الرئيسية / منتخبات / عامة / اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/4

اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/4

هادي معزوز – المغرب

… عندما كان عبد الرحمن اليوسفي وراء عدسات الكاميرا إبان تلقيه خبر تعيينه كوزير أول لحكومة التناوب الأولى، رأيت في الرجل ترددا مبطنا ساهم فيه شبح عبد الرحيم بوعبيد، هل كان من الضروري القبول بهاته المشاركة القابلة للانفجار باسم المصلحة العليا للوطن؟ بدوري لم أكن متحمسا كعادتي، لأن الأشياء التي تأتي فجأة باسم التغيير يكون مصيرها الزوال بقوة المنطق، وهل كان كافيا القسم بالقرآن بين الحسن الثاني واليوسفي لتذويب الخلافات وكسب درجات أخرى من الثقة بين خصمين من الصعب أن يلتقيا؟ غادر العديد من مناضلي الإتحاد الاشتراكي حزبهم الذي تربوا فيه، حيث من المستحيل الجلوس جنبا إلى جنب مع إدريس البصري، هذا الرجل الذي كان وراء أحداث 20 يونيو 1981 بالدار البيضاء، حيث قتلت من قتلت، وأخفت من أرادت، ثم زجت بقياديي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ثم يأتي زمن يتحالف فيه الجلاد مع الضحية؟ أي عبث هذا؟

كان اليوسفي على علم بنزيف الاستقالات التي شملت الحزب، لكنه في مقابل ذلك كان يعرف أن حزبه سيكبر في عيون جماهيره الشعبية وذلك بناء على خبرات أطره في إخراج جسد المغرب المنهوك من غرفة الإنعاش حيث السكتة القلبية المعلومة، شخصيا أصبت بخيبة أمل جراء هذا الوضع والتي أثرت بعدئذ على حالتي الصحية حيث أصبت بداء السكري، لازلت أتذكر كلمات البروفيسور جمال: ـ من الصعب أن أقنعك بشيء أنت أدرى مني به، لكن أنصحك بتجنب كل الفضاءات التي يوجد بها الضغط مهما كانت طبيعتها، أنت طبيب نفسك وأنت العارف بمصلحتك أكثر مني.

في تلك اللحظة وتحديدا بعد سنة من انتخابات 13 يونيو 1997 المعلومة، حصلت على التقاعد فكانت فرصة للانتقال بين المغرب وفرنسا، وجدت في كاترين ما لم أجده في أي أحد وإن كانت تصغرني بخمسة عشرة سنة، أعادتني ومن حيث لا أدري إلى زمن الشباب خلال الدراسة بفرنسا، كانت امرأة تجدد نفسها كل يوم، فكنت أرى فيها شخصا جديدا على مدار لقاءاتنا، بفضلها جلست مع نفسي مطولا حيث قررت الابتعاد مطلقا عن وهم النضال، راجعت العديد من الأفكار ثم قررت نشر رسالة وداع للحزب عبر حلقات في مجلة فرنسية تداع على نطاق واسع. فرحت كاترين بذلك لأن هذا الابتعاد يعيد لي روح الانخراط في الحياة، فأصبحت بعدها أقضي بياض يومي في القراءة والكتابة والتجول رفقة صديقتي الجميلة في كل مكان نضعه بين أعيننا.

أصبحت زياراتي للمغرب قليلة مقارنة مع السنة السابقة، بل إنها أصبحت مناسباتية إما بتلقي الدعوة لتأطير نشاط ثقافي ما، سواء بمهرجان أصيلا، أو في رحاب جامعتي محمد الخامس ومحمد بن عبد الله، كان أصدقائي يعرفون علة هذا الهجران.. لن أكذب عندما سأقول أو بالأحرى سأبوح وأنا في أيامي الأخيرة، أن دخول الحزب لهذا التحالف ساهم بشكل أو بشكل آخر في إحداث الشرخ لدينا، فبدأت علاقاتنا تبرد رويدا رويدا إلى أن انتهت تماما.

في ذلك الصيف الحار وتحديدا يوم 23 يوليوز 1999، وبينما كنت رفقة كاترين في إحدى المنتجعات السياحية بإسبانيا تلقيت مكالمة من البروفيسور جمال يخبرني فيها عن وفاة الحسن الثاني، أجبته ومن حيث لا أدري: le roi est mort, vive le roi ثم أنهينا الاتصال على أمل اللقاء فور حلولي بالمغرب، كنت مشدوها بيني وبين نفسي، وأنا الذي ذقت مرارة سنوات ملك كان يعتقد أنه سيبقى ملكا إلى أبد الآبدين، لكنه وبالرغم من اختلافي المطلق معه إلا أنه تمكن من بصم حضوره كأبرز الملوك العلويين، بيد أن الخطأ الكبير الذي ارتكبه هو أنه استعصى عليه أمر إخراج المغرب من براثن التخلف لتنتهي حياته بتحالف هش مع عدوه وخصمه السابق.

كنت أتابع كل كبيرة وصغيرة في المغرب سواء من خلال ما تنقله وسائل الإعلام هنا في فرنسا، أو ما يصلني من أخبار من المغرب، لاحظت أن فرنسا اعتبرت الحدث كبيرا يستحق اهتماما أكبر، كانت جرائد le figaro / le monde diplomatique/ تقوم بتغطيات شبه يومية لهذا الحدث، إلا أن أهم ما أثار انتباهي هو ذلك الحشد الهائل الذي سار في جنازته، وهنا أتحدث عن الشعب المغربي، الذي أبان عن ارتباط غريب به رغم أنه لم يحقق لهم أبسط المطالب، بل إن ما أثارني أكثر هو بكاء النسوة وعويلهم بتلك الطريقة حيث توسلت بكبريات المدارس العالمية في علم النفس لتفسير ذلك دون اقتناع يشفي غليلي.

كنت أرى في الملك الشاب لغزا وغموضا كبيرين، كان أول شيء قام به هو إقالة إدريس البصري وتعويضه بأحمد الميداوي، لم يكن قرار العزل ليمر بتلك السرعة، بقدر ما قدم إشارة كبيرة للعالم برمته مفادها : ملك جديد سياسة جديدة، بعدها مباشرة أعلن زواجه بإحدى فتيات مدينة فاس وكان أول ملك يظهر زوجته لوسائل الإعلام، صراحة كنت أنتظر أشياء أكبر من هذا، وهو ما حدث خلال سنة 2002، حيث تبوأ الإتحاد الاشتراكي المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية دون أن يتم إعادة تعيين اليوسفي كوزير أول باسم المنهجية الديمقراطية، إذ تم تعويضه بوزير تكنوقراطي، ومع ذلك بقي حزب المهدي وعمر في الحكومة مما وضع أمام فوهة بركانين، الأول تمثل في الأعداد الهائلة التي استقالت، والثاني في ابتعاد نسبة مهمة من المواطنين عن التعاطف معه، ومنذ ذلك اليوم بات الإتحاد حزبا دون قواته الشعبية.

بقي القصر محافظا على هيمنته وتدخله في كل كبيرة وصغيرة، إكتسب الملك الشاب خبرة كبيرة، وإن كانت أغلب القرارات التي يتخذها نابعة من محيطه وليس من عندياته على غرار والده الذي كان يستفرد بالقرار، بيد أن بين الاثنين نقط التقاء لا تحصى من بينها العمل على تكريس ثقافة الهيمنة على أكثر الميادين حساسية وهي الأمل الداخلي والدين فالاقتصاد، لكن أهم اختبار سيحدث لمغرب محمد السادس ولمحيطة عموما، هو ظهور حركة العشرين من فبراير سنة 2011، هاته الحركة لم تثر فضولي بتلك الشدة المطلوبة لأنها لم تظهر كنتيجة لبنية مجتمعية خفية، بقدر ما انساقت وراء الأحداث التي كان يعرفها الفضاء من المحيط إلى الخليج، لهذا لم تستطع أن تتجاوز نفسها، أي بداياتها التي كانت ستحدث تغييرات إيجابية لولا حصولها بين يدي أشخاص ليسوا من الحنكة والتخطيط السياسيين بشيء، كان همهم محدودا دون أفق، كما أنهم لم يستطيعوا تطوير الفكرة في بعدها النبيل، بل إن أغلبهم كانت له طموحات شخصية ما إن حققها حتى عاد إلى ما كان عليه، يأكل الخبز ويمشي في الأسواق.

أحداث حركة العشرين من فبراير كانت أيضا بمثابة تيرموميتر للمغاربة، تعجبت لأشخاص محرومين من أبسط الحقوق ومع ذلك كانوا يدافعون عن الفساد مفضلين إياه عن وهم الاستقرار والذي نجح “المخزن” في تكريسه وفق آلياته اللاشعورية، تعجبت من أناس لازالوا لم يعرفوا بعد أسس عيشهم، كانوا بمثابة قطيع منساق لا يعرف مآله، إلى أن أجهض كل شيء حين صوتت نسبة جد عالية على تعديل الدستور المغربي دون أن تقرأ ولو بندا منه، فكان هذا بمثابة آخر مسمار يدق في نعش الأمل الذي رسمته، مما جعلني أغادر المغرب دون رجعة، حيث غيرت الجنسية وكل شيء، دون أن أغير من قناعاتي الشخصية.

أنا فلان بن فلان، أشهد في نهاية هذا الاعتراف أني ابن القرنين، قرن البطولات الكبيرة: الحرب العالمية الثانية/ الحرب الباردة/ ثورة 1968/ الثورة التكنولوجية.. ثم قرن التيه المطلق حيث نجاح تنبؤ هايدغر والمتمثل في الهيمنة المطلقة للتقنية كميتافيزيقا مكتملة، أعترف رفقة أبناء زمني أننا تحملنا هذا التغيير، هاته الانعطافات المتواصلة، وهذا الزمن الغامض والبارد، في انتظار وفاتي تركت وصية لكاترين أقول فيها ما لم أستطع قوله في هذا المقام، وبه تم الختم والسلام.

من أرشيف هادي معزوز:

سقط اللوى: 1 – مقدمات لثقافة في ظلام التاريخ

سقط اللوى: 2 – في الحاجة إلى الاصلاح الديني

سقط اللوى: 3 – حول مفهوم العدم

سقط اللوى: 4 – عالمنا البارد والبدائي جدا

اعترافات رجل مضى ويمضي 1 / 4 

اعترافات رجل مضى ويمضي 2 / 4

اعترافات رجل مضى ويمضي 3 / 4

اعترافات رجل مضى ويمضي 4 / 4

شاهد أيضاً

Sémiologie du nihilisme dans « La volonté de Puissance » de Nietzsche.

Ridha ben Aifa : assistant contractuelle en universités de Sfax-Tunisie رضا بن عيفة: أستاذ تعليم ثانوي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *