في مشروعية الدولة

عبد الرحيم رجراحي

يعدُّ الإنسان كائنا مدنيا، من حيث أنه محكوم عليه أن يجتمع ببني جنسه وأن ينخرط في تدبير الشأن العام إن إيجابا أو سلبا، فاعلا أو منفعلا؛ ولما كان الأمر كذلك، فالإنسان في مسيس الحاجة لتنظيم سياسي يتولى  تدبير أموره وقضاء مصالحه وحل خلافاته. ولعل الدولة من التنظيمات السياسية التي تسعى لتحقيق هذا الهدف، من حيث أنها تحيل على حالة المدنية، بما هي حالة للأمن والاستقرار اللذان من دونهما لا تقوم للعمران البشري قائمة. غير أن هذا التنظيم السياسي ليس على ضرب واحد، وإنما، على الأقل، على ضربين؛ ذلك أنه إذا كانت هناك دولاً همُّها الأكبر هو ضمان السِّلم والأمن والاستقرار والحرية والعدالة، فإن هناك دولاً أخرى تكرس الاستبداد والظلم والإرهاب. لكن القاسم المشترك بين مختلف الدول هو استعمال العنف؛ ذلك أن هذا يظل وسيلة لا غنى عنها لضمان استمرار الدولة والنهوض بغاياتها، سواء كانت غايات جماعية، تأخذ في الاعتبار المصلحة العامة، كما هو الشأن بالنسبة للدول الديمقراطية، أو غايات فردية، تغلب مصلحة الحاكم على المحكومين، كما هو الشأن بالنسبة للدول المستبدة. فهل الدولة إذاً هي التنظيم السياسي الأمثل لتدبير الشأن العام أم أنها لا تعدو إمكان من جملة إمكانات؟ وعلى ماذا تتأسس الدولة؟ هل على قوة الحق أم على حق القوة؟ بعبارة أخرى، هل على القانون أم على العنف؟ وما حدود الوصل والفصل بينهما؟ بمعنى آخر، أين تبدأ مشروعية العنف وأين تنتهي؟

يدافع ماكس فيبر على دعوة مفادها أن الدولة هي التنظيم السياسي الوحيد الذي يملك الحق في ممارسة العنف المادي ويسوِّغه؛ ولما كان العنف هو السبيل الوحيد لاستمرار هذا التنظيم السياسي، عُدَّ احتكار الدولة للعنف أمرا مشروعا.

الدولة إذاً هي تنظيم سياسي يملك مشروعية استعمال العنف، مادام هذا هو وسيلتها لضمان استمرارها وحفظ حدودها وتطبيق سياساتها؛ وبالتالي العنف المادي هو الضامن لسيادة الدولة ولسلطتها على مجموع أفرادها، من حيث أنها هي التي تملك الحق على الإطلاق في ممارسة العنف وإجازته.

يستشهد ماكس فيبر  على مصداقية دعواه بزعيم الأممية الرابعة ليون تروتسكي الذي يؤكد أن الدولة لا تقوم لها قائمة من دون عنف، من حيث أن هذا هو الضامن لسيادتها والمبقي على سلطتها، ومن دونه تحل الفوضى والتسيب؛ فكل تنظيم سياسي إذن ينبغي أن يحتكر مشروعية ممارسة العنف المادي لوحده فقط، من حيث أنه هو مصدر الحق والضامن له ولا آخر سواه.

يجد طرح ماكس فيبر تأييدا لدى توماس هوبز الذي يسوِّغ للحاكم التمتع بصلاحيات واسعة ومطلقة، لاتقاء كل ما من شأنه أن يعود بالناس إلى حالة الطبيعة، بما هي حالة حرب الكل ضد الكل وما تسفر عنه من فوضى وتسيب يهددان  حقا من الحقوق الأساس للإنسان وهو الحق في الحياة الذي يعتبره صاحب اللفياثان من أهم الحقوق التي ينبغي أن تضمنها الدولة لمواطنيها، ولكي تنهض بهذه المهمة ينبغي أن تكون قوية وصارمة وحاسمة، أي أن تملك الحق في ممارسة العنف وسن العقوبات والضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه أن يهدد النظام العام وأن يحطَّ من سيادة الدولة وسلطتها، ولاسيما أن الدولة هي نتاج لتعاقد بين الناس بموجبه تنازلوا عن حقوقهم الطبيعية لحاكم هو الذي سيتولى تدبير شؤونهم على أساس القانون، أي الاحتكام لقوة الحق وليس لحق القوة، وهو ما يجعل من عنف الدولة أمرا مشروعا مادام يهدف من جهة إلى ضمان سيادة الدولة ومن جهة ثانية إلى حفظ حقوق الناس من الضياع.

لكن ألا تؤدي المبالغة في تقدير دور الدولة في ضمان الأمن والاستقرار وبالتالي في احتكار العنف المادي المشروع  إلى الاستبداد والإرهاب والاستعباد والظلم؟ وإلا فبماذا نفسر التفاوت الطبقي المشهود في الدول المعاصرة بين الأغنياء والفقراء، بين من يملك ومن لا يملك شيئا؟ أليست الدولة كتنظيم سياسي هي سبب البلاء؟

الواقع أن الدولة لا تعدو جهازا للسيطرة الطبقية، وهذا ما اهتدى إليه كارل ماركس؛ ذلك أنها تمثل مجموع المؤسسات السياسية والاجتماعية والعسكرية التي تحفظ مصالح البرجوازيا على حساب البروليتاريا، أي الحفاظ على مصالح الأقلية على حساب الأغلبية؛ الأمر الذي يكرس الظلم والفقر والقهر؛ ومن ثمة فعنف الدولة الغاية منه هو إقبار حركات التحرر من الاستغلال والاستعباد وليس الحفاظ على النظام والاستقرار؛ وعليه فإن الحديث عن مشروعية احتكار الدولة للعنف يدعو للتحفظ، مادامت الدولة والحالة هذه لا تضع في الاعتبار مصلحة الأغلبية، بل تعبِّر عن أقلية تحتكر وسائل الإنتاج وهمُّها الأوَّل هو مراكمة الأرباح ولو على حساب كرامة الإنسان. غير أن هذا التنظيم السياسي لن يكتب له الدوام، لأن البرجوازيا تحمل حفار قبرها، إذ ليس قدر البروليتاريا أن تظلَّ مستغَلَّة ومستعبَدة، بل لابد من أن تعي ظروف استغلالها، من خلال نخبتها المثقفة، فتثور وتدك البنية القائمة وتنجز المهامَّ الديمقراطية والإشتراكية لتحقيق مجتمع شيوعي ينتفي فيه التفاوت الطبقي وتحل محله العدالة الاجتماعية.

نستخلص مما سبق أن الدولة تنظيم سياسي اهتدى إليه الناس لتنظيم شؤونهم على أساس الحق والقانون؛ ويتأسس هذا التنظيم على العنف المادي المشروع الذي يضمن للدَّولة سيادتها وللمواطنين حقوقهم. غير أن هذا التَّنظيم يمكن أن يصير مستبدّا عندما تنفرد به أقلية تغلِّب مصالحها على حساب الأغلبية؛ ومن ثمَّة تحتكر العنف لجعل الحق باطلا والباطل حقا. وعليه فإننا نعتقد أن الدَّولة ليست هي التنظيم السياسي الأمثل والأرقى، بل ما هي إلا تنظيم ارتبط بالنظام الرأسمالي ويحمل حفار قبره  وأسباب أفوله، لكي يفسح المجال  لتنظيم سياسي آخر وهو النظام الشيوعي المأمول .

من أرشيف عبد الرحيم رجراحي:

في مشروعية الدولة

الفلسفة ونظرية الحجاج

 

 

شاهد أيضاً

شيطَّانُ الديمقراطيةِ: هذه هي السياسة !!

سامي عبد العال –  كلية الآداب / جامعة الزقازيق- مصر يبدو أنَّ للديمقراطية وجهاً آخر كوجه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *