الرئيسية / فكر وفلسفة / مقالات / اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/2

اعترافات رجل من تاريخ مضى ويمضي.. 4/2

بقلم: هادي معزوز

كانت الحرب بمثابة تحول جذري في تاريخي، حرب لم أفهم فحواها ولا زلت لحد الساعة، بل إنها كانت عاملا لبداية اشتغال عقلي على طرح أسئلة من نوع جديد: هل الحرب عامل لتحقيق السلم؟ ولماذا خطفت مني والدي الذي حملوه رفقة آباء عديد الأقران كي يحاربوا العدو “الألماني”؟ صحيح أن سني لازال لم يبلغ بعد تلك الدرجة الكبيرة من ترتيب الأمور، ووضع كل شيء في محله الذي يستحقه، لكن وبعد أن وعيت بما وعيت، ثم انقطعت أخبار والدي دون التأكد من مصيره. استطعت أن أقول وبحذر شديد أننا فعلا كنا أشخاصا لا نعرف ماذا نفعل، كان جهلنا أكبر مما يمكن تصوره، إذ كيف ندافع على بلد ضد بلد أخر، رغم أن الأول يحتلنا باسم الحماية، والثاني بعيدة عنا ثقافته حياديا؟ بعبارة أخرى متى كان الخاضع يدافع عن عدوه؟

أصبح العالم باردا جدا في عيني، وقاسيا أيضا، بارد لأنه غاب فيه المعنى حيث السقوط في براثن العدمية الارتكاسية، وقاس لأنه تكلم على لسان حرب وضعتنا أمام المجهول: أسرة بدون معين، غلاء كبير في المعيشة، ندرة متطرفة بخصوص المواد الغذائية الأساسية.. العديد من الناس لقوا حتفهم بسبب الجوع.. هجمات السنغال والأمريكيين.. كانت أول مرة أعرف فيها أن هناك مزيدا من الدول مجهولة الاسم.. مزيد من الدول أي مزيدا من المشاكل غير المفهومة.

في تلك اللحظة كان لابد من الخروج إلى العمل، كنت لا أزال طفلا عديم الخبرة بقسوة الحياة والبشر، كنت عنوانا لذات عاشت الصدمة بكل ما تحمله من صدمة.. على العموم، لست الشخص الوحيد  بطبيعة الحال الذي قرر ممارسة ذلك، كنت جزءا من الكل، بل مجرد حبة قمح في هذا الكون الفسيح.

امتهنت بداية بيع السجائر بالتقسيط للأمريكان، كانوا يتكلمون لغة غير مفهومة، وبدوري لم أكن أفهم سوى اللغة العربية والفرنسية، كان بعضهم قاسيا جدا قساوة قامته الفارعة، فيما كان البعض الآخر يشفق علينا، وبما أني بقيت أقضي مجمل يومي في الميناء والحانات، فقد بدأت أتمكن من فهم أغلب ما يقولون، وهو الأمر الذي ساعدني كثيرا على التقرب منهم، كانوا يلقبونني بالجوكير، صراحة لم أكن أعرف سبب هذا اللقب لكنه كان يروقني كثيرا، إلى أن عرف الميناء بعدئذ ركودا كبيرا لم نكن على دراية بأسبابه، ومعه بدأت تقل فيه حركيته المعهودة، كنت قد عرفت من أحد الأصدقاء أن أغلب هؤلاء الجنود قد توجهوا إلى فرنسا لدحر القوات الألمانية، شخصيا لم أكن أعرف لماذا كنت أتمنى انتصار النازية، حيث بدأت أحشر انفي في النقاشات الهامشية، أغلبنا كان يقول أن انتصار فرنسا مفيد لحصولنا على الاستقلال، وأن الحركة الوطنية بعثت بوثيقة تطالب فيها بالاستقلال التام عن فرنسا..

عشت حالة منفصمة مع نفسي في ذلك الإبان، كنت أتمنى أن تبقى الحرب كي أتمكن من كسب قوت يومي، وفي نفس الوقت بدأت أعي من خلال نقاش الأصدقاء أن استمرار الحرب ليس في صالح قضية حصولنا على الاستقلال..  إلى أن بدأت الأمور تتضح شيئا فشيئا مع نمو جسمي وعقلي، حيث توصلت إلى أن أهم قضية توجب أن ندافع عليها هي الحرية غير المشروطة، فكان هذا إعلانا على دخولي إلى مجال النضال حيث نلت شرف الانتماء إلى الحركة الوطنية، مؤمنا أشد الإيمان أن أهم تحدِّ وجب خوضه هو التفوق في الدراسة، هكذا بدأت أتخلص من الغموض الذي سكنني ذات يوم، وجعل مني شخصا فارغ الإحساس بالمعنى، على الأقل لدي اليوم قضية أحملها على أكتافي، وهو ما تم بالفعل خلال بدايات الخمسينات عندما تم قبول ملف دراستي بجامعة السوربون.

كنت سعيدا جدا بهذا الفتح الذي سيقربني أكثر من أبي، من يدري قد أعثر عليه في أحد أزقة الحي اللاتيني يبكي أمجاده، أو قد أجد قبره في مقبرة ضحايا الحرب العالمية الثانية، لكن المهم هو إطفاء شواظ حرارة التأكد من حقيقة موته من حياته. أنا الآن في فرنسا أسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف أعتبرها محددة بشكل دقيق لمسار حياتي: التأكد من حقيقة مصير والدي.. النضال من أجل الحصول على الاستقلال.. ثم أخيرا العودة إلى المغرب حاملا شهادة الدكتوراه..

في الحي اللاتيني وجدتني أمام تناقضات جمة، كانت الجامعة الفرنسية حبلى بالطلبة من كل الجنسيات، وكانت كل جنسية بمثابة لسان حال واقع انتماءها: طلبة أوربا ينقسمون إلى عدة أنواع، بعضهم يؤمن بضرورة التحصيل العلمي بدافع الفضول واكتشاف شيء جديد، أي العمل على التصالح من الذات وإيجادها. أما البعض الآخر فقد آثر السير على منوال رفض الحياة بتواطؤاتها الغريبة، أي الخروج والتمرد على النظام الذي أرست دعائمه المنطلقات والثوابت العقلانية. عموما كانت أوربا الخارجة لتوها من الحربين على موعد مع التاريخ، كان لا بد من قراءة الواقع بعين فلسفية محضة، إذ لا يمكن بناء حضارة أو قوة من فراغ، كان لا بد من الحرب والدماء كي يعرف هذا الطرف من العالم مدى قدرته على الابتكار، في مقابل ذلك انتبهت إلى مدى لامبالاة أغلب الطلبة العرب خاصة المغاربة منهم، إذ بدل الإيمان بالقضية الوطنية احترف جلهم التسكع في شوارع باريس، والتردد على حاناتها، كانت القضية الوطنية آخر شيء تفكر الأغلبية الساحقة، صحيح أهم يستجيبون لطلبنا في المشاركة الميدانية، بيد أنها كانت مشاركة فارغة، إما خوفا من الاتهام بالخيانة، أو طمعا في شيء ما كنا نعرفه دون الجرأة عل طرحه.. تساءلت مرارا وتكرارا: ماذا بعد الاستقلال، وهل لدينا ما يكفي من الأطر لبناء دولة قوية على غرار اليابان مثلا أو الصين؟

بعد مرور ردح من الزمن بدأنا نستقي بشدة أخبار ما يحصل بالمغرب، حاولت في أكثر من مرة النظر إلى الأمور بعين مغايرة للتي ينظر بها الآخرون، كنت أتساءل دوما عن هذا التوتر الذي كان حاصلا بين السلطة المخزنية، وبعض القبائل خاصة المنحدرة من الريف، كما كنت أشكك في خطاب بعض المنتمين إلى الحركة الوطنية، والذي كانوا يبحثون لأنفسهم على مناصب سامية يحققون بها مآربهم الشخصية، صحيح أني لم أناقش الأمر مع أي أحد سوى صديقة ألمانية تدعى “دونا”، والتي كانت بدورها تشاطرني الرأي، لهذا وكرد فعل غير مباشر قررت ألا أعود إلى المغرب قبل التأكد من فرضياتي، وأيضا بناء على ما سيحصل.

كان يوما مشهودا ذاك الذي حصلنا فيه على الاستقلال، شربت نخب الحرية رفقة صديقتي الألمانية التي لم تكن أقل مني حذرا، لكن وبما أن العاطفة تسطو على قراراتنا في بعض الأحيان أعطيت القيمة الكبيرة لحسن النية، متفائلا بغد ملؤه الأمل وتحقيق النجاح على غرار دول عدة انطلقت من نقطة الصفر، فكان هذا إعلانا على بداية سيناريو جديد.

مرت ثلاث سنوات بعد حادث الاستقلال، من خلالها هرع جل المغاربة خاصة محترفي الحانات إلى الوطن لملأ المناصب الشاغرة بدعوى دراستهم بأوربا، خفتت أنشطة التجمع الطلابي المغربي وإن كنا نعتبر أنفسنا لم نصل بعد إلى الاستقلال التام إلا بحصول الجزائر هي الأخرى على الحرية.. أما الحدث الأخير الذي طبع هاته المرحلة هو العثور على حقيقة والدي، حيث وجدتني أمام قبره بعدما أرسلت طلبا إلى الجهات المختصة تخبرني فيه أن هذا الإسم لقي حتفه على يد الألمان، ضربت يدي حسرة على شخص ضحى من حياته من أجل وطنه، على شخص حشر نفسه في قضية لا تمت له بأية صلة تذكر، وعلى شخص عاش دون أن يعرف حقيقة ما سيحصل بعدئذ، كان الوهم عنوانه الوحيد، وكان الوهم عنواننا أيضا، قررت قطع علاقتي مع “دونا” من يدري قد يكون والدها أو أخوها أو أحد أقربائها هو من أطلق الرصاصة القاتلة نحو جسد والدي.. عندما بحت لها بهذا الأمر لم تجد بدا من دعوتي إلى ترك هاته المقارنة، كنت قد أخذت القرار ومعه تركتها تبكي تحت تلك الشجرة التي كنت عل موعد أخير معها.. بعدها بيوم واحد وجدتني أستنشق رياح شرق المتوسط بحسرة.. بغموض المستقبل.. وبتيه لم أعش مثله من قبل.

من أرشيف هادي معزوز:

سقط اللوى: 1 – مقدمات لثقافة في ظلام التاريخ

سقط اللوى: 2 – في الحاجة إلى الاصلاح الديني

سقط اللوى: 3 – حول مفهوم العدم

سقط اللوى: 4 – عالمنا البارد والبدائي جدا

اعترافات رجل مضى ويمضي 1 / 4 

اعترافات رجل مضى ويمضي 2 / 4

اعترافات رجل مضى ويمضي 3 / 4

اعترافات رجل مضى ويمضي 4 / 4

شاهد أيضاً

“صورة المرأة في الخطاب الفلسفي عند محمد عابد الجابري”

نجيب جيهان / باحثة في الفلسفة والمجتمع تحاول هذا الورقة الكشف عن مدى تقدم نظرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *