الرئيسية / منتخبات / عامة / القلم يواجه بالقلم لا السيف: صحيح البخاري، نهاية أسطورة

القلم يواجه بالقلم لا السيف: صحيح البخاري، نهاية أسطورة

اسماعيل فائز – المغرب

ألف الباحث المغربي رشيد ايلال كتاب “صحيح البخاري، نهاية اسطورة”، فتم منعه من توقيع كتابه، وتعرض لحملة تكفير، وصلت لحد التهديد بالتصفية الجسدية (اهدار دمه) – حسب تصريحاته- من طرف بعض الدواعش بالقوة (الذين يفتقرون للسلاح ليصبحوا دواعشا بالفعل).

هؤولاء نصبوا أنفسهم حراسا للعقيدة، ويشهرون “سلاح” التكفير، والاتهام بالزندقة، والخروج عن الملة، وموالاة “الكفار” …في وجه كل من يحاول التحرر من سجن ثقافة السؤال، إلى رحابة فضاء ثقافة الجواب. الكفر والإلحاد، والزندقة ومعاداة الإسلام…مثل هذه “الكليشيهات” صارت بضاعة فاسدة، ومن فرط استعمالها صارت عملة نقدية فقدت بريقها، وما عادت تخيف كل من اختار لنفسه الاصطفاف إلى جانب ثقافة السؤال، لا التقوقع داخل ثقافة الجواب. (وهل نحتاج إلى التذكير بأن هذه التهم الجاهزة قد طالت العديد من الأعلام الذين نفتخر اليوم بانتمائهم إلى الحضارة الإسلامية أمثال : الحلاج والمعري وابن رشد والغزالي والرازي وابن سينا ووالسهرروري وابن المقفع والفارض…ومنهم من عذب، ومن قتل، ومن سجن، ومن أحرقت كتبه…؟)

الذين يوظفون هذه “الكليشيهات” يسعون لتكريس أنفسهم ك “إكليروس إسلامي” يحتكر الحقيقة الدينية، ويوزع شواهد الإيمان والكفر…جواب هؤولاء باختصار: “إن كنتم تملكون مفاتيح الجنة فأغلقوها”.

هؤولاء لا يفهمون أن زمن التهديد، والحجر على العقل…قد ولى. وأن الانترنت – الآن- يوفر لأي شخص فرصة البحث بنفسه- شرط أن يمتلك القدرة والجراة على اعمال العقل، بدل خنقه بالاجابات الجاهزة- وبالتالي ما عاد من الممكن اعتقال وتطويق الافكار.

هؤولاء لم يكلفوا انفسهم عناء قراءة الكتاب، والرد على الحجج بالحجج، بل انخرطوا في حملة تستهدف الشخص، لا الفكر. ولعل أسباب ذلك كثيرة. يمكن اجمالها في خشية البعض من فقدان امتيازاتهم المادية والرمزية، وخوف البعض الآخر من تحطم أوهامهم-أصنامهم (البشرية والفكرية) التي نحتوها بأنفسهم، وما أنزل الله بها من سلطان.

بداية تتطلب مناقشة هذا الموضوع طرح بعض التساؤلات : هل “صحة صحيح” البخاري أمر مسلم به ؟ هل صار الكتاب منطقة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها إلا على سبيل “التبرك” ؟ هل ينبغي أن نتخلى عن مطرقة السؤال، ونتسلح ب”فضيلة” التصديق الأعمى لنقي أنفسنا “شر” التفكير” إن نحن أردنا أن نطرق باب التراث عموما، و”صحة صحيح” البخاري خصوصا؟ ثم هل البخاري شخص معصوم من الخطأ، وما كتبه؛ أو كتب بلسانه بالأحرى؛ حق لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ أليس البخاري بشرا، كأي بشر، قد يكون محقا، وقد يجانب الصواب؟ ثم إن ثبت تناقض بعض الأحاديث في “صحيح” البخاري مع القرآن الكريم هل نقبل بها، فقط لأنها وردت في “الصحيح” ؟ أليس القرآن أولى من”صحيح” البخاري؟

لا شك أن الاعتراضات على صحيح البخاري قديمة قدم الكتاب نفسه. ولا جدال في أن الإسلام لا يطلب منا الإيمان الأعمى بكل ما رووي لنا، دون إعمال العقل، بقدر ما يدعونا الله عز وجل ل :التدبر والتفكر والتعقل…

ولا جدال – عندي على الأقل – أن البخاري، في نهاية المطاف، إنسان، يخطيء ويصيب، وليس معصوما من الخطأ. وأن “مؤلفه” (إن كان كذلك فعلا أولا) له ما له، وعليه ما عليه، كأي عمل بشري لا يخلو من النقصان. (إذ الكمال وحده لله).

أما في ما يتعلق بالأحاديث الواردة في “الصحيح” والتي تتناقض مع منطوق القرآن الكريم فهي ليست نادرة. من قبيل :

  • حديث “أمرت أن أقتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى”. علما أن الله عز وجل يقول : “لا إكراه في الدين”[الآية] و “من شاء فيلومن ومن شاء فليكفر” [الآية] و ” إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا” [الآية]. ولاحظ عزيزي القارئ أن الله لم يتحدث عن أي عقاب دنيوي، بل أشار إلى عقاب موكول له حصريا، لا يشاركه فيه أي بشر.
  • حديث “بعثت بالسيف بين يدي الساعة وجعل رزقي تحت ظل رمحي”. والله عز وجل يخبرنا – خلافا للحديث- بالآتي : “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” [الآية].
  • الأحاديث المتعلقة برجم الزاني(ة) المحصن(ة)، وأحاديث الوصية، وحديث تعرض النبي (ص) للسحر، والقائمة طويلة (يمكن للقارئ أن يبحث عنها بنفسه ).

أما عن الأحاديث التي تتناقض فيما بينها، وتناقض الحس العقلي السليم فحدث عنها ولاحرج (وبضغطة زر على الحاسوب، وقليل من الجرأة على إعمال العقل يمكن للقارئ أن يتأكد من هذه الفكرة، أو يفندها).

في الختام سيقول قائل إن التشكيك في “صحة” كتاب البخاري (هذا مرة أخرى إن كان كتابه فعلا) سيؤدي إلى هدم الإسلام. أجيب ألهذا الحد تستصغرون الإسلام، وتختزلونه في مؤلف بشري، له ما له وعليه ما عليه؟

من أرشيف اسماعيل فائز:

الإرهاب المسكوت عنه: إسماعيل فائز

المسيطرون باسم الدين إسماعيل فائز – المغرب

ملف: 2 – الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي المغربي: رؤية نقدية

من المقاربة الأمنية إلى المقاربة الشمولية للحراك

القلم يواجه بالقلم لا السيف: صحيح البخاري، نهاية أسطورة

 

شاهد أيضاً

“دستورنا هو القرآن”.. خديعة تروّج لها كل الجماعات الإسلامية

الادعاء بأن القرآن دستور يخالف منطوق الخطاب القرآني نفسه لأن الخطاب القرآني الذي أطلق على …

8 تعليقات

  1. لقد حفر عميقا كتاب مفكرون أحرار في كتب التراث الإسلامي القديم وقد كان محظورا التنقيب والانتقاد فظهر دكاترة أكفياء من جمهورية مصر العربية كالشيخ محمد عبد الله نصر الملقب ميزو ومحمد شحرور وجمال البنا وسيد القمني وأحمد صبحي منصور وحامد عبد الصمد وأحمد حرقان وأكثرهم تحاملا على صحيح البخاري هو إسلام بحيري وكذا الفلسطيني عدنان إبراهيم والقبانجي وغيرهم كثير، ولعل هذا الشاب الأستاذ رشيد إيلال حمل البضاعة منهم وهي ثقيلة وخاض مع الخائضين متأثرا وكان من المتأخرين ولا جديد حمله غير أنه يمثل المغرب العربي من القلائل الذين فتحوا هذا الملف بمغربنا العربي، ومهما يكن نثمن هذا المجهود المتأخر جدا والجد متأخر وقد كنا نظن أن البخاري من التقديس وأن ما جمعه صحيح لا تشوبه شائبة وكأنه معصوم وهذا شرك في نظري وقع فيه مشايخنا أصحاب العمائم والتمائم لأغراض سياسية وتاريخية واجتماعية وحتى لا يصيب الكتب الصفراء كساد، فهي في وطننا العربي والإسلامي كثيرة الصفوف كي لا تكون حبيسة الرفوف، فالهدف تجاري أيضا على حساب التراث غير المغربل . لقد فتح القراء والفضوليون والكتاب والنقاد جميعا النافذة على مصراعيها تفكر في الموضوع الصادم الذي طالما كان لقمة دسمة لاكتها ألسن المبشرين والملحدين اتخذوها سلاحا للطعن والتجريح والتشكيك أيضا أنها من الشبهات التي أساءت للإسلام الصحيح إذ وجدوا فيه خرافات كثيرة غير معقولة ولا مقبولة فخرج دعاة جدد انتقدوا وصححدوا وما كانوا فوضويين أرادوا تصحيح العقائد الإسلامية، وكم طعن الطاعنون في عمود العقائد الإسلامية بسبب أحاديث رواها البخاري وغيره تعارض القرآن المجيد كقتل المرتد المسالم ورجم المحصن ورضاع الكبير وأن في القرآن نسخا ، وقد اعتبر مشايخ الأزهر ووهابيو المملكة العربية السعودية المفجرين صحيح البخاري الأوائل في عصرنا هذا كلاما كأثر قدمية على صفحة الرمل سرعان ما تجيئ ريح خفيفة فتزيل أثرها فلم يكترثوا ولم يردوا ، لكن تكاثرت المقالات والكتب والمحاضرات والمناظرات المرئية والمسموعة والمكتوبة لكثير من المفكرين الأحرار وكأنهم اتحدوا من خلال مواقعهم وصفحاتهم أرسلوا فيها صفعاتهم الموجعة وقد ذكرت بعضهم بغض النظر أن منهم قرآنيين وشيعة وملحدين والله بصير بالعباد ، فكلهم حلبوا في إناء واحد هو تعرية صحيح البخاري وكانت أضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير الإسلام منها. الكاتب/ ع سرحان سطيف الجزائر

  2. قد فاتني أن أذكر شخصيتين مهمتين من المفكرين في عصرنا هذا، هما الشيخ محمد الغزالي والطبيب الكاتب الفيلسوف مصطفى محمود، فكلاهما لم يستسغ بعض الأحاديث من صحيح البخاري فلم يقبلا ها في بعض الكتابات والمداخلات . عد إلى موقعهما يا قارئا لتجد التوثيق

  3. شكرا لك على هذه الاضافات القيمة. يمكن ايضا اضافة المفكر فرحان المالكي وهو سعودي. وعدنان الرفاعي المصري وغيرهم كثير…الاهم هو التشبت بالحق في السؤال والنقد والتفكير خارج الوصايات الدينية والفكرية والسياسية…

  4. مقال جدير بالاهتمام

  5. تحياتي سي رشيد

  6. اكبر دليل على بطلان هذا الكتاب الذي يسمونه ب ”صحيح البخاري” هو ان النسخة الاصلية (وان كانت بالفعل) لا وجود لها، ام انها موجودة لكن يمنع الاستعانة بها من طرف الباحثين في التراث الديني.على اي المقال رائع ونطمح بتكثيف الكتابة في مثل هذه المواضيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *