الرئيسية / فكر وفلسفة / دراسات وأبحاث / الفلسفة ونظرية الحجاج

الفلسفة ونظرية الحجاج

عبد الرحيم رجراحي – المغرب

سعى برلمان رفقة تيتيكان من خلال مؤلفهما المشترك في الخطابة الجديدة إلى تقديم طرح جديد بخصوص الحجاج؛ لذلك كان المقصد من مؤلفهما هو تحرير الحجاج من جهتين: الأولى، من شبهات الخطابة، وما تحيل عليه من مناورات ومغالطات وتبكيتات؛ والثانية، من صرامة الجدل، وما يحيل عليه من اتساق واستدلال يرغمان المتلقي على التسليم تسليما بالنتائج، ما دام قد سلَّم بمقدماتها[1].

تمَّ تقسيم مؤلف الخطابة الجديدة إلى ثلاثة أقسام من أجل تحقيق الغرض منه؛ حيث بيَّن المؤلفان في القسم الأول من الكتاب كيف يكون الحوار سبيلا  لتحقيق الاقتناع La conviction، وليس من أجل حمل المخاطب على الإقناع La persuasion؛ وأبرزا في القسم الثاني مجالات الحجاج ومنطلقاته؛ وتطرَّقا في القسم الثالث إلى الآليات التي يقوم عليها الحجاج كما حدده المؤلفان. فما  هو الحجاج من منظور برلمان وتيتيكان؟ وهل يهدف إلى الإقناع أم الاقتناع؟ وإلى أي حد استطاع المؤلفان تحرير الحجاج من الشبهات التي لحقته؟ وأخيرا ما تأثير نظرية الحجاج على الخطاب الفلسفي؟

يعرِّف شايم برلمان وتيتيكان الحجاج باعتباره “درس لتقنيات الخطاب التي تؤدِّي بالأذهان إلى التَّسليم بما يعرض عليها من أطروحات أو تزيد من  درجة هذا التسليم”[2]. ويقع الحجاج في منطقة وسطى _ ليس بالمعنى الرياضي، بل بالمعنى القيمي _ بين الاستدلال  La démonstration والإقناع La persuasion؛ ذلك أن الاستدلال مجاله المنطق الصوري، بما هو منطق متعال على شروط المجال التداولي، في حين أن الحجاج محايث لهذه الشروط، إذ لا تقوم له قائمة دونها؛  كما أن الحجاج ليس إقناعا، لأن الإقناع يخاطب وجدان المتلقي وخياله، في حين أن الأصل في الحجاج، من منظور المؤلفان، أنه يقوم على حرية الاختيار التي يمليها إعمال العقل؛ فالحجاج إذاً يقوم على الاقتناع وليس على الإقناع، أي يقوم، بعبارة أخرى، على الالتزام وليس على الإلزام.

يصنف المؤلفان الحجاج، بناء على ما سبق، إلى صنفين: الحجاج الإقناعي L’argumentation persuasive والحجاج الاقتناعي L’argumentation convaincante، والحد الفاصل بينهما يكمن في كون الأول يهدف إلى إقناع خاصة الناس، في حين يهدف الثاني إلى إقناع الخاصة والعامة على حد سواء.

ولما كان الأمر كذلك، فإن الاقتناع هو أساس الحجاج، وذلك من جهتين: الأولى، لأنه موجه للخاصة والعامة؛ والثانية، لأنه حجاج غير إلزامي يتيح للناس حرية الاختيار بناء على إعمال العقل والنظر. ويشهد على ذلك قول المؤلفان: “عندما نَقتنع، فإننا نَقْتَنِعُ من تلقاء ذواتنا، ومن خلال أفكارنا الخاصة، أما عندما نُقْنَعُ، فإننا نُقنع دائما من خلال الآخر”[3].

فضلا عن ذلك، فمثلما أن الحجاج ليس استدلالا أو إقناعا، فهو كذلك ليس جدلا أو خطابة؛ ذلك أن الجدل يخاطب عقل الإنسان، والخطابة تخاطب وجدانه، في حين أن الحجاج شامل جامع، من حيث أنه يخاطب العقل والوجدان على حد سواء.

أسهمت نظرية الحجاج التي أسسها برلمان وتيتيكان في مؤلفهما المشترك حول الخطابة الجديدة لإعادة النظر في الخطاب الفلسفي، الذي اشتهر على أنه خطاب برهاني كما ثبت ذلك عند أرسطو وابن رشد وغيرهما من أنصار النزعة البرهانية. والواقع أن الخطاب الفلسفي هو خطاب يصاغ بلغة طبيعية يختلف تأثيرها من مجال تداولي إلى آخر، وليس بلغة صورية متعالية عن المجال التداولي كيفما كان. والمعلوم أن اللغة الطبيعية لغة انزياحية، من حيث أنها بقدر ما تصرح بقدر ما تضمر، وبقدر ما تفصح بقدر ما تخفي، وبالتالي فهي لغة تفتح الباب للتأويل المشروط بسياقات نفسية واجتماعية وتاريخية وسياسية واقتصادية.

إن الخطاب الفلسفي بالجملة هو خطاب حجاجي وليس خطاب برهاني صرف، لأنه يتوسل باللغة الطبيعية للنهوض بمهمة الإقناع  أو الاقتناع تبعا لسياق التداول؛ وعليه تصير الفلسفة ليست حكرا على صفوة القوم، بل هي ملك مشاع بين كل من أراد أن يسند دعاواه بما تيسَّر من الحجج من أجل حمل محاوريه على  الإقناع أو الاقتناع.

بناء عليه، يمكن أن تكون نظرية الحجاج لبيرلمان وتيتيكان مدخلا فعليا للدفاع عن الحق في الفلسفة بتعبير جاك ديريدا، أي الحق في التعبير والتفكير والمحاججة بغضِّ النظر عن المرتبة الاجتماعية أو العلمية أو السياسية؛ وبالتالي فنظرية الحجاج هي نظرية ديمقراطية وليست استبدادية؛ فهي نظرية ديمقراطية، لأنها تتيح الحق في بناء استدلالات يعتقد صاحبها أنها طريقه للإثبات أو الاعتراض، وهو طريق حرٌّ لا يلتزم بقواعد جامدة، بل يتوسَّل بكل ما من شأنه أن يحقق بغيته، ما لم يهدد، بطبيعة الحال، السير والأمن العامين؛ وهي نظرية ليست استبدادية، لأنها لا تدَّعي امتلاك الحق والصَّلاح والصّواب والرّجحان، بل تسلِّم بإمكانات متعددة وفق ما يمليه المقام؛ ذلك أن لكل مقام مقال، ولكل حادث حديث، فبأي حق إذاً نجيز وثوقية الأقوال والأفعال؟ !

يتحصل مما سبق أن برلمان وتيتيكان استطاعا سلب التَّقابل بين العامة والخاصة الذي كرسه التقليد الفلسفي القديم، من خلال الانتصار لحرية التعبير والتفكير، والأخذ والرد، والتأييد والاعتراض، فوسعا بذلك من رحبة العقلانية لتشمل مجالات أخرى كانت محتقرة من طرف أسياد يدَّعون امتلاك الحق المبين الذي لا شريك له. إن طرح مؤلفي الخطابة الجديدة لمن شأنه أن يعيد النظر في مهمة الفلسفة؛ ذلك أن هذه “إن كانت تسمح بتوضيح المفاهيم الأساسية للبلاغة والجدل وتدقيقها، فإن المنظور البلاغي يسمح بفهم المهمة الفلسفية ذاتها بشكل أفضل، بتحديدها وفق عقلانية تتجاوز فكرة الحقيقة، ما دام نداء العقل يفهم بمثابة خطاب موجه إلى مستمع كوني”[4]، وهو ما يعبر عنه مانويل ماريا كاريلو بشكل أدق بالقول: “الفلسفة تجعل البلاغة أكثر دقة، وهذه (…) تمنح الفلسفة سعة النظر”[5].

 [1] جدير بالذكر الإشارة في هذا المقام إلى مقال عبد الله صولة الموسوم بعنوان الحجاج: أطره ومنطلقاته وتقنياته من خلال “مصنف في الحجاج_الخطابة الجديدة” لبرلمان وتيتيكان، وهو مقال ضمن عمل جماعي موسوم بعنوان أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، من إصدار جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية تونس 1، كلية الآداب منونة، تحت إشراف حمادي صمود.

من ارشيف عبد الرحيم رجراحي:

في مشروعية الدولة

الفلسفة ونظرية الحجاج

 

[2]  Chaïme Perlman et Lucie-Olbechts-Tytica : Traité de l’argumentation_la nouvelle rhétorique, Editions de l’université de Bruxelle , 1992, p. 5.

[3]  Ibid.,p. 54.

[4]  مانويل ماريا كاريلو، خطابات الحداثة، ترجمة إدريس كثير وعزالدين الخطابي، منشورات دار ما بعد الحداثة، ط 1، 2001، ص 108.

[5]  المرجع نفسه والصفحة.

شاهد أيضاً

هل الفلسفة في حاجة إلى ديداكتيك؟

بقلم: المحفوظ السملالي يبدو للوهلة الأولى أن هذا السؤال متجاوزا بالنظر الى الحجج التي قدمها …

2 تعليقان

  1. المعانيد الشرقي

    تحليل عميق أستاذ رجراحي…
    تحية لك بحجم الوجود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *