الرئيسية / منتخبات / عامة / في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

عبد الرحيم رجراحي – باحث مغربي

يعد كتاب مشروع السلام الدائم[1] امتدادا للمشروع النقدي لإيمانويل كانط، بعد أن ألف نقد العقل الخالص، ونقد العقل العملي، ونقد ملكة الحكم، وفيه ينتقد الحروب التي شهدها العالم، والتي ما فتئت أسبابها في تزايد، أمام الحظ على الخيانة، وانتهاك شروط السلام، والتجسس على الدول، والحط من سيادتها، وزرع الفتن الداخلية بها، وما إلى ذلك من مظاهر الحرب التي من شأنها أن تفتك بالناس، وتعود بهم إلى حالة الطبيعة، حيث حالة حرب الكل ضد الكل التي لا تبقي ولا تذر.

فما هي مقومات مشروع السلام الدائم لإمانويل كانط؟ وما حدود هذا المشروع؟ بصيغة أخرى، هل هذا المشروع سيضع حدا للحروب الداخلية والخارجية التي تنشأ في الدول وبين الأمم أم أنه لا يعدو مشروعا حالِماً تعوزه الضمانات الموضوعية للتحقق؟

يمثل كتاب مشروع السلام الدائم بيانا حول أهمية السِّلم، بل نداء للالتزام بمعاهدات السِّلم، وصرخة وتنديد بمخلف أنواع الجور التي من شأنها أن تهين الإنسان وتحط من كرامته، ولاسيما أن إمانويل كانط ما فتئ يؤكد في مشروعه النقدي أن الإنسان غاية في ذاته، وليس مجرد وسيلة لقضاء أغراض أخرى، وينبغي أن يظل محط احترام وتقدير.

غني عن البيان أن مسألة السلم من المسائل التي حظيت بالاهتمام الكبير في الفلسفة الحديثة، جراء الحروب المدمرة التي صارت تشكل خطرا حقيقيا على العالم، والتي يعد الاستعمار والاستبداد السياسي والديني من أبرز مظاهرها. ولعل رسالة جون لوك وفولتير حول التسامح، فضلا عن مشروع السلام الدائم لإمانويل كانط أبرز شاهد على هذا الاهتمام، وهي شواهد إن كانت تدل على شيء إنما تدل على الوعي الفلسفي بالخطر الذي يتهدد العالم.

يضم كتاب مشروع السلام الدائم قسمين: يحدد إيمانويل كانط في القسم الأول العوامل التي تذكي الحروب بين الأمم، والتي يعد تلافيها سببا لإحلال السلم، أما في القسم الثاني فيتطرق إلى ضوابط من شأنها تثمين حالة السِّلم، وقد توج الكتاب بملحقين وتذييلين لهما صلة وطيدة بالقسمين السابقين؛ ذلك أنهما أشارا إلى ضمانات ومواد حول السلم الدائم، فضلا عن مسألة الخلاف والاتفاق بين الأخلاق والسياسة بشأن السلم الدائم.

ينص إيمانويل كانط في القسم الأول أن الأصل في معاهدات السلام أن لا تتضمن ما يثير نار الحرب، من قبيل انتهاك شروط السلام، والحظ على الخيانة، واستعمال السفاحين، إلى غير ذلك من أسباب الحرب؛ ذلك أن الأصل في السلم من منظور إيمانويل كانط أن يكون دائما، وليس مجرد هدنة مؤقتة، سرعان ما تنحل لداع من الدواعي الآنفة الذكر. وفي هذا الصدد يدافع إمانويل كانط على أن النظام الجمهوري هو النظام الأنسب لضمان حالة السلم، لأنه نظام يقوم على الإرادة الحرة للشعوب، وليس كالنظام الاستبدادي، حيث الحاكم هو الذي يقرر في مصير شعب، دون مراعاة ظروفه ورغبته وإرادته، ولاسيما أنه يحتكر لنفسه جميع السلطات التشريعية والتنفيذية؛ لذلك فمن مقومات النظام الجمهوري أنه نظام يقوم على الفصل بين هذين السلطتين، تفاديا للاستبداد والجور والطغيان، وصيانة للإرادة الحرة للشعوب ولمصيرها المشترك المتوافق عليه بشكل ديمقراطي وحر.

إن النظام الجمهوري إذاً هو الكفيل باتقاء حالة الطبيعة، بما هي حالة حرب الكل ضد الكل، والعيش في حالة المدنية، حيث يسود السلم والأمن، بناء على تعاقد بين الحاكم والمحكومين يحدد صلاحيات الحاكم لما فيه الخير للمحكومين، في ضوء دستور ينظم العلاقات بين الأفراد والمجتمع.

أما القسم الثاني من الكتاب فقد بين فيه إيمانويل كانط الوسيلة التي من شأنها ضمان سلم دائم وعالمي، ومقتضى هذه الوسيلة هو إنشاء حلف بين الدول يقوم على الالتزام بمبادئ السلم، وعدم انتهاك شروط السلام، دون أن يعني هذا الحلف التدخل في سيادة الدول أو إرغامها على ما لم ترغب فيه أو ما لم تستطع إليه سبيلا؛ ويستلزم هذا الحلف وضع قوانين دولية، فضلا عن سياسة خارجية دولية ترعى شروط السلام، وتقف كسد منيع تجاه كل من سولت له نفسه الإخلال بها والتمرد عليها.

قد يعترض معترض على هذا الطرح الفلسفي باعتباره طرحا حالما وطوباويا تعوزه الشروط الموضوعية للتحقق. غير أن واقع الأمر أن إيمانويل كانط لم يكن يلقي بالكلام على عواهنه، وإنما مشروعه هذا امتداد لمشروعه النقدي، حيث أراد التأسيس لسلام كوني، وعلى أخلاق كونية، ولاسيما أن السلام دليل على حالة التحضر والمدنية، حيث تدبر المشكلات التي تعترض الناس ليس بالحرب، بل بالسلم، وليس بحق القوة بل بقوة الحق.

بناء على ذلك، نستنتج أن إيمانويل كانط يرجع له الفضل الكبير في التأسيس  لإمكان قيام سلام دائم بين الدول والأمم، قوامه الالتزام بمعاهدات السلم الدولية، وتلافي انتهاك شروطها، وهذا ما تعبر عليه اليوم هيئة الأمم المتحدة التي تضع مشروع السلم بين الدول من أولوياتها، وإن كان الواقع يكشف على أن الدور الذي تنهض به هذه المؤسسة فيه الكثير من النظر، وحسبنا الإشارة إلى أنها تكيل بمكيالين بخصوص قضايا الدول والأمم وتغلب المصالح الاقتصادية على حساب القضايا الإنسانية.

من أرشيف عبد الرحيم رجراحي:

في مشروعية الدولة

الفلسفة ونظرية الحجاج

الأخرويات الإسلامية من الدين إلى الأدب

في الحاجة إلى سَلَامٍ دائم

هامش:

[1]  إمانويل كانط، مشروع السلام الدائم، ترجمة عثمان أمين، المطبعة الفنية الحديثة_القاهرة، الطبعة الثانية، 1967.

المصدر:

إمانويل كانط، مشروع السلام الدائم، ترجمة عثمان أمين، المطبعة الفنية الحديثة_القاهرة، الطبعة الثانية، 1967.

شاهد أيضاً

موت الإنسان وفكر ما بعد القرن التاسع عشر

يونس كلة  اهتم ميشال فوكو بدراسة العلوم الإنسانية ( الطب العيادي، علم الجريمة…) من أجل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *