الرئيسية / منشورات / مجلات / خطاب الكاتب

خطاب الكاتب


العلوي رشيد – الدار البيضاء
ليس خطاب الكاتِب هو خطاب الحاكِم، أو خطاب رجل دين، أو خطاب محترف سيَّاسة، ولا هو بخطاب رجل علم، أو خطاب تقنوي، بل هو خطاب يجمع كل هذا وذاك دون أن يكون أي واحدٍ منهم. إنه خطاب العقل والتاريخ والمستقبل والإنسانيَّة والنقد.
الخطاب عموماً يحمل رسالة ويتوجه لمتلقي ويبني سرديَّة محكمة ويتفنَّنُ في لغته ويحمِّس… وهذه من الأمور المشهورة والبديهيَّة وإلا فقد كل معانيه الظاهرة والمُبطِّنة: أي أنه سيقع خارج التاريخ والانتظارات والمأمول وسيفقد حِسَّه الإنساني ومنطقه العقلاني والنقدي.
بطبيعة الحال هناك فروقات جمَّة بين أنواع الخطابات، فخطاب الحاكم تحكمه المصلحة فرديَّة كانت أو جماعيَّة غير أنه ينبغي أن يحتكم للعقل، وخطاب رجل الدِّين عاطفي وأخلاقي غير أنه يجب أن يحتكم للتاريخ وألاَّ يجرد الحقائق من سيَّاقاتها، وخطاب رجل السيَّاسة ضيِّق ومشحون بالنفعيَّة غير أنه يفتقر للبُعد الإنساني الكوني بحيث يظلُّ حبِيسَ فضاءِه السيَّاسي المحلي، وخطاب العالِم مؤكد يُعلِن الحقيقة ببرهان وهو أيضاً حجاجي لأنه مؤسس على فرضيَّات للفحص غير أنه لا يتناسب والمستقبل رغم ادعاءه أنه للمستقبل، وخطاب التقنوي كارثي بسبب تعنُّتِه في قدراته وكفاءاته لاقتان أجرأة المهام وتنفيذ المشاريع عبر تطبيق الخُطط غير أنه يفتقر للنَّقد وللبناء الكُلي.
خطاب الكاتِب نابع من تجربته واحساسه وتتبعه وترقبه للأوضاع، خطاب متريث يفحص كل الحيثيَّات ويُعيد بناءها ولا يبالي بما يروج من أخبار وإشاعات، خطاب يتفنن في تبليغ الرسالة ويحفِّزُ المرسل إليه على التفكير في وضعه ومستقبله وتاريخه وقدراته وراهنه دون أن يقدم له أيَّة حقيقة معينة. إنه خطاب مثقلٍ أغلب الأحيان بالهزائِم والانكسارات ولكنه مُفعمٌ بالآمال.
ينبش الكاتب بين الأحداث التاريخيَّة ويستقصي النظريَّات العلميَّة ويفحص إجراءات التقنوي وينتقد اختيَّارات الحاكِم ويفضحُ ادعاءات المصلحة والمنفعة ويعرِّي لا تاريخيَّة الدِّيني وتقيَّته الفاجِرة، ليبني خطاباً يتماشى مع يحكمه هو ككاتِب من هم إنسانِي وبصيرةٍ مستقبليَّة وعينٍ ثاقِبة وحِسٍّ تاريخي ومنطقٍ عقلاني.
لم يعد خطاب الكاتِب كما كان، لقد فقدَ سلطته المعرفيَّة والفكريَّة، وصار خطاباً منحطاً لا يحتكم لكل ما سبق، بل نزل أسفل السافلين ضد التاريخ والبُعد الكوني والعقل: أصبح خطاباً غارقاً في الجزئيَّات، ويخشى مصارعة طواحين دونكيشوته وأطلق أدراجه للريَّاح ويهاب هبوب العواصف بحيث ينحني أمامها كالقصب.
اهتز خطاب الكاتب واستسلم لسلطة المال والجاه وركع لذوي النُّفوذ، وأعلى من شأو القبيلة والعقيدة والغنيمة وساير طوفان الحشود.
تم تبخيس خطاب الكاتب عن وعي أو دون وعي، وأغرقته قوى تافِهة لا تفقه في الثقافة في وحل الجريمة والجنس وتيه الوجود المُقيت، أغرقته في الرِّبح السريع وانتهاز الفرص، وامتدح ما لا يمتدح ونفخ في صور الفساد، وزكى تجار الدِّين والعقيدة.
استسلم خطاب الكاتِب للخيال الفارغ وللفكرة البلهاء واقتات من فُتات الولائم، ووقف في المنابر يتأسف لحالِه ولحال وطنه، هذا إن كان له وطن. وقف في وهنٍ وهو خار القوى ويريد استعادة شموخه ونُبله.
من المفارقة أن يحلم خطاب الكاتِب بالأفق الواسع للإنسانيَّة وللتاريخ والمستقبل وهو في أجلِّ صور الانحطاط والتقهقر: فكيف يمكن لخطاب الكاتِب أن يجمع كل هذا وذاك دون أن يكون أي واحدٍ منهم؟

من أرشف الكاتب:

ألمُ الكاتِب

THE AUTHOR’S SPEECH

فرح الكاتب

عزلة الكاتب

أثر الكاتب

المقعد

ظِلُّ الكاتِب

خطاب الكاتب

قلم الكاتب

The Author’s Chair – كرسي الكاتب ترجمة رنا خالد

 

شاهد أيضاً

جاك دريدا .. كيف يعيش فيلسوف التفكيك موته؟

فتحي المسكيني (مقال منشور بجريدة الشرق الأوسط، 12 أكتوبر 2004) مات جاك دريدا. هو يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *