الرئيسية / تربية و تعليم / مفاهيم / سورة “النساء” و النساء..

سورة “النساء” و النساء..

يوسف بن المكي – المغرب

من أجمل ما قرأت مؤخراً، نص للكاتب إبراهيم الفتاحي مفاده “إنني مقتنع بأن الخطاب القرآني هو نص تاريخي خضع لشروط الفترة التي جاء فيها، لكنني أخاطب البنية الذهنية التي تجتث شروط الحاضر وتغرس مكانها شروط الماضي، فتعيق حركة التاريخ والمجتمع.” لو تمعن معي القارئ في هذا النص سيجد فكرته الرئيسة تقول بـأنه إن كان النص القرآني نصا دينيا نزل منذ ما ينيف عن 14 قرنا وهو حامل لرسالة تشريعية فإن هذه الرسالة هي ما يجب أن يظل على طول هذه القرون وليس فهمها وتفسيرها الذي كان خلال القرنين الأول والثاني، فما دام النص نصا سماويا موجها للجميع فلا يحق لأحد أن يحتكر فهمه ويمنع غيره، وهذا عين الصواب، إذ من الحيف والجور أن يفرض عليك إنسان القرن السابع الميلادي تشريعاته التي توصل إليها فهمه الخاص بناء على ظروفه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهي ظروف غير التي تحكمنا الآن، وعليه فالفهم العقلي للرسالة السماوية “القرآن” يتجدد من جيل لآخر. يمكن أن نجمل هذه الفكرة في كلمة واحدة عبر عنها طوماس كوهن بالبراديغم Paradigme  ، والتي يتحدد معناها وفق المنظور النفسي والسوسيولوجي في التعريف التالي: “إنه مختلف التجارب والاعتقادات والقيم التي تحدد الطريقة التي يدرك بها الفرد الواقع، وكذا الطريقة التي يستجيب بها لهذا الإدراك”. من هنا يمكن القول أن براديغم إنسان القرن الأول الهجري يختلف بالضرورة عن براديغم الإنسان المعاصر، فلهذا الأخير وقائعه الخاصة وقيمه المناسبة لعصره، وكل ظروفه –الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية- متباينة كل التباين عن سابقاتها، والتي بالضرورة ستكون مختلفة عن لاحقاتها، يُقال عادة “الإنسان ابن بيئته” وهو دليل على أن البيئة السوسيواقتصادية تختلف من عصر لآخر.

لكن، النص الذي افتتحنا به نصنا هذا هو مقتطف من مقال بعنوان “سورة النساء ضد النساء” وبناء على مقولة “البراديغم” لنقس هذا الحكم على نساء القرن الواحد الهجري ولنرى هل كانت السورة حقا ضد النساء أم انتصاراً لهن؟

بداية وللحديث عن النساء وحقوقهن في الإسلام يستوجب الوقوف عند ثلاثة عناصر أساسية وهي: الأحكام الكلية بدءاً، والأحكام الجزئية تثنية، ثم ما يسمى بمقاصد الشريعة وأسباب نزول تلك الأحكام تثليثا.

فالأحكام الكلية أو المبدأ العام والمطلق يُقر بالمساواة أو بالأحرى بالإنصاف بين الرجل والمرأة، وهذا بَيِّنٌ في غير ما آية من كتابه تعالى: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (13) “سورة الحجرات”. وقوله تعالى “فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ” (195) “سورة آل عمران”  ويقول وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا” (124) “سورة النساء”. ويقول “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ” (171). “سورة التوبة” وفي الحديث النبوي قوله (ص) “النساء شقائق الرجال” وقوله ” الجنة تحت أقدام الأمهات”. وليس الآباء، إذن فالاتجاه والمبدأ العام في التشريع الإسلامي هو إنصاف المرأة في الحقوق والواجبات وإعادتها للمكانة التي خُلقت عليها وهو ما لم يكن متحصلا سواء عند العرب البدو أو حتى عند من عرفوا الحضارة والمدينة -اليونان والرومان-  أذكر هنا ظاهرة وأد البنات عند العرب، وذلك اعتبارا منهم أن ولادة المرأة تُعد خطيئة يجب التخلص منها”وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)” “سورة التكوير”. أما عند اليونان فمفهوم “المواطن” كان يستثني “المرأة والطفل والعبد والأجنبي” إذ المرأة عندهم لم تكن إنسانا مكتمل الإنسانية بل هي في نظر بعضهم “آلة لإنتاج الأطفال”. ولم يختلف الرومان عن اليونانيين في تشييء المرأة وتلخيصها في الجسد كأداة لإغواء الرجل وإفساد قلبه.

على العموم لم تكن المرأة في حالة تُحسد عليها، لكن وبالرجوع إلى الأحكام الجزئية في الإسلام “تبدو” كذلك و”تظهر” أنها تكرس احتقار المرأة والتنقيص من مكانتها، وهنا لابد للعاقل أن يستند إلى مقاصد الشريعة وأسباب النزول والسياق التاريخي الذي أتت فيه، وهو ما يسهل التعبير عنه بمفهوم “البراديغم”.

في مقال لمحمد عابد الجابري، والذي سنقتطف منه مجموعة من الاستشهادات، يستحضر بعضا من هذه الأحكام الجزئية ومنها:

مسألة الشهادة: فالنص القرآني اشترط في الشهادة رجلين أو رجلا وامرأتين “وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ” (282) “سورة البقرة” وكلمة “تضل” معناها أن تخطأ أو تنسى وهذا ليس من طبيعتها المورفولوجية بل مرتبط بالوضعية الاجتماعية والتعليمية التي كانت عليها المرأة آنذاك وفي هذا السياق يتطلب أن نجدد فهمنا للنص الديني، فوضعية المرأة الآن ليست هي من ذي قبل، فمنها الطبيبة والمعلمة والمهندسة والحاكمة وسائقة الطاكسي… وبالتالي مسألة الشهادة يجب فهمها وفق هذا السياق.

مسألة الإرث: تقول الآية: “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ” (11) “سورة النساء”، التدبير الذي كان سائدا في بعض القبائل ما قبل الإسلام هو إعطاء المرأة الثلث أو أقل وفي بعض الأحيان تُحرم المرأة من الإرث بالمرة، ولعل ما يفسر ذلك أن النظام القبلي السائد والمبني على الملكية المشاعة في الأرض والمرعى مما يجعل توريث البنت مصدرا للصراع القبلي، إذ العادة والغالب أن تتزوج البنت من قبيلة غير قبيلتها، وتوريثها معناه توريث قبيلة زوجها في أموال قبيلة أهلها، وهذا يتسبب في نزاعات لا حدود لها، ولذلك راعى القرآن معطيات هذه الوضعية ونظر إلى وجه المصلحة، أي تجنب النزاع. فلم يحرم المرأة من الإرث مطلقا بل أعطاها نصف نصيب الرجل، وفي نفس الوقت جعل نفقتها على الرجل من أجل التعويض والإنصاف. لكن، ونحن في القرن 21 وفي إطار مفهوم الدولة بدل القبيلة وفي خضم خروج المرأة للعمل وتحملها عبئ رعاية الأطفال وما يتطلبه من نفقة وتقاسمها مع الرجل أعباء ومصاريف البيت، فنحن نحتاج إلى إعادة فهم هذه الآية وفق البراديغم الخاص بنا، ثم أنه من روح التشريع الإسلامي هناك قاعدة تنص على أنه إذا تعارضت المصلحة مع النص روعيت المصلحة، لأنها هي الأصل في ورود النص، وهنا تكمن المصلحة الاجتماعية في مساواة المرأة في الإرث مع الرجل.

مسألة تعدد الزوجات: كانت ظاهرة تعدد الزوجات سائدة ما قبل الإسلام، بل كانت متفشية مبالغ فيها لدرجة أن الرجل الواحد يمكن له أن يتعدى عشر زوجات، والجدير بالذكر أن تعدد الزوجات أتى قرينا بالأيتام وبأموال اليتامى، فرغبة الرجل في تعداد زوجاته كانت مبنية على طمعه في أموال الأرامل وأموال أولادهن اليتامى، وهذا ما نهى عنه القرآن وحاول تقليصه في أربعة فقط مع شرط ضروري وهو “العدل” بينهن في جميع الأمور المادية والمعنوية، إذ جاء في النص: “وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً” “2 و 3 – سورة النساء”. إذن فالعدل بينهن أمرٌ متعذرٌ بل يصير مستحيلا وبالتالي “فواحدة إن خفتم ألا تعدلوا”. نستشف هنا أن النص لم يُصَرّح وإنما أضمر فكرة منع تعدد الزوجات، وقد جاء الإضمار أبلغ من الإظهار. وصاحب العقل الراجح له أن يستنتج أن إلغاء تعدد الزوجات لن يكون مناقضا لتعاليم الإسلام، إذ القرآن لا يأمر بتعدد الزوجات بل يحث على الاقتصار على واحدة خوفا من عدم العدل.

بالقول المجمل لا المفصل، ما كانت سورة النساء ضد النساء، لا ولا كان القرآن غريما لهن، بل السورة في صفهن، والكتاب منصفهن، وما علينا إلا أن نجدد ونعيد قراءتنا وفهمنا لآياتها، بيد أنه في تجديدنا لفهمها نكون قد أثرنا حفيظة من يروا “المرأةَ شاةً أو بعيراً” و “العالمَ جنساً وسريراً” كما يقول نزار قباني، وعليه يرفعوا في وجوهنا شعار “سورة النساء ضد الرجال”.

 

شاهد أيضاً

فرناندو سافاتار و تصوّره للعالم بعد كوفيد 19

ترجمة: منعم الفيتوري تحدّث الفيلسوف الاسباني فرناندو سافاتار عن كوفيد-١٩، وما سيكون عليه العالم بعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *