الرئيسية / تربية و تعليم / ديداكتيك الفلسفة / عبد الله العروي في محكمة النقد عند الجابري

عبد الله العروي في محكمة النقد عند الجابري

جيهان نجيب – باحثة مغربية

إن التحديث الذي دعا إليه الجابري فهو من الداخل كمشروع  يحتاج إلى التأصيل ، أي تأصيل المفاهيم والأفكار الحديثة ، فهو إذا عملية اقتباس واستعارة لمفاهيم وأفكار جديدة من ثقافة برانية {الثقافة الأوروبية الحديثة} ، ونقلها من مجالها التداولي الأصلي الذي ولدت فيه إلى مجال ثقافي آخر ، هو الثقافة العربية الإسلامية ، ولكن التأصيل عند الدكتور محمد عابد الجابري لا يثم فقط بالنقل والنسخ كما عند العروي المباشر و الفج للأفكار ، بل إنه يعمل جاهدا على تبيئتها [1] ،ويعتبر الجابري  أن عملية التبيئة هذه ضرورية بل الحجر الزاوية في بناء لحظة التأصيل الثقافي للحداثة ومفاهيمها في الثقافة العربية.

وعلى هذا الاعتبار تصبح آلية التبيئة أو التأصيل ذات وظيفة مزدوجة ، فهي تجعلنا نقتبس وننفتح على الفكر العالمي ومعطيات الحداثة الأوروبية ، وفي الوقت ذاته نحقق ما أسماه الجابري بالاستقلال التاريخي للذات العربية وبالتالي  تحقيق “الأصالة و المعاصرة” معا و الوفاء بخصوصية وقومية الثقافة العربية وتراثنا ، مع الانفتاح على الفكر العالمي والتعامل  معها تعاملا نقديا[2].

وهو بهذا يتوجه الجابري بالنقد للنخبة العربية بشقيها التراثي والتقليدي والعصري {دعاة الخصوصية، ودعاة العالمية}، ويدعوهم إلى تأجيل صراعاتهم ، وتحقيق نوع من التفاهم بينهم داخل الواقع السياسي العربي، والانخراط في كثلة تاريخية تبنى على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك الجميع والتي يعبر عنها الجابري في شعارات الحرية والأصالة والديمقراطية والشورى والاشتراكية والعدل[3]….وغيرها في إطار ما هو كوني.

والتي تطمح إليه بالأساس هذه الكونية إلى محاورة التراث لتملكه وجعله معاصرا لنا ، أي النظر إليه نظرة تاريخية كونية تعتمد على اضفاء المعقولية على الشيء  المقروء وبالتالي البحت فيه عما يمكن أن يسهم في إعادة بناء الذات العربية وهي المهمة المطروحة في الظرف الراهن[4]

فليس رباطنا بتراثنا في نظر الجابري يمثل الرخاوة التي يتصورها العروي ، فالانفصال ينبغي أن يكون إعادة ربط ، والقتل احياء ، والهدم إعادة البناء.

ثم إن كل تملك لما يمكن أن يسمى تراثا انسانيا ، لابد وأن يتم عبر خصوصية بعينها ، ذلك لأنه عندما يطلب من العرب أن يستوعبوا الليبرالية الأوروبية ، فإن ذلك يعني أن عليهم أن يستعيدوا على صعيد وعييهم تراثا دخيلا ، أجنبيا عنهم بمواضيعه واشكالياته ولغته ، وبالتالي لا يشكل جزءا من تاريخهم .

إن الشعوب لا تستعيد في وعيها، ولا يمكن أن تستعيد إلا تراثها أو ما يتصل به[5]

إن هذا القول يوضح أن الفكرة الأساسية التي بنى عليها الجابري أطروحته هي أن أساس التجديد و التحديث و النهضة هو العقل ، فالنهضة الحقيقية هي نهضة العقل.

وإذا كان العروي وضع قطيعة مع التراث فإن الأطروحة التي يعترض عليها الجابري وعابها على العروي هو الدعوة إلى التريث نظرا لصعوبة الحسم في مسألة القطيعة مع التراث وعسره ، وحيث يدعوا العروي ، إلى القطع مع الفكر السلفي من ثقافتنا بحجة أنه من أكبر العوائق التي تحول دون تحقيق الحداثة المنشودة ، غير أن هذه الأطروحة تطرح تساؤلات ، إلى أي درجة تصل خطورة هذا الفكر السلفي؟ وهل يمكن اعتباره العائق الوحيد الذي يعيق تحقيق التقدم[6]؟

ليس الفكر السلفي حسب الجابري وافدا طارئا ، بل هو متأصل ووجه من وجوه تراثنا العربي ، وبالتالي فإن مسألة رفض الفكر السلفي ، يقتضي بالضرورة رفض الفكر المماثل له الذي هو التراث بأكمله ، وهذا هو أساس المجابهة التي تمت بين الجابري و العروي حول مسألة التراث[7].

ولذلك فإن القطيعة التي أحدتها العروي مع التراث ، يعيد الجابري على خلافه بإحياء هذه العلاقة القائمة بيننا وبين تراثنا ، وذلك بتأكيده أن التراث هو الكائن الحي المميت في الوقت نفسه ، بمعنى هو ميت ، أي ماض بالنسبة لنا لكنه حي في نفس الوقت فينا ، سواء رغبنا بذلك أو لا …هو ماض تفصلنا عنه أحيانا قطائع إيبستمولوجية …لكنه يظل حي فينا[8].

وبالتالي فما من سبيل سوى التوجه صوب هذا التراث وغربلته، فخطاب الحداثة عليه أن يتوجه أولا إلى التراث، بهدف رد الاعتبار إليه وإعادة قراءته قراءة موضوعية ومنهجية نقدية، هدفها الإصلاح و التجديد…إلخ

إن في كل تراث وهذا ينطبق على تراثنا كما ينطبق على تراثهم {الغرب} قديمه وحديته ، يوجد تمة جانب إنساني[9]. ذلك أنه إذا تم نقد التراث الليبرالي و الذي احتفى به العروي ، واعتبره أساس التحديث ، فإنه لم يتم رفضه كليا ، فلماذا يتم رفض التراث العربي الإسلامي باسم الرجعية و الظلامية في الوقت الذي نحن أحوج فيه حسب الجابري إلى تحديث وتجديد الذهنية العقلانية العربية.

إن التحديث لا يتم من عدم ، فمتلما أن تراث الغرب لم يكن كاملا واحتاج للإصلاح فكذلك تراثنا الثقافي العربي يحتاج لفرصة التجديد و الإصلاح ومواصلة ركب التطور العالمي.

إن ما يعيبه الجابري هنا على العروي هو الاستناد إلى مقايسة حال وأوضاع ثقافتنا العربية الإسلامية بنموذج أوربا[10].

وانطلاقا من مفهوم الأصالة أو المحلية التي يعتز بها الجابري ، يعيب على العروي عدم احترامه لخصوصية الثقافة العربية الإسلامية ، ولذلك فإن مسألة الربط الإشكالي بين المثقف العربي و المثقف الأوروبي ومحاولة المقارنة بينهما من منظور العروي حسب الجابري لا يستقيم ، لأن العروي حسب الجابري ، ينسى بشكل تام الفرق الشاسع بين متقف أوروبي وواعي بظروف ثقافته التاريخية وبين متقف عربي و الذي تختلف درجة وعييه التاريخي للثقافة العربية[11]

يقول الأستاذ الجابري “إن أهم ما نختلف فيه مع الأخ العروي بخصوص المنهج ، هو اعتماده طريقة المقايسة اعتمادا كليا الشيء الذي يجعله يفكر في قضايا الأمة العربية ، من الأرضية غير الأرضية العربية التي عانت من الهيمنة الإمبريالية ، في مختلف مجالاتها ، وأشكالها وبالتالي هي هيمنة ينفرد بها العالم العربي وحده[12].

إن دعوة العروي إلى الرجوع إلى أوربا {ليبرالية القرن 17 وق 18 الميلاديين} حسب الجابري ، إنه لطريق النزوع إلى الوقوع في مطب التبعية الثقافية الغربية نفسه[13].في الوقت الذي نحتاج فيه إلى المحافظة على أصالتنا العربية القومية و خصوصية تراثنا المحلي العربي.

إن مسألة القطيعة مع الفكر السلفي من ثقافتنا ، كما دعي إلى ذلك العروي ، لهو تشجيع على قبول ثقافة غيرنا المعاصرة وبالتالي تابعين لها[14].

يرفض الجابري هذه الأطروحة ، وانطلاقا من تصوره حول نقد العقل العربي يقر الجابري ، أن هذا النقد ، لن  يكتمل دون التعامل بالمثل مع العقل الأوروبي الذي ينتقل إلى أسماعنا يوميا ، وهي أمور تحتاج للمراجعة و الفحص و التمحيص[15].

تحيلنا هذه الأطروحة ضمنيا، إلى أطروحة الخطيبي ، الذي يلزمنا بضرورة إجراء “النقد المزدوج” الذي يحررنا من الفكر الأوروبي ومن التراث أيضا ، والتحرر منهما بمعنى امتلاكهما على نحو متساو عادل بعد مراجعة نقدية ، ومن هنا فالاستقلال التاريخي للذات ….لا يتناقض مع تفتحنا على الفكر العالمي ولا على التراث ، بل يعني التعامل معهما تعاملا نقديا ممنهجا [16].

لهذا فدعوة الجابري إلى الحداثة هي في نفس الوقت تأصيلها في ثقافتنا العربية والذي لا يمكن لهذا التأصيل أن يتم إلا بتوسل تحديث التعامل مع التراث . يقول الجابري “إن الحاجة إلى الاشتغال بالتراث، تمليها الحاجة إلى تحديت كيفية تعاملنا معه ، خدمة للحداثة وتأصيلا لها[17]

من أرشيف جيهان نجيب:

قواعد العشق الأربعون

اشكالية الحداثة بين العروي والجابري

القطيعة الإبستمولوجية عند غاستون باشلار

نقد، نقد العقل البرهاني العربي لمحمد عابد الجابري / الجزء الثالث

 نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الثاني

  نقد العقل البرهاني عند محمد عابد الجابري: الجزء الأول

معركة الحريات الفردية في المغرب

الفلسفة المنفتحة عند غاستون باشلار

ما بين الأصالة وقيم الحداثة

عبد الله العروي في محكمة النقد عند الجابري

[1] أبحاث، مجلة العلوم الاجتماعية العدد 44 السنة الخامسة عشر شتاء 1998 ص 108/109

[2] نفسه ص 109

[3]المصدر نفسه ص 111

[4]“محمد عابد الجابري” ، نحن والتراث ، دار الطليعة ، المركز الثقافي بيروت ، الدار البيضاء ، 1980 ص 6

[5]المصدر نفسه ص 65/66

[6]  محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء الطبعة الأولى 2004 ص 116

 

[7]“عبد السلام بنعبد العالي” ، بين الاتصال و الانفصال ، {دراسات في الفكر الفلسفي  بالمغرب} ، دار التنوير ، بيروت / الدار البيضاء 1985 ص  12/13

[8]  محمد عابد الجابري “التراث و الحداثة” ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ،  الدار البيضاء ، الطبعة الأول ص 332

[9]مرجع سابق ” محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر ص 118

[10]المصدر نفسه ص 119

[11]المصدر نفسه ص 38

[12]المصدر نفسه ص 119

[13]المصدر نفسه ص 123

[14]نفس المصدر و الصفحة.

[15] “محمد عابد الجابري “التراث و الحداثة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ،  الدار البيضاء ، الطبعة الأولى ص 286

[16]مرجع سابق “محمد الشيخ” مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر” ص 124

[17]مرجع سابق “محمد الجابري” التراث و الحداثة ص 18

شاهد أيضاً

« اليوم العالمي للفلسفة »: نحو أَسْطرَة الفلسفة

 عثمان لكعشمي، باحث في الفلسفة والسوسيولوجيا  « لا يبقى للمثقف إلا الانخراط في شبكات مقاومة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *