الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الزمان في أفق الكينونة

الزمان في أفق الكينونة

عبد العزيز بومسهولي – المغرب

إذا تأملنا الزمان بما هو زمان، فبإمكاننا القول: إن الزمان لاشيء؛ أي أنه لا يوجد، بل هو لا يغدو حتى مجرد وهم إن لم نفترض وجود الإنسان، فالوهم بحد ذاته من قبيل ما هو إنساني، وليس شيئا آخر.

فهل الزمان هو العدم ذاته، أي ان الزمان والعدم هما ذات الشيء؟ هذه قضية قابلة للتأمل، وقد تفضي بنا إلى محاولة يائسة، وهي إثبات العدم. وكما أننا لا نستطيع قط إثبات العدم، فكذلك لا نستطيع قطعا إثبات الزمان.

العدم بما هو عدم لا يوجد وجودا كائنيا أو على نمط كائن يوجد، فما يوجد ليس إلا الوجود ذاته وليس شيئا آخر، أي الوجود الذي يعطي الكائنية للموجود ويسلبها. فأنا بوصفي موجودا “كائنيا” لا أمتلك قط أية إمكانية لإثبات العدم وبالتالي لإثبات الزمان مادام كل من العدم والزمان ليسا من قبيل الكائنية، فهما لا يقبلان التعين ولا التحقق في الموجودية ،فهما باعتبار هذا المنظور مستحيلان ميتافزيقيان،فالوجود وجود بالضرورة أما العدم أو الزمان فهما ليسا في الحقيقة إلا مفهومين لكيفيتين من كيفيات صيرورة الوجود وتتمثلان في “الكائنية” المعطية وفي “العادمية” السالبة، ولذلك فإن ما بإمكاني إثباته ليس سوى هذا الوجود ذاته الماثل أمامي الذي لست موجودا إلا بفضل كائنيته المعطية، والذي لست فيه سوى مجرد عنصر كائني من بين عناصر لا متناهية من الكائنات التي يرعاها الوجود أي يمنحها الكائنية ،وكأن الكائنية هي روح الوجود المعطي، والتي يجدد بها وجوده ، فبالكائنية يكون الكائن كينونة متناهية منفصلة وحائزة لوجودها المستقل ، وبالعادمية يسترد الوجود الكائن المتناهي ويعيده إلى جوف اللامتناهي، ويسلبه ما يقوم كينونته الحية، فالسلب أو ما تواضعنا على أنه عدم لا يقوم إلا بإتلاف الموجود وإخفائه في جوف الوجود .وبالتالي نستطيع القول بأن الموجود الذي كان لا ينعدم انعداما محضا وإنما يتلاشى في جوف الوجود. يعبر الوجود عن نفسه بالكائنية المعطية للكينونة وبالعادمية التي تسلب الكينونة أي تعدمها، وبذلك فالوجود ذاته هو العادم وليس العدم ذاته بما هو عدم محض، فمادام العدم بحد ذاته عاجزا عن أن يوجد بما هو عدم محض، فإنه إذن عاجز عن التعديم. التعديم من نسيج الوجود وليس من نسيج العدم .

ليست الكائنات / الموجودات المتناهية في لحظات كائنيتها إلا وجه الوجود، ومظهره أو سطحه وبما أنها قابلة لسلب الكائنية أي للتعديم بما هو تلاش وليس بما هو فناء محض، فإنها قابلة للطي فسرعان ما يطويها الوجود ويدخلها الى جوفه، فهي تنعدم لا لأنها تصير عدما، وإنما تصير عناصر متلاشية تغدي قوة الوجود وقد تصير بتحولها إلى ذرات بداية لانبثاق موجودات أخرى، وتحمل معها بما هي آثار مطوية أو بما هي ذرات متحولة في جوف الوجود قصة هذا الوجود ذاته، ومعنى ذلك أن الوجود لا يلقي بكائناته إلى العدم، بل يلتهمها ويحتفظ بها كذرات متلاشية ولكنها تظل في تحللها حيوية مادام يحيا بها الوجود. ومعنى ذلك أيضا أن كل موجود لا يصير عدما خالصا بالنسبة إلى الوجود وإنما قوتا وتغدية لصيرورة الوجود. أو بمعنى آخر فالموجود يموت لا لأنه يصير عدما وإنما يموت ليصير متشظيا مطويا في لاتناهي الوجود. الموت هو المعنى الكلي الدال على التحول من الانفتاح البراني الذي يسمح بنثوء الكائن على سطح الوجود الى الانغلاق الذي يطوي كل كائن في ثنية الوجود.

يتعلق الأمر أيضا بالكائن الإنساني القابل للموت، الذي لا يدل موته على العدم المحض، بل هو يدل على نمط تبدل صيغة الموجودية من نمط الكائنية الى نمط التلاشي بما هو نمط إخفاء يسيطر به الوجود على حركة الموجود فيعيده الى جوفه، ذلك لأن الموجود وهو يموت إنما ينفصل عن كائنيته التي تجعله كائنا برانيا متخارجا ظاهرا فوق سطح الوجود، فالموت يلقي به في لامتناهي الوجود اي يعيده الى الطي، والطي هو حركة الالتحام بالكلية، باللامتناهي، فإذا كانت ولادة الإنسان هي الكائنية المتناهية الزمانية-المكانية، أو هي انبثاق الجسد الإنساني كانفصال متزمن ،فإن موته هو عودة الى محايثة الكلية، إلى الضرورة التي تصون لا تناهي الوجود.

إذن، فالموت ليس إلا واقعة تحكي قصة تناهي الكائن بما هي انكشاف للكائنية التي تمنح الحياة وتسمح بانبثاقه كزمان وللعادمية بما هي سلب الموجودية، غير أن واقعة الموت هذه هي دليل على لاتناهي الوجود، فالوجود هو اللامتناهي الدائم الذي يلتهم المتناهي في جوفه ويطويه في المحايثة الكلية، فما من موجود “يوجد” أي يكون بانفصاله عن كلية المحايثة إلا لأنه من جنس ينتمي إلى نمط البرانية، ذلك لأن البرانية انفصال آني، فهي كيفية من كيفيات ظهور الوجود من خلال الموجود، أي انه يتمظهر من خلال منح الكائنية بما هي تخارج الموجود. ففي البرانية تترعرع الكينونة وتصير وجودا هنا والآن، وجودا امبريقيا متخارجا أو متحققا عينيا بما هو زمان، وبالتالي تصير البرانية هي الكيفية لانبثاق الزمان بما هو زمان الكينونة المتناهية وليس بما هو زمان كلية الوجود، ليس ثمة زمان في الوجود اللامتناهي‘لأن الزمان إنما ينبثق في المتناهي الجسدي الإنساني لا غير. ومن ثمة فالزمان ليس شيئا ولا يعني أي شيء بالنسبة للوجود، لأن منبع دلالته هو الإنسان ذاته، فليس الزمان سوى حدس الكينونة لذاتها في تخارجيتها، في انفصالها وظهورها البراني في العالم. والعالم هو من نسيج الكينونة مشتركة أو هو الفضاء البيإنساني، أي أنه من نسيج الإنسان وليس من نسيج الوجود. في صلب هذا العالم كما يقول “هيدغر” ثمة زمانية بما هي أساس أنطولوجي لوجود الكينونة. إذا كانت الزمانية تشكل المعنى الأصلي للكينونة”للدازين”، وكان الأمر يتعلق بالنسبة إلى هذا الكائن في كينونته بحد ذاتها، فإن العناية تحتاج الى الزمان وبالتالي تضع الزمان في الحسبان.(1)

يعني هذا حسب “هيدغر” بأن استشراف معنى الكينونة بعامة يمكن ان يتم في أفق الزمان.(2) غير أننا بالمقابل يمكننا أن نقول بكيفية مغايرة بأن استشراف معنى الزمان بعامة يمكن أن يتم في أفق الكينونة. الزمان ينتسب وفق هذا التأويل للإنسان بوصفه أساس ما نعطيه معنى الزمان.

بإمكاننا أن نقر مع “هيدغر” بأن الزمانية هي قوام كينونة “الدازين”، وأن التاريخية من حيث هي كينونة خاصة بالدازين هي في الأساس زمانية، غير أنه إذا كانت الزمانية ليست من الزمان في شيء كما يزعم “هيدغر” في موضع آخر، فإن ذلك كما يتضح في تأويلنا يدل على أن معنى الزمان إنما ينبع في كيفية انكشاف الكينونة وأن الزمانية هي نمط هذا الإنكشاف، وبالتالي يغدو الزمان ذاته من نسيج الكينونة بما هي كينونة متزمنة. فما يتزمن ليس هو الزمان بل هو الكائن/الزمان = الإنسان. إذن ثمة معنى للزمان ينكشف في أفق كينونة متزمنة، أي في أفق كينونة منشغلة ليس بالزمان وإنما بمشروعها الزماني. لا يتجلى الزمان كمعنى إلا في أفق كينونة إنسانية يقظة تخط لذاتها مشروعا زمانيا أو تاريخيا. تمنح الكينونة الزمان وتقوله وبذلك فهو معطى لها لا بما هو كائن بل بما تكونه هي ذاتها بوصفها هي حقيقة الزمان .لكنها لا تكون حقيقة الزمان إلا إذا كانت كينونة حرة ،وكان الزمان هو الحرية عينها، وهو ما يعني أن الزمان ينبثق في الكينونة كحرية. فإذا كان الإنسان وحده يوجد أي إذا كان بما هو إنسان هو ذلك الكائن الذي تكون كينونته معلنة في الكينونة، انطلاقا من الكينونة، وذلك من خلال الوقفة التي تلح على ان تظل مفتوحة أمام انكشاف الكينونة كما يقول “هيدغر”(3) فلأن هذا الكائن هو وحده الحر في العالم، فنمط وجوده الأصيل لا ينفتح إلا كحرية بما هي زمان. تكمن بالتالي ماهية الزمان في الحرية. ليس الزمان شيئا سوى حرية الكينونة. وبالتالي فهو لا ينكشف إلا في أفق عالم إنساني واع بإنسانيته وبوجوده على نحو الحرية. فما ليس حرية ليس زمانا، وما ليس حرا لا يتزمن وإنما يمتد في الضرورة أي في الكلية اللازمنية أو في أبدية المحايثة العمياء. بالزمان والحرية يصوغ الإنسان نمط وجوده الأصيل فيعطي لذاته عالما هو عالم القيمة فيحيا من خلالها بوصفه كينونة مستقلة ويبني فيها أفقه الفسيح.

بما أن ماهية الزمان تكمن في الحرية وبما أن الحرية هي ماهية الإنسان بما هو رغبة واعية بذاتها فان الزمان هو عطاء الرغبة. ثمة زمان لأننا كائنات راغبة في رغبة أخرى. وتوالي الرغبات هو أساس تحقق الزمان كمضي وانصرام وكتجربة للحاضر العيني الذي يستعيد الماضي ليتجاوزه باتجاه المستقبل. نحن لسنا زمانيين لأننا نعيش في الزمان، ولكننا زمانيون لأننا نعيش وفق رغبة توقظ وعينا اليقظ بكينونتنا الحرة، غير أننا لسنا قطعا زمانيين حينما نعيش عاجزين مفصولين عن الرغبة وفق موجودية غفلية لا تاريخ لها. إذن لا يعني الزمان شيئا سوى أن نكون.

الهوامش:

1 -مارتن هيدغر: الكينونة والزمان، ترجمة فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة، بنغازي- بيروت 2012 ص427.

2 -نفسه، ص428.

3 -نفسه، ص688.

شاهد أيضاً

” الإيقاع واللحن والتناغم” تأليف: فريدريش شلايرماخر

ترجمة وتقديم: كمال بومنير فريدريش شلايرماخر Friedrich Schleiermacher فيلسوف ألماني (1768- 1834)، يعتبر أحد أقطاب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *