الرئيسية / منشورات / كتب / الجابري وطه: “صراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية”

الجابري وطه: “صراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية”

جيهان نجيب / باحثة مغربية

أول ما يلفت الانتباه أثناء تصفحي لكتاب “طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري، {صراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية}”[1] للباحث عبد النبي الحري هو عنوانه في حد ذاته والذي يكشف عن اهتمام الباحث بدراسة رائدين لطالما شغلا الدرس الفلسفي المعاصر،  والمكتبة العربية هي تزخر بالدراسات التي تناولت كل من الجابري وطه عبد الرحمن إما احتفاءا به أو نقدا أو  تقويضا وهذا ما دفعني للتساؤل عن ماهي الإضافة التي يمكن أن يقدمها الباحث الحري للساحة الفكرية العربية بكتابه هذا؟

ومن خلال قراءة موضوعية بعين نقدية للكتاب لاحظت، أن طبيعة المنهج الموظف وطبيعة الاشتغال الفلسفي المنهجي الصارم الذي اقترحه الدكتور عبد النبي الحري لنفسه يختلف عن باقي الدراسات التي سبق أن أقيمت حول مشروعي الجابري وعبد الرحمن. وهذا يظهر من خلال كيفية تقسيم الفصول وأقسام الكتاب، حيث تم الالتزام من منظور منهجي، ببيان الخطوط العريضة في تقويم التراث لكل من الدكتور الجابري والدكتور طه عبد الرحمن بصفة عامة مع التركيز على المتن الرشدي من قبل الباحث الحري بصفة خاصة في كتابه، ولقد اعتبر هذا المتن الرشدي حسب الباحث الحري من أبرز القضايا الخلافية القائمة بين طه والجابري، وكما اصطلح عليه الباحث الحري بصراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية، فهذه قضية تبرز تصورين مختلفين يصلان إلى حد التناقض في دراسة التراث وتقويمه، وهذا يظهر من خلال عناوين أقسام الكتاب.

فلقد عنون القسم الأول من كتابه، “بمحمد عابد الجابري أو الرشدية مفتاح التقدم العربي”، والقسم الثاني  “بطه عبد الرحمن ومحاولة تحرير الفكر العربي من قبضة الرشدية”، مما يعبر بالفعل أن هناك قراءة فكرية تعبر عن موقف انفعالي حاد بين مشروعين فكريين وهذا يدفع القارئ للتورط في قراءة   الكتاب قراءة سيكولوجية، لأن مؤلفه، يدفعك اضطرارا في بعض اللحظات إلى الاعتقاد أن الصراع القائم بين طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري خلفياته سيكولوجية أكثر منها فكرية، إذا لم نركز على متن الكتاب ونصوصه والتي تكشف عن قراءة مفهومية، نظرا لما يمكن ملاحظته من تعابير التكرار لمصطلح الإيديولوجية لفظا ومفهوما.

  • الإيديولوجية:

من خلال قراءتنا المتواضعة لمتن كتاب الباحث عبد النبي الحري نستخلص أن تعريف الايديولوجية، هي قراءة فكرية تعبر عن موقف انفعالي حاد بما فيها من معتقدات وأفكار التي تؤثر على نظرتنا للعالم، ونستطيع أن نقول أنها مجموعة من القيم والمشاعر التي نتمسك بها بشكل كبير لخدمة مشروع تقافي وسياسي واجتماعي.

ولتوضيح ذلك، نشير إلى أن الباحث في كتابه يؤكد في أكثر من موضع على درجة الانفعالية والحدية عند الجابري وطه عبد الرحمن، فكلما أكد الأول على فكرة نجد الثاني يعاكسها والدليل على ذلك أن الجابري قدم قراءة إيديولوجية للتراث قسمه إلى تلاث دوائر وهي حسب الأهمية، البرهان والبيان والعرفان، فكان رد طه عبد الرحمن أن قسم التراث تقسيما ثلاثيا أيضا وهو العقل المجرد والعقل المسدد والعقل المؤيد، فما يدل عليه الجابري بالبرهان يدل عليه طه عبد الرحمن بالعقل المجرد وما يسميه الجابري البيان يسميه طه  عبد الرحمن العقل المسدد وما ينعته الجابري بالعرفان، ينعته طه بالعقل المؤيد.[2]

مما دفع بالباحث عبد النبي الحري، إلى استخلاص أن طه عبد الرحمن سقط في فخ قراءة الجابري الأيديولوجية للتراث عموما، والتراث الرشدي خصوصا، كما يفترض أن المشروع الفكري عند طه، ليس في حقيقة الأمر إلا المشروع الفكري للجابري مقلوبا، فما يقوم الجابري بالإعلاء من شأنه يقوم طه عبد الرحمن بالحط من قيمته، والعكس بالعكس.[3]

إن هذا التقسيم وظفه كل واحد منهما بالطريقة التي تناسبه وتخدم أغراضه فوضع الجابري البرهان في مرتبة أعلى تحتل فيه الرشدية الصدارة ومكانة الشرف ودونه البيان، ودونه البرهان.

وإذا كان طه والجابري يشتركان في نفس الهدف والغاية إلا أن الوسيلة عندهم تختلف حيث يشير الباحث عبد النبي الحري، أن الجابري يقترح إحياء البرهانية الرشدية كحل لمواجهة التيارات المتشددة وأن طه عبد الرحمن يميل إلى احياء العرفان السني المغربي لمواجهة أيضا التيارات المتشددة العنيفة.[4] وهنا نلاحظ أن الباحث عبد النبي الحري وضع لنفسه حجاب بينه وبين الرجلين، {طه عبد الرحمن والجابري}، وكأنه وضع لنفسه خطا محايدا أخفى به تحيزاته الفكرية التي تكاد تنكشف بين سطور الكتاب، إنه حجاب يتستر من وراءه ويخفي به تأييده من جهة لبعض المسائل عند الجابري ومعارضته له في مسائل أخرى ونفس الأمر مع طه عبد الرحمن، حيث الاهتمام بمقاربة الجابري هي ما يصلح لنا اليوم والكاتب لا يخفي تأييده لهذا الرأي والذليل على ذلك هو وقوفه في محطات كثيرة عند هذا الاعجاب الكبير الذي كشف عنه الجابري لابن رشد والثناء والمدح الكبير، غير أن حجابه هذا ليس بالأمر السلبي مادام اختط الباحث لنفسه مقاربة منهجية صارمة ووقفة موضوعة في تعامله مع المشروعين، وصرامته الموضوعية هذه تظهر في استنكاره نوعا ما لهذا الاعجاب المبالغ فيه من قبل الجابري واحتفاءه بالرشدية وهو موقف يشاطره فيه الباحث عبد النبي الحري مجموعة من الباحثين من بينهم سالم يافوت، محمد وقيدي…وغيرهم، ولقد استعان بهم الكاتب كحجة  في تأكيد نقده للجابري ويرى هؤلاء الباحثين أن هذا الاعجاب هو مشحون بدوافع إيديولوجية، تسيطر على الجابري وتجعله منخرطا في قضية النهضة القومية العربية، مما دفع بالباحث عبد النبي الحري إلى أن يقف وقفة نقدية موجهة للجابري، باعتباره قد غيب من وسائل النقد المنهجية للرشدية وتوظيفه في صراعات إيديولوجية، لا علاقة لها بابن رشد وبالسياق التاريخي الذي ظهر فيه، وهذا ما جعل الكاتب عبد النبي الحري يؤكد على مسألة تغييب قواعد الصناعة الفلسفية، التي تقتضي الحديث عن ابن رشد من أجل ذاته بعيدا عن الإيديولوجية.

أما بخصوص طه عبد الرحمن، فلاحظت استناد الباحث عبد النبي الحري إلى لمسة الطهاوي ومتابعته لمشروعه النقدي وانطلاقا منها اختط الكاتب لنفسه موقف طه من الرشدية.

ومن القضايا التي انتقدها طه وعابها على الجابري نجد:

أولا: تفضيل الجابري البرهان على حساب البيان والعرفان، مثل ابستمولوجية جون بياجي وغاستون باشلار، وهي آليات حسب طه قد وقعت في خطأ التفاوت بين القصد والفعل حيث، محاولة تبيئتها في تربة غير مهيئة بعد لهاته الآليات. ويؤكد الباحث عبد النبي الحري هنا أن مسألة المفاضلة الذي عاب طه بها هنا على الجابري، مارسها طه عبد الرحمن نفسه، فكما سبقت الاشارة، إذا احتل ابن رشد المرتبة الأعلى من العقلانية عند الجابري، فطه جعله في المرتبة الأدنى معطيا الأولوية بذلك للخلدونية واضعا الغزالي في مرتبة أقرب إلى البرهان معتبرا إياه أنه تمسك بالمنطق الأرسطي مثل ابن رشد.

وبالتالي ما يحكم المشروعين هو البعد الإيديولوجي، وهذه هي خلاصة الباحث الحري في هذا المقام، معتبرا أنه إذا كان الجابري يذهب إلى الاستعانة بالرشدية كملاذ وحيد لتوظيفه في النهوض بالتراث من أجل بناء مستقبل قومي عربي وهي مسألة لا يخفيها الجابري عن قراءه، فإن طه عبد الرحمن يخفي هذا البعد الإيديولوجي عن قراءه، وإن كانت هذه الإيديولوجية تعكس هموم مفكرينا طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري بواقعهم المغربي والرغبة في الاصلاح، وهذا ما سيكون مركز حديثنا في الفقرات الموالية:

  • القراءة المفهومية للإيديولوجية:

يوضح الباحث عبد النبي الحري أن الصراع الإيديولوجي ارتبط بالنسبة للجابري بالحديث عن معظم أشكال الصراع السياسي في المغرب الأقصى لا من موقع المتتبع فقط أو المهتم بقضايا سياسية، بل من موقع المنخرط المتحزب لطرف معين من أطراف هذا الصراع.[5]

ولقد انعكس هذا المشهد السياسي على واقع الجامعة المغربية إبان بداية سبعينيات القرن الماضي، حيث كان اليسار في المغرب قد بلغ أوجه حضوره النضالي والسياسي، وذهب إلى توظيف الحركة الطلابية والنخبة الجامعية في بلورة إيديولوجية تغييرية معينة.

في هذا السياق يشير الباحث عبد النبي الحري إلى أن الجابري خاض صراعا مزدوجا، على الصعيدين السياسي والفكري، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنه يوظف الفلسفة توظيفا سياسيا، وبمعنى أدق، وظف الفلسفة الرشدية توظيفا أيديولوجيا لفرض ترتيب معين للعلاقة بين الديني والاجتماعي يتلاءم مع اختياراته الفكرية والسياسية التي يصفها بالحداثة والتقدمية.[6] وانطلاقا من هذا الطرح، يظهر الأستاذ الجابري، كأستاذ جامعي باعتباره في المقام الأول مناضلا في صفوف  الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، غير أن نضاله سيكون فلسفيا من داخل الجامعة، وذلك بالرغبة في إنتاج مشروع فكري يجيب عن أسئلة اليسار المغربي في السياسة والدين والاجتماع يتلاءم مع اختياراته الفكرية والسياسية التي يصفها بالحداثة والتقدمية، حيث أن هذا الانشغال السياسي الملتبس بالصراع سيلقي بظلاله على مشروعه الفكري معلنا هو مواجهته الصارمة ضد كل اشكال الظلامية و الرجعية و التخلف مدافعا عن اختياراته الفكرية و السياسية المختزلة في الحداثة و التقدمية.[7]

فإذا كان الجابري حسب الدكتور عبد النبي الحري يفسر المشروع الرشدي تفسيرا سياسيا

و يوظفه توظيفا سياسيا في الصراعات المعاصرة[8] مؤطرا المئات من الطلبة و موجها النخبة الجامعية، فإن طه عبد  الرحمان كان له في  المرصاد في الساحة السياسية ذاتها و موجها أيضا المئات من الطلبة مخلفا تأثيرا على جيل من الباحثين فتوجهت بالتالي الفلسفة الرشدية طابعا جداليا و صراعيا بالنظر الى زمان أوج اليسار السبعيني و لا مجال  لتدفق أفكار و الصراع على النخب المثقفة إلا في فضاء الجامعة و هذا ما يوضحه الباحث عبد النبي الحري، بالقول، “لقد شارك الجابري في الندوة التي قدم فيها طه أطروحته هذه عن ابن رشد حيث عرض أطروحة مناقضة تماما تصور فيلسوف مراكش و قرطبة كمفتاح لتحررنا و تقدمنا لا كمفتاح أغلق كل أبواب الاجتهاد عندنا و فتحها عند غيرنا.”[9] و يضيف، “لا أقول أوافق الأستاذ على ما ذهب إليه و لا أقول أيضا إني أخالفه في ذلك.”[10]

إن نقطة الخلاف القائمة بين الجابري و طه عبد الرحمان هو ابن رشد و هو ما دفع الأستاذ عبد النبي الحري يذهب للقول إن اعجاب الجابري  بالرشدية فهو مبرر نظرا لما رأى فيه من مفتاح لحل مشكلة الانسان العربي بعامة و الانسان المغربي بخاصة كما يعتقد الجابري غير أن هذا الاعجاب ليس موضوعيا بمعنى يقتضي من الجابري توظيف قيم ومبادئ الرشدية بما فيها العقلانية و البرهانية إنه اعجاب يعبر عن مدى حضور المحاسن في المعجب به و عدم الالتفات إلى القبائح و إن وجدت و هي باعتبارها حالة نفسية، يوضح الباحث  عبد النبي الحري أنها مغطاة بغطاء التفكير الفلسفي تؤكد ذلك الجانب النفسي من الاعجاب الذي يؤكد فيه الجابري فكرة الفيلسوف المخلص ابن رشد الذي يجسد مفتاح تحررنا .

وكان من نتائج هذا الاعجاب كما يبين الباحث عبد النبي الحري أن الجابري عطل كل الآليات المنطقية في النقد و الاستدلال ولم يفكر فلسفيا في موضوع الرشدية و ما يقتديه الاشتغال الفلسفي من نقد وهي لطالما شكلت وصية منهجية بالنسبة للجابري بل ذهب تفكيره الى الأيدولوجية، و هو يصرح بذلك بشكل واضح، مع العلم أنه استثمر الآليات القياسية بين الرشدية و الديكارتية و التجريبية.[11]

و ما يثير الاستغراب أن الباحث عبد النبي الحري أشار إلى أن الجابري وصل إلى درجة الاعجاب بابن رشد، بالشكل الذي ذهب به إلى مخالفة مقتضيات الاشتغال الفلسفي و الفكري، و تذهب بالجابري الى الأيدولوجية، وهذا الاعجاب النفسي لا يمكن أن تجد تفسيره إلا في الأيدولوجية وحدها، يقول الباحث عبد النبي الحري، “إن اعجاب الجابري الكبير بابن رشد لا يشابهه إلا اعجاب أبي الوليد بأرسطو طاليس مع فارق واضح وهو أن اعجاب فيلسوف قرطبة بأرسطو كانت دوافعه فلسفية صرفة في حين أن اعجاب الجابري بابن رشد لا يجد تفسيره إلا في الأيدولوجية وحدها”[12]

لعل هذا الطرح يعكس لنا اهتمام الجابري بهموم واقعه المغربي و التفكير فيه، فهو يريد أن يقدم مشروعا فقهيا، واجتهاديا جديدا وفق الروح الرشدية العقلانية لحل الجمود الفقهي الذي يعلي منه العقل العربي، حيث يعتقد الجابري إن صلتنا بذلك المضمون الأيديولوجي مستمرة لم تنقطع يوما فالسينوية و الغزالية و الحنبلية ….الخ، ما تزال حية قائمة بل و مهيمنة و بها يفسر كل النزعات الرجعية و الظلامية المهيمنة على الساحات الفقهية و الثقافية و الفكرية في العالم الاسلامي اليوم. هذه النزعات التي تشدنا الى الخلف و الوراء و إلى التخلف و الانحطاط لا يمكننا القطيعة معها إلا إذا تسلحنا بسلاح الرشدية فهي مفتاح تقدمنا و تحررنا على المستويات كافة الفلسفية و العلمية و الدينية.[13]

إن هاجس الجابري في اصلاح واقعه المجتمعي خصوصا بعد اشتداد الطلب على ضبط العلاقة بين الدين و المجتمع إثر ما شهده العالم السلامي من تطورات سياسية إبان أواخر السبعينيات من القرن الماضي خصوصا بعد الثورة الاسلامية في ايران، فقد أصبح الاسلام حاضرا بشكل واضح و صريح في ميدان الصراع السياسي و الاجتماعي و بما أن الجابري فاعل سياسي بالدرجة الأولى فقد قدر له حسب الباحث عبد النبي الحري أن يشهد معظم  أشكال الصراع السياسي  في المغرب  الأقصى، لا من موقع المهتم أو المتتبع فقط، بل من موقع المنخرط المتحزب لطرف معين من أطراف هذا الصراع.

إن الجابري، إزاء هذا الوضع لا يفكر كفيلسوف بل كمناضل ينتمي إلى حزب سياسي ملزم بتوضيح العلاقة القائمة بين الدين و المجتمع و الدين و السياسة.

إن الجابري حسب الباحث عبد النبي الحري نظر إلى ابن رشد كمصلح سياسي يقدم نقدا لواقع المغرب السياسي نيابة عن المغاربة.

إن السؤال الذي طرحه الجابري من أين نريد الانتقال إلى الديموقراطية ؟

لاحظ الأستاذ الحري أنه يجد جوابه ماضيا و حاضرا في مفهوم الدولة المركبة كما دلنا على ذلك ابن رشد.[14] و يقول ذلك في موضع آخر، “هكذا يجزم الجابري بشكل قاطع أن مقاربة اشكالية الانتقال الديموقراطي بالمغرب لا يمكن أن تتم إلا انطلاقا من القول التراثي الرشدي أولا و الخلدوني ثانيا ولا ثالث لهما”. [15]

إن ما يمكن ملاحظته من خلال ما وضحه الباحث عبد النبي الحري، أن الجابري يقرأ التراث و يفسره تفسيرا أيديولوجيا، بغرض الكشف عن المضامين الأيدولوجية التي تتسم بالقابلية للحياة في زمن الماضي  والحاضر و المستقبل، و هذه الاستمرارية مصدرها الصراع على السلطة المصاحب لكل حياة سياسية لذلك، عمل الجابري على التمييز بين المضمون الأيديولوجي و المضمون المعرفي بقصد الامساك بالمضمون الأول و اهمال المضمون الثاني باعتباره حسب الباحث عبد النبي الحري مستمر و لا ينقطع. يقول الباحث الحري، “إن الجابري يعتقد أن صلتنا بذلك المضمون الأيديولوجي مستمرة لم تنقطع يوما فالسينوية و الغزالية و الحنبلية …الخ ما تزال حية قائمة بل و مهيمنة و بها يفسر كل النزعات الرجعية و الظلامية المهيمنة على الساحات الفقهية و الثقافية و الفكرية في العالم الاسلامي اليوم.”[16]

إن هذه النزعات، يوضح الباحث عبد النبي الحري أنها تشدنا إلى الخلف والوراء، إلى التخلف والانحطاط، ولا يمكننا القطيعة معها، إلا إذا تسلحنا بسلاح الرشدية فهي مفتاح تقدمنا و تحررنا على المستويات كافة، الفلسفية العلمية و الدينية من منظور الجابري.[17]

  • الصراع الأيديولوجي بين الجابري و عبد الرحمان :

لعل ما تعكسه قراءتي لمتن و محتوى الكتاب، للباحث عبد النبي الحري هو حديثه عن صراع أيديولوجي باعتبارها صناعة فكرية من لدن طه عبد الرحمان في مقابل أيدولوجية الجابري و يبدو جليا أن مشروع طه جاء كرد فعل على مشروع الجابري، و يظهر هذا واضحا من خلال رفع الجابري من مكانة ابن رشد مما عاكسه طه بالتقليل من قيمته و مكانته، هذا من جهة و من جهة ثانية، نجد أن عالم المنطق طه عبد الرحمان استثمر كل خبرته المنطقية من آليات منهجية منطقية لتقويض الرؤية الفكرية الفلسفية للجابري في التراث و هذا ما جعل طه يسقط في الأيدولوجية و يكون ضحية  لها، فمبالغته في نقد الرشدية وهو نقد في حد ذاته لقارئ ابن رشد، الجابري نفسه، جعله  يسخر مجهوده العلمي بنقله إلى دائرة الأيدولوجية وصولا بذلك الى مهاجمة الجابري. مع العلم أن ما يقتضيه  الاشتغال الفلسفي  حسب الباحث  عبد النبي الحري  هو نقد ابن رشد لأجل نفسه و ليس تسخيره  للعبة الأيدولوجية.

فالجابري وظف ابن رشد أيديولوجيا وطه أيضا و هكذا أصبح كل منهما يرسل سهام نقده للأخر من وراء أكمة ابن رشد.

يتبين إذن، أن ما يشترك فيه طه عبد الرحمان مع الجابري هو القراءة الأيدولوجية، و يشير البحث عبد النبي الحري أن طه عبد الرحمان سقط في فخ  قراءة الجابري الأيدولوجية للتراث عموما و التراث الرشدي خصوصا. فسلك مسلكا أيديولوجيا مضادا للجابري، مما دفعه للقول أن المشروع الفكري عند طه ليس في حقيقة الأمر إلا المشروع الفكري الجابري مقلوبا،  فما يقوم الجابري بالإعلاء من شأنه، يقوم طه عبد الرحمن  بالحط من قيمته و العكس بالعكس.”[18]

إن طرحنا هذا يعكس مسألة أساسية، هي أن ما جمع بين طه عبد الرحمن و الجابري ليس الحوار البناء القائم على مقتضيات و شروط التفلسف الموضوعي، فهما  لم يتحاورا في لقاء مباشر سوى مرة واحدة و يطغى عليها النزاع بسبب اختيارات كل واحد منهما[19]، فما يتبناه طه عبد الرحمن لا يهم الجابري بقدر ما يصر على مواصلة رحلته الأيدولوجية مع ابن رشد مدافعا  بعنف عن رؤيته هذا ومقفلا الباب أمام أي اجتهاد، و يتجاوز به الرشدية في إطار إيجاد الأفضل و الأحسن، فيقابله أيضا طه بأيديولوجية مضادة منفعلة تهاجم أطروحة الجابري أكان ذلك بشكل مباشر أم ضمني.

إن الاختلاف بين طه و الجابري يمكن فهمه في بعده الفكري و الرغبة القوية، في الدعوة في الاصلاح و الذي يبررها هو غيرة مفكرين على واقع مجتمعهم. فمن البديهي أن يكون الصراع و تنافس في إطار إيجاد  أفضل الحلول لكن، قد نختلف مع الجابري خصوصا لأنه لم يقدم نموذج في الحوار الفكري الرصين الذي يسهم في اغناء الفكر النقدي بقدر ما أنه انغلق على نفسه، و يظهر ذلك في تجاهل الجابري اجتهادات الباحثين في المسألة الرشدية حسب الباحث عبد النبي الحري مواصلا الدفاع عن أطروحته القائلة بأن الرشدية هي ما يصلح لنا اليوم و هذا العنف سيستمر مع طه عبد الرحمان من خلال مهاجمته للجابري كلما أقدم على مبادرة فكرية معينة .

إنها حالة تشبه الصراع اليومي السياسي بين القادة السياسيين المتصارعين على السلطة الذين يتصفون بالمناورة و الهجوم الغير المبرر أحيانا وهذه الأيدولوجية في حد ذاتها تختزل في الصراع لا طائل منه غير أن ما يجب عدم اغفاله هنا هو أنه بالإضافة إلى الصراع الأيديولوجي القائم بين الجابري و طه، بحيث يعمل كل واحد فيهم بتقويض منتوج الآخر، حيث نجد الجابري يخوض مواجهات أيدولوجية مع أفكار أخرى حيث نجد الجابري نفسه أمام استمرارية الهيمنة العقدية للفرقة الكلامية التي بسطت نفوذها على العالم الاسلامي قبل زمن ابن رشد إلى اليوم، وهي الأشعرية التي لن يجد سلاحا قادرا على تفكيك بنيتها و تحليل طريقتها في اتباث العقائد الاسلامية و يكشف عن تهافتها من الناحية المنطقية و تخالف منهج الشارع في اتباث العقائد الاسلامية إلا بسلاح الرشدية التي تتعارض معها.[20]

كما أن طه عبد الرحمن لا يواجه الجابري فقط بل يواجه أفكار أخرى تقف بالمرصاد لأيديولوجيته، فهو حسب الباحث عبد النبي الحري منخرط في مواجهة النزعات الشاذة المتطرفة بإحياء العرفان المغربي الذي يمثل أفضل ما في الثقافة الاسلامية. يقول، “إذا كان الجابري يقوم بمواجهة التيارات المتشددة و العنيفة التي تبرز اليوم في الساحة العربية المعاصرة بإحياء البرهانية الرشدية فإن طه يعتقد أنه لا يمكن مواجهة هذه النزعات الشاذة إلا بإحياء العرفان السني المغربي الذي يمثل  أفضل ما في الثقافة الاسلامية كما يمثل أصالة العطاء المغربي الذي يسهل احياءه و استئنافه ما دامت أسباب الابداع متوفرة فيه أكثر من الفلسفة الرشدية الموغلة في كل أصناف التقليد و الجمود”.[21]

خلاصة:

من المعلوم أن مشروع طه هو مشروع معاكس تماما لمشروع الجابري ونقطة الالتقاء الأساسية التصادمية، هي ابن رشد.

فإذا كان الجابري يبني صنما كبيرا لابن رشد ويعتبره هو المفتاح السحري لحل جميع المشاكل التي تعترض الفكر العربي المعاصر على اعتبار أن الروح الرشدية هي روح ما أحوجنا إليها اليوم وأن الرشدية هي معيار تقدمنا وتحررنا وأن ما يوجد في تراثنا لا يمكن أن يكون إلا رشديا وأن كل ما هو غير رشدي هو الظلامية بعينه والتخلف والانحطاط.

فالروح الرشدية قادرة على أن تلهمنا بالحلول الكفيلة لحل مشاكلنا، هذا الصنم الكبير الذي بناه الأستاذ الجابري رحمه الله لابن رشد حاول طه، بمختلف الوسائل والآليات إلى تقويضه، فإذا كانت الرشدية هي معيار التقدم والاجتهاد والإبداع فهي بالنسبة لطه عبد الرحمن العكس تماما، فابن رشد مقلد في كل شيء، مقلد في الفقه، في الفلسفة، في علم الكلام…إلخ، فابن رشد هو ذلك المزلاج الذي أغلق كل أبواب الاجتهاد في الثقافة العربية الإسلامية، فابن رشد كان مقلدا لأرسطو، وحاول أن يخلص الفلسفة الاسلامية ومن كل الاجتهادات والإضافات التي قدمها ابن سينا والفارابي بشكل خاص وأن يعيدها لنصها الأرسطي الأصلي، كما أنه دعا الناس بأن تلتزم بظاهر النصوص وأن يلتزموا بالتقليد وأن يبتعدوا عن كل التجديدات والبدع التي جاء بها علماء الكلام.

وانطلاقا من كل هذا يرى طه عبد الرحمن أن ابن رشد لسنا في حاجة إليه، وأن كل ما يقال حول ابن رشد وأهميته هو مجرد ضجة فكرية وإعلامية ولن تفيدنا، فابن رشد بالنسبة لطه لن يكون مفيدا لنا، كان مفيدا لغيرنا، {الغرب}، وهنا يطرح سؤال طبعا، كيف يمكن لابن رشد، وهو منا أن يكون مفيدا بالنسبة لغيرنا وألا يكون مفيدا بالنسبة لنا؟ وهذا سؤال يمكن أن يشكل أرضية حسب الباحث عبد النبي الحري لنقاش مطول مع أطروحة طه عبد الرحمن.

إذن، يظهر أن التوتر المركزي بين طه عبد الرحمن والجابري هو ابن رشد، وهي أرضية للنقاش والحوار كما أنها مجرد بداية للبحث حسب الباحث عبد النبي الحري ومجرد فرضيات، وأعتقد أن النقاش والنقد المستمر من شأنه أن يغني هذه الأطروحة ويساعد على تطويرها ومن شأنه أن يسلط الأضواء على بعض الأمور التي تحتاج فعلا لمزيد من إعادة النظر.

من أرشيف جيهان نجيب:

قواعد العشق الأربعون

اشكالية الحداثة بين العروي والجابري

القطيعة الإبستمولوجية عند غاستون باشلار

نقد، نقد العقل البرهاني العربي لمحمد عابد الجابري / الجزء الثالث

 نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الثاني

  نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الأول

معركة الحريات الفردية في المغرب

الفلسفة المنفتحة عند غاستون باشلار

ما بين الأصالة وقيم الحداثة

عبد الله العروي في محكمة النقد عند الجابري

قراءة في كتاب: الجابري وطه صراع: مشروعين على أرضية الحكمة الرشدية

هوامش:

[1]  الحري، عبد النبي “طه عبد الرحمن ومحمد عابد الجابري: صراع المشروعين على أرض الحكمة الرشدية”، منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر الطبعة الأولى، بيروت، 2014م

[2]   نفسه ص 178-179

[3]  نفسه ص 178

[4]  نفسه ص 184

[5]  نفسه ص 56

[6]   نفسه ص 57

[7]  نفسه ص 57

[8]  نفسه ص 57

[9]   نفسه ص 140

[10]   نفسه ص 140

[11]   نفسه ص 27

[12]  نفسه  ص 23

[13]   نفسه ص 48

[14]   نفسه ص 95

[15]   نفسه ص 95

[16]   نفسه ص 48

[17]   نفسه ص 48

[18]   نفسه ص 178

[19]   نفسه ص 141- 142- 143

[20]   نفسه ص 51- 52

[21]   نفسه ص 184

شاهد أيضاً

« اليوم العالمي للفلسفة »: نحو أَسْطرَة الفلسفة

 عثمان لكعشمي، باحث في الفلسفة والسوسيولوجيا  « لا يبقى للمثقف إلا الانخراط في شبكات مقاومة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *