإحباط هجوم إرهابي محتمل حدوثه ودرجة خطورته تدفع الأجهزة الأمنية لدراسة سلوك الجماعة المحتمل قيامها بهذا الفعل ، ونفس الأمر يظهر جليا في العمل المقاولاتي : فالمدير الجيد ـ بصفته مسؤول عن جماعة ـ  عليه أن يجيد قراءة أذهان عماله لاتخاذ القرار المناسب بوضع كل عامل في مكان عمله للرفع من المردودية في الإنتاج ، ونفس الأمر يتشابه في المدرسة : فنجاح العملية التعليمية التعلمية يقتضي نجاح العملية التواصلية بين المدرس و تلامذته أي قراءة ذهنية متبادلة بين الطرفين ، فالمدرس الجيد هو القادر على وضع قراءة سليمة لذهن المتعلمين ، معرفة عواطفهم انفعالاتهم ونواياهم مقاصدهم ،و المتعلم الجيد هو القادر على قراءة ذهن أستاذه ليتحقق التطابق في القراءة الذهنية المتبادلة التي هي عملية تبادل المعلومة وترسيخها مما ييسر نجاعة العملية التواصلية ، وكل فشل في ذلك يولد الصراع.

في نهاية كل عملية تواصلية نقوم بها مع الآخر، كلانا يطرح السؤال ـ إما بوعي أو بغير وعي ـ  هل تركت انطباعا لدى الآخر ؟ هل أنا محط إعجابه أم لا ؟

إن النرجسية التي تحكمنا في عملية التواصل تدفعنا للبحث عن الكيفية التي نترك بها انطباعا ـ إعجاب مثلا ـ لدى الآخر وهو السؤال الذي نطرحه عادة بغير قصد: كيف أكون مكيافلليا كي أكسب أصدقاء و أحباء كثر ؟  لنقل إن الشخص المحبوب أي الذي يتوفر على أصدقاء كثر ، أو ذلك الفنان المحبوب ذو الجمهور الواسع فكلاهما يمتلك نزعة ذو نظرة مكيافللية يجعله يؤثر في الآخرين وهو الأمر الذي يستدعي استحضار آليات التواصل وتوظيفها بشكل ملائم لتيسير القراءة الذهنية للآخر ، فتثبيت النزعة الميكافللية لكي أكون مؤثرا في الآخرين تشترط قاعدة أساسية ” عليك الاستقامة في سلوكك ، وأن ترى الأشياء من وجهة نظر الآخرين وليس من وجهة نظرك أنت

عموما نقول إن قراءة الفرد لذهنه و لأذهان الآخرين عملية تواصلية للفرد داخل محيطه ، فهي مرتبطة بسيرورة   نمو الفرد داخل الجماعة ومن دينامية الذاكرة التي هي شرط أساسي في التعلم وكدا فعالية الذاكرة التفاعلية كشرط للعملية التواصلية .لذا فإن تفعيل عملية الإدراك ـ المعرفة ـ الذهني يطرح نسبية وحدود هذه المعرفة.

كارل منهايم ، الإديولوجية واليوتوبيا / مقدمة في سوسيولوجية المعرفة : ترجمة محمد رجا الديريني

نظرية المعرف الاجتماعية ، بان بويفي / برنار كونين 2007

Travail chômage et stigmatisation. Une analyse psychologie /Ginette Herman

www.cairn.info.ma

[1] عبد الرحمان بن خلدون ـ المقدمة : تحقيق درويش الجويدي طبعة 2000

[2]  غاستون بيرجي  : من القريب إلى الشبيه ، حضور الغير 1957

[3]  الفينومينولوجية :

[4]  M Merlea-Ponty / phénoménologie  de la perception / Gallinard 1967

[5]  معارف إجرائية ، مراقبة ، أوتوماتيكية

[6]  GINETTE HERMAN

شاهد أيضاً

الحداثة السائِلة في مجتمع العولمة

الدار البيضاء: العلوي رشيد زيغمونت باومان  Zygmunt Baumanسوسيولوجي وفيلسوف بولندي ولد في بوزنان سنة 1925، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *