فرح الكاتب

العلوي رشيد

فرح الكاتب له طعمه الخاص، فهو يفرح كما يفرح كل الناس ب: مولود جديد، سهرة عائلية، حفل زفاف، لقاء مفاجئ، موسيقى جديدة… ولكنه في الآن ذاته فرح استثنائي يقع كبرزخ بين عالمين.

يعيش الكاتب في عالم النَّاس بكل اكراهاتِه وشروطه وحيثياته اللامتناهيَّة، ولذلك يقدر مختلف لحظات المعيش من فرحٍ وحزن وكآبة ويأس، غير أن قلقه المعرفي يتجاوز الإحساس العادي بالضيق أو الخنق، ببساطة لأن قلقه ينِّم عن أنانيَّة مفرطة تجعله في دوامة انفعال غير منظور، تجعله لا يأبه لأحد وهو يبحث عن فكرة، لمسة، صيغة، زحزحة، سمة لشخصيَّة…

يعيش الكاتب في عالمه الخاص: يفرح كثيراً لعمله الجديد وكأنه مولود جديد، ويسهر مع الكُتَّاب والأصدقاء سهراً خاصاً بسبب ما بينهما من صلات، ويفرح بلقاءاتِه المفاجئة التي تحدث خلال المعارض والأنشطة المرتبطة بمهنته، ونادراً ما ينال مراده للفوز بحميميَّة خاصة، فلقاءاته غير محكومة بنزوة عابرة أو بنشوة لحظيَّة أو آنيَّة. تفرض عليه لقاءات أقرانه: العنتريَّة، الغطرسة، الادعاء، التملق، الإعلاء، التباهي… لذلك يتخلص من ربطة عنقه من شدة عدم الرضى بوضعه وبوضع أقرانه من الكتاب.

يفرح الكاتب لإيقاع الموسيقى التي تساير مزاجه وهو يخط حروفه على الآلة أو على الورق، يستمع جيِّداً لرنين الرَّقن ولزخات المطر ولضجيج بني آدمٍ غارِقِ في اللَّغو بعد سهرة خمريَّة، فلكل حرف من الحروف التي يرقنها إيقاع خاص ونوتة خاصة تشكل بعد نهاية المقطع أو الفصل أو المبحث قطعة متكاملة الملامح، وعلى هذا الأساس يعود إليها لتخليصها من الفوس نوط (Fausse note نوتة خاطئة أو مشوهة) أو ممَّا شابها من انزلاقات تُسيء للذَّوق السمعي والفني.

لا يسمي الكاتب مولوده الجديد بمحض إرادته، ونادراً ما يفعل ذلك، ففي انصاتِه للآخرين من الأصدقاء وأحياناً للغرباء قد يسرق كلمة أو حركة أو فلتة لسان ليضعها بعدل التعديل أو دونه عنواناً مناسباً لمولوده أو لتمرين من تمارينه.

كن متأكداً أن الفكرة التي يبدأ بها عمله سرعان ما تتلاشى لصالح فكرة أخرى مع كل تقدم في التمرين، وكأن الفكرة – المنطلق هي مجرد إيحاء غير مكتمل ودافع غير مباشر. أما التفاصيل فيصعب عليه تذكرها جميعها فهي عصيَّة على القبض ولا تستحمل التذكر وأغلبها لا شعوري.

قال لي أحدهم يوماً: بينما كنتُ جالِساً في زقاق قريب من مقر عملي جاءتني امرأة عجوز تطلب رِفقةً لقطع الطريق ودون تردُّد فعلت، وأثناء السَّير معاً وهي تشدُّ يدي بقوة مخافة شيء ما، فاتحتني بسؤال وقالت: هل أنت من أهل هذا الحي؟ فأجبتها: لا، أنا أقطن في حي الدراويش. فأجابت بكل صدق: يكفي أنك ساعدتني على قطع الطريق وتلك ليست بالمهمة الهيِّنة في زمانكم، لأن سكان هذا الحي قد يمنحوك المال أو يطعموك، ولكن أبداً لن يمنحوك ثقتهم كما يمنحها أبناء حي الدراويش. عاد أدراجه إلى مكان جلوسه وهو يتأمل سكان هذا الحي الذي يعمل فيه لعقدٍ ونيف من الزمن، دون أن يفطن إلى أن أهله لن يمنحوه ثقتهم يوماً كما جاء على لسان العجوز، وقال في نفسه: لا يمكن لمن يمنحك المال ويطعمك ألا يمنحك ثقته؟ استمتعت لحكايته وقُلتُ له: لماذا لا تسمي عملك القادم: “ثقة عجوز الدراويش”؟

يفرح الكاتب لثلاثة أشياء متصلة به: حينما يجد فكرةً جديدة، أو صيغةً مناسبة، أو يخوض تمريناً لأسلوبٍ جديد.

الفكرة الجديدة ليست هيِّنة، فالكاتب لا يمارس التأمل المجرد بحثاً عن فكرة جديدة ولا يدعي أنها من وحي الخيال، بل إن جل الأفكار الجديدة بالنسبة له قد لا تكون خاصة به، فقد يوحي له صديق بفكرة أو يستخلصها من شجار أو معاندة حول معلومة، وقد يستيقظ من حُلمٍ مزعِجٍ ليجد نفسه أمام فكرة… فإحساسه وقدرته على التأقلم مع النَّاس واختلاطه المكثف بالمتعلمين والغرباء له دوره في نسج أفكاره: فكرته الجديدة قد تكون نابِعةً من غباءِه أو جهله بها، وقد تكون مجرد تحايل على فكرة أخرى نقيض.

الصيغة المُناسبة: لا تشترط الصِّيغة المًناسِبة أن تكون متماسكةً لغوياً أو دلالياً، ولكن يكفي أن تكون واضِحة وتروق أسلوبه وغاياته لكي يُعلِي من شأنها، وكم من الصيَّغ يسرقها الكاتب من أعمال أخرى ويعدِّلها أو يشوهها ليحصل على صيغة مناسبة له، فالصيغة المناسبة هي صيغة مشوهة أو مسروقة أو منزوعة من سيَّاقِها وأدخلها في سيَّاقٍ جديد.

تمرين الأسلوب: كل الكتاب يعرفون أن تطوير فعل الكتابة يتطلب التمرين والتعود والاجترار والتكرار والاستنساخ والتعديل والحذف والتشطيب… يقوِّمُ الكاتِب أسلوبه كل مرة، ويفعل ذلك بصبرٍ وأناة حتى يعثر على أسلوبٍ مناسب حالما يكتب “فكرته اللَّعينة”.

أسلوب الكاتب ليس أسلوباً منمقاً أو أسلوب شخصٍ عبقري، بل هو أسلوبٌ نابِعٌ من التكرار والتعديل والتقويم.

بين عالمي فرح الكاتب يقع عالم عزلته الخاصة، فعزلته واختلاءه بجنونه هو البرزخ الذي يصِل بين عالمِ فرحهِ وعالم فرحِ النَّاس الآخرين. وبرزخه هو مكان فكرته وتمرينه وأسلوبه.

من أرشف الكاتب:

ألمُ الكاتِب

THE AUTHOR’S SPEECH

فرح الكاتب

عزلة الكاتب

أثر الكاتب

المقعد

ظِلُّ الكاتِب

خطاب الكاتب

قلم الكاتب

The Author’s Chair – كرسي الكاتب ترجمة رنا خالد

 

شاهد أيضاً

جاك دريدا .. كيف يعيش فيلسوف التفكيك موته؟

فتحي المسكيني (مقال منشور بجريدة الشرق الأوسط، 12 أكتوبر 2004) مات جاك دريدا. هو يوم …

3 تعليقات

  1. مقال جميل جدًا، يستشعر روعته كلُ من كان القلم أداته ووسيلته لبلوغ مشارف الغايات. أحسنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *