الرئيسية / منشورات / جرائد / لماذا لا يمكن أن تنتج المدرسة المغربية “نخبا” ؟

لماذا لا يمكن أن تنتج المدرسة المغربية “نخبا” ؟

رضوان أيار – كاتب مغربي

 على هامش مذكرة تدريس”اللغة الانجليزية “في السنة الرابعة ابتدائي .

و في سياق الرتبة 101  من بين 140  دولة طالها التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي حول “جودة التعليم”.

“عن الجودة و التبعية و ال”لاحول و لا قوة “..و أشياء أخرى”.

“الجودة” شعار ترفعه أي دولة عند الحديث عن أي مشروع “إصلاح” لمنظومتها التربوية، و ذلك لسببين ، الأول تدعيه-أي دولة خصوصا في العالم الثالث-إذ تصر أن نيتها خالصة و نقية، و أن هدفها  تنقية مسارات التعليم و التعلم لمواكبة التحديات العالمية، و لتنسجم المنظومة التربوية و التكوينية “المحلية”مع ما تتطلبه هوية الإنسان “الكونية”،  و من خلال تكوين مواطن يعي محيطه و يتفاعل معه، ويستدمج ما يتطلبه سوق الشغل العالمي من كفايات و مهارات. و الثاني ، و هو أقرب إلى الواقع-على الأقل في اعتقادي الشخصي-، ذلك أن خطاب الإصلاح أساسا هو تزلف من الدولة و تمسح بالغليان الفكري و السياسي و الجمعوي القائم، على اعتبار أن الجودة في الأصل هي مطلب أساسي ترفعه كل الفعاليات المدافعة عن الحق في التعليم -و تخرج من أجله إلى الشارع ،  و أشد ما تخشاه الدولة أن يخرج الناس الى الشارع للتشهير بها – ، و عن الحق في الرفع من مردودية المدرسة العمومية ، حتى لا تتركز وظيفتها في مجرد تفريخ الأمية ، و إنتاج جحافل العاطلين و المعطلين  ، و إعادة إنتاج البؤس الفكري.

يطفو تبعا لذلك خطاب “التجويد و الإصلاح” فقط كنقيض لخطاب الثورة و لامتصاص الغليان الشعبي ، و كجواب عن خطاب “التمرد” الذي يقوده في الغالب أكاديميون و باحثون في التربية و حقوقيون ، يؤمنون ب”الأكورا “كمبدأ ، و  حيث لا حق لأي كان في احتكار التصور حول “إصلاح” أنظمة أو صناديق أو قطاعات ، و احتكار الأجرأة و الفعل ، دون استشارة الآخر -و كأننا قطيع خلقنا لنصفق-..ما لا يقبله المسؤولون فعليا عن التدبير هو أن التمرد ليس سبة على كل حال..من حق أي كان أن يتمرد..التمرد موقف فكري..المتمرد ليس عنيفا بالضرورة، ليس منفلتا بالضرورة..التمرد تعبير عن موقف يوازي تطلعات صاحبه أو الفئة أو الطبقة التي ينتمي إليها و يعبر عنها، و ليس لأي كان أن يحرمه من الحق في التفكير، المتمرد يعبر عن نفوره و يأسه، و لا يقصد الاستيلاء على السلطة حتى لو كانت رمزية..انه يعبر فقط عن إمكانيات..اقتراحات..حلول للأزمة..هناك دائما استراتيجيات فكرية لإعلان التمرد..و ليس التمرد بالتالي تشهيرا بالبلد و دعوة إلى الفتنة.. لذلك عندما يسمع رجل السياسة انتقادا أو فكرة نقيض حول وضعية “التعليم” يسارع لينتج خطاب”الإصلاح” خوفا من تداعيات التمرد المحتملة..و لتهدئة الأوضاع..إن خطاب الإصلاح هو في الأصل اجتناب للانفلات، و في الانفلات مس بمواقعه أو هكذا يتصور المسألة..و الا ما مصير نتائج المشاورات التي أنفقت عليها الحكومة أموالا طائلة لتشرك في ما يشبه أفلام “ميكي ماوس” “كل الفاعلين”؟ ..ألم يكن الأمر يتعلق فقط بتطييب للخواطر .

خطاب إصلاح التعليم في المغرب هو “روتوشات” و”ماكياج” يطال ذات البنية القائمة، من جهة أخرى لإرضاء المانحين، العمالقة، لعولمة القيم و لإعداد “مستهلك الغد” و ترسيخ التبعية، و لإلجام متمردي الداخل  من الأكاديميين و علماء التربية و الباحثين و عموم المدرسين من الغيورين على المدرسة..الإصلاح هو– حتى لا ننعت بالمتحاملين- تغيير، و لكنه بطيييء..لا يعكس تطلعات الجميع..يفتقد الرؤية الشمولية و المستقبلية و إن ادعاها على مستوى الخطاب..انه تغيير في اتجاه..أو تغيير لصالح..خطاب الإصلاح يجيب على واقع الأزمة..خطاب منسجم مع ذاته و لا ينسجم و متطلبات الواقع و إرادة الناس بالضرورة..و هو ما يطرح السؤال حول مستقبل البلد في ظل مدرسة تفتقد شروط التسلق..مدرسة تحتل الرتبة 101 من بين 140  .

للإجابة دعونا ننطلق  مما صار في حكم  المسلمة، و هو أن النخب التي تراهن عليها الدولة، و التي يرتضيها المانحون تنتج خارج المدرسة العمومية، ادن “طز”على أبناء الجماهير..نخب الدولة تختارها بعناية..تسيجها، تحميها من”العين”. و انظر حولك و سترى و تسمع عن منشطي برامج تلفزيونية لم تطأ أقدامهم يوما بوابة معهد أو مدرسة للتنشيط الثقافي و التربوي ، بل إنهم  إما مستوردون من الخارج، أو موصى بهم، و هم اليوم بقاعدة جماهير تلاحق حتى حياتهم الخاصة بنهم، و هم أيضا اليوم من ينشر إيديولوجية “الاناكوندات” و رؤيتهم للعالم بوعي أو بغير وعي.  و انظر حولك و ستسمع عن صحفي لم يتملك شهادة و تكوين في الميدان إلا بعدما تملك عمودا أو استوديو ، و بعدما صار “وجها إعلاميا مرموقا” و بعدما صار سفير “النوايا الحسنة”.. و انظر حولك أيضا و ستجد نفسك أمام وزير أو مدير مؤسسة كبرى لا يحمل في سجله شهادة ماستر أو دوكتوراه أو لا يتملك حتى شهادة البكالوريا على أقل تقدير.. و ستسمع أيضا عن رؤساء جماعات يجتازون اليوم فقط امتحانات لنيل”الشهادة الابتدائية”، و ستسمع أنهم كانوا يغشون في تمارين القسمة و الأعداد العشرية…و ستسمع أيضا عن كتاب و أمناء أحزاب و شبيبات حزبية إلى حدود ليلة الجمع العام كانوا إما”نكرة” أو أنهم كانوا يتلقون تعليمهم في نقطة ما في أرض الله الواسعة..أنت لا تعرفهم ، هم يعرفونهم ..و لابد بعد كل هذا العبث ستطرح سؤال قاسيا : ” اميمتي، أين أنتجت هذه النخب بصراحة ؟ “، و لا شك ستحصل لديك قناعة بأن هنالك”منخبين “– بكسر الخاء و تشديدها – ، لا يهمهم في شئ اصلاح مدرسة الشعب ، يجتهدون فيختارون بعناية “فيثرينا البلد” و ب”بروفايلات”واضحة لديهم . و  ستحصل لديك قناعة أيضا بأنه لا يمكن أن نطالب بإصلاح المدرسة العمومية باعتبارها مشتلا لنخب المستقبل ، و لا أن نناضل ضد”التنخيب”، و ضد إغراق البلد بكوادر هجينة و استبعاد الطاقات من الأحزاب و النقاابات و المؤسسات الجامعية و المناصب العليا بتعداد “المنخبين”و”المنخبين”_بفتح الخاء في الأولى و كسرها مع التشديد في الثانية _ و بتتبع مسارات”تنخيبهم”، و لا بتتبع شبكة البنوة و المصاهرة و الزبونية..و لا حتى أكاديميا بتتبع جغرافية مفهوم “النخبة” و تاريخه، ذلك لأننا و نحن نستنزف الوقت لإعداد عدتنا للفهم و الفضح، تنتج المدرسة و المجتمع من جهة “جيشا احتياطيا” من الأميين و الفقراء مستعدون لخدمة “النخب الجديدة” و “القديمة” معا و التصفيق لها، و جيشا من الجلادين المستقبليين مستعد لتكسير الجماجم و الأطراف من أجل البقاء على قيد الحياة ، و في ذات الوقت تجتهد الدولة_أي دولة_ من جهتها لإنتاج “نخبها” المستعدة لتكرار التاريخ حماية لمصالحها، لكن دائما في مكان ما خارج المدرسة و خارج الحزب و النقابة..و لا يمكن أن نناضل ضد”التنخيب”إن لم نولي وجهنا شطر فضح تقنيات و مناهج “التنخيب” و تقنيات “الاستبعاد” الملازمة له جدليا، و إن لم نساهم في فضح تكالب خطاب إصلاح المدرسة العمومية.

هل يمكن الحديث عن إصلاح للتعليم في مجتمعات الفقر المادي كقاطرة لتقدمها، و هل يمكن مطالبة الحكومة_أي حكومة_ بحماية و تأمين مستقبل بلد ما من خلال إصلاح التعليم ؟ تبعا لما سبق و بما أن الدولة لا تراهن على المدرسة العمومية ربما سيكون ذلك ضربا من العبث..فالحكومة_أي حكومة_ لا تملك قرار نفسها، إنها رهينة الدولة– و الدولة ليست هي الحكومة بالطبع على الأقل في اعتقادي الشخصي- ، و رهينة خطط و خطاطات “أفاعي الداخل” و “أنوكدات الخارج”.. البنك الدولي و الدول المانحة و صندوق النقد الدولي لا يقترحون مجانا ، أفقهم واضح و كلامهم مسموع..لذلك تفقد الحكومة هيبتها في علاقتها بالناس و لو تشكلت من”كاريزمات”إلى أمس قريب كانت مرجعا في”النبل”..ذلك لأنها بفعل ضغط و تراكم الأزمات.. كي تصالح الأفاعي و “الأناكوندات” تنكسر بكامل ثقل”ديونها” و مشاريعها على جماجم الناس.

في الولايات المتحدة ، البلد الذي يوصف ب”القائد” و “الشرطي ” و ب”البلد المتحضر “يقول”بيتر سكوت”، ليست الحكومة هي الحاكمة فعلا لا في البلد و لا في السياسة الخارجية ، فإلى جانب المنتخبين ديمقراطيا، إلى جانب المؤسسات التي ينظمها الدستور، هناك دائما قوى تقبل و ترفض و يطلب رأيها قبل المنتخبين و قبل الشعب، هذه القوى مبثوثة داخل  كل الأحزاب و المؤسسات، و هي لوبيات الاغتناء و التفقير، لوبيات العقار و القمار و تجار “العمالة الجنسية”، وعصابات الجريمة و تجار الحروب، هؤلاء لا يوجدون كلهم داخل الحكومة الأمريكية-أو أي حكومة-، لكن مع ذلك هم من قرر ضرب أفغانستان و العراق ، و هم من يقرر في كل بلد -وفق شروطهم- إصلاح التعليم و الصحة و الجمارك و السياسة الضريبية. هذه القوى تنسل من “البوابات الخلفية” لفرض الأمر الواقع، لفرض “متى و كيف نصلح ما نود إصلاحه”، حيث تبدو الحكومة “متلعثمة” و مترددة تترقب الكلمة الحسم من القوى اللامرئية التي تحكم فعلا…حسب”بيتر سكون”في تركيا كما في أمريكا– و في كل بلاد الله- يتعلق الأمر بشبكات موازية تشكل المطلق الذي يحسم النقاشات و القضايا ، في حين تكون الحكومة و “البرلمان” واجهة تجس نبض الشعوب و تمتص الصدمات لا أكثر.. لا أكثر

من أرشيف الكاتب رضوان أيار:

الحلم ساحة عراك طبقي ـ رضوان أيار

كيف تنشأ الشعبوية.. و على يد من تموت ؟

شاهد أيضاً

« اليوم العالمي للفلسفة »: نحو أَسْطرَة الفلسفة

 عثمان لكعشمي، باحث في الفلسفة والسوسيولوجيا  « لا يبقى للمثقف إلا الانخراط في شبكات مقاومة …

3 تعليقات

  1. المقال رائع و جيد ، تحية خالصة على هذه الأفكار الجوهرية الثاقبة.

  2. مقال جميل جدا. تحية خالصة على هذه الأفكار الجوهرية.

  3. حقيقة الأمر اننا نسمع مجموعة من المفاهيم تبدوا لنا منذ الوهلة الأولى انها جديدة لكننا سرعان ما نستعين بها في حياتنا اليومية دون أن نضع لها بحث أو أو أو و إذا آقحمناها ضمن تساؤل نجد أنفسنا عاجزين عن التعريف بها. بمعنى اننا نعاني من أزمة مفاهيم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *