الرئيسية / فكر وفلسفة / بصغة المؤنث / معركة الحريات الفردية في المغرب

معركة الحريات الفردية في المغرب

نجيب جيهان

منذ سنتين تقريبا، تصاعد في المغرب النقاش العمومي حول الحريات والمطالبة بحقوق الإنسان، وهذا النقاش هو بطبيعة الحال بين طرفين:

طرف مدافع عن الحريات وطرف يعتبر بأن هناك شيء آخر قبل الحريات، هو الجماعة أو تقاليد المجتمع أو ما يعتبروه يمثل السلطة التي ينبغي أن تشكل نوعا من الوصاية على الدولة وعلى المجتمع في توظيف الدين.

هذا النقاش فيه مفارقة تضطرنا للدفاع عن الحريات، والدفاع عن الحريات في هذه الحالة هو شيء غير طبيعي، وغير عادي لأنه ليس هناك شيء أكثر بداهة من الحرية، أي أن الإنسان كائن حر بطبعه، فحريته ليست موضوع نقاش وليست موضوع تأويل أو وصاية فهذه حقيقة بديهية عند جميع الفلاسفة الذين كان لهم دور في صناعة الفكر الإنساني عبر العصور حيث اعتبروا أن الإنسان حر في ذاته وفي حقيقته وجوهره، بطبيعة الحال هذا لا يعني أنه ليس كائنا اجتماعيا بحيث تحكمه قوانين وعادات وضوابط…إلخ، ولكن رغم ذلك فالإنسان هو كينونة، فهو حر في أن يختار، وهذه الحرية الاختيارية وسط الضوابط والتقاليد…إلخ، هي التي تخلق إبداعية التاريخ، وهي التي تجعل الواقع والوضعية الإنسانية تتطور، لو أنها كانت الأولوية في التاريخ لتقاليد الجماعة على حقوق الفرد، لما تطورت المجتمعات الإنسانية، حيث ستبقى كما هي في المرحلة القديمة ومعنى الحرية هو أن الإنسان يتجاوز ذاته باستمرار، يتجاوز وضعيته باستمرار، يتطلع دائما إلى الآتي، وهذا هو معنى الكلمة العميقة لسارتر حينما عبر عن العبارة الآتية: “نحن أحرار ولنا الحرية أن نختار، ولكن لا نختار أن نكون أحرار، الحرية ليست برغبتنا، نحن أحرار رغما عنا”.

إننا نوجد في هذا العالم أحرارا وهي عبارة مهمة هي التي أهلتنا للحديث عن الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان والمساواة…. بحيث لا تزال المعركة مستمرة، فالحرية في الواقع لا تحتاج أن ندافع عنها لأنها بديهية، ينبغي أن تكون عند الإنسان حقيقته البديهية، ولكننا رغم ذلك نضطر للدفاع عن الحرية، لأنها عند المغاربة ليست بديهية، والناس يختلفون ومحرك التاريخ هو الصراع القائم بين الآراء والمذاهب، بين الطبقات، بين المصالح…بين الاتجاهات…إلخ ولذلك نضطر للدفاع عن الحرية…

مؤخرا أصبحت ما يعرف بالمطالبة بالحرية الجنسية، وهذه نقطة أساسية وليست ثانوية كما يتوهم البعض، بل هي أساسية لأنه ينص على نقطة ضرورية وجب البث فيها وتتجلى:

في التناقض بين القانون الجنائي والدستور، تناقض بين شعارات الدولة التي تعلنها لتوجهاتها وبين الممارسات الفعلية التي تفرضها القوانين وتضعها، وهي نقطة جوهرية، لأنه حينما ثمت مناقشة الدستور منذ 20 فبراير، فمن بين الأمور التي طرحت في المنتديات واللقاءات…إلخ، هو أنه لدينا تناقض كبير، بين الفكر والممارسة، بين الخطاب والعمل، بين الدستور والقوانين الجنائية، إنها دولة التناقضات بامتياز، ولهذا نحن نحتاج إلى نقاش شجاع وقوي وصريح لطرح المشاكل الحقيقية ونطرح فيه تناقضاتنا ونوضحها، ومن بين التناقضات التي يمكن ملاحظتها عموما هو أن القانون يصرح ببعض الأمور كحق ضمان حرية الفرد ثم يتحفظ عليها في نفس الفقرات، كما يضمن بعض الحقوق للفرد ويتحفظ عليها في نفس الفقرات، كما يضع غطاء أو حجاب على هذه الحقوق ويستثمر من خلالها بتوظيف الدين في الدستور المعد، وهذا يفتح باب معركة التأويلات حيث كل دستور يطرح تأويلات، لكن الدستور المغربي لا يطرح تأويلات فقط، بل يفتح الباب على معارك للتأويل لا تنتهي، ولا يمكن أن تصنع الاستقرار الذي يضمن التنمية ويرسخ الديمقراطية، إذن هذا الدستور القائم لا يحل المشكل للمغاربة، لأنه دستور متناقض حد الهذيان، لأنه يقر بالحقوق والحريات ثم يتحفظ عليها ويسمح لأي طرف معادي للحريات أن يستعمل الدستور ضد هذه الحريات…

حاليا في النقاش الدائر يقال أن هؤلاء الناس يتجرأون على المطالبة بأمور تتعارض مع الدستور، لأن الدستور يوجد في دولة إسلامية وأن الإسلام يتبوأ الصدارة في الهوية، وهذا معناه بالنسبة لهم أنه يجب أن نقرأ كل شيء دينيا وهذا خطأ فادح وهذا تأويل قد لا نتفق معه، لكن من أعطاه المبرر حتى يكون؟ أعطاه له الوثيقة الدستورية التي تسمح للمناضل الحقوقي أن يعتمد على الدستور ويدافع عن الحقوق، وتسمح للظلامي الرجعي المتخلف بأن يعتمد نفس الوثيقة ويتحفظ على نفس الحقوق والحريات.

إذن هذا الدستور ليس حلا رغم كل الدينامية الشعبية، وبعد كل النضال للقوى الحية بالبلاد، تم الالتفاف بالطرق المعروفة للنظام على وثيقة دستورية، فلم تعطي النتائج المرجوة وهذا الالتفاف كان واضحا فيما سمي بالآلية السياسية الذي يترأسها معتصم المستشار الملكي.

إن النقاش العمومي فيه صراع بين الطرفين: طرف يستعمل الدستور لتمكين وترسيخ  التقاليد والعادات المحافظة داخل المجتمع وطرف يريد  تجاوز هذه الوضعية نحو مزيد من التحرر، بما فيها تحرير العقول، تحرير الأرض، تحرير المواطن، تحرير الفرد وهذا الأخير هو الأساس لتحرير كل شيء.

إذن نلاحظ أن النقاش موجود بين طرف يعتبر أن الجماعة هي الأولى، وطرف يعتبر أن الفرد المواطن هو من له الأولوية، فالطرف الأول الذي ينتمي إلى الجماعة يفضل الثبات على ما هو عليه، ومن حقق دائما تطور المجتمعات الإنسانية هو تمرد الفرد على الجماعة، حيث لو لم يتمرد علماء القرون الوسطى لأوروبا لما تطورت العلوم، وهؤلاء الناس هم من خلقوا النهضة العلمية والتي أعطت تمارها في القرن 17م و18م وأسست لعصر الأنوار.

إذن، لو سلمنا أن كل الناس ضلوا حبيسي الجماعة، لن تكون هناك ثورة اجتماعية وفكرية ولا تحررية ولا ثورة سياسية، ولا ثورة علمية، بل ستبقى المجتمعات في ظلام العصور الوسطى، لكن لأن الفرد لا يقبل وصاية الجماعة بطبيعته الحرة لهذا استطاعت البشرية أن تتقدم خطوات في كل الحضارات بما فيها الحضارة الإسلامية، حيث إذا كانت رغبة الحضارة الإسلامية تريد أن تؤسس بداية على منظور ديني، ثمة هدم كل ذلك وثمة تأسيس الحضارة بشكل آخر، وعلى سبيل المثال هناك الشعر الذي كان عيبا في وقت ما من بعد الدعوة النبوية، فالشعر كان فقط يجب أن يكون من أجل خدمة الرسالة التي تخص الدين بينما الشعر كفن جميل وراقي أوسع وأكثر من ذلك، فالشعر ليس دوره أن يبقى حبيس الدعاية الدينية فهو موجود من أجل أن يعبر على دواخل الإنسان، أي الحقيقة البشرية بكل تناقضاتها، فالشعر اكتشاف، بينما الدين هو حقيقة منتهية وكاملة.

هذا التقديم حول الوضع العام للحريات الفردية والنقاش المتداول في الساحة المغربية يدفعنا للتساؤل على الشكل التالي:

هل مخاوف من يوصفون بالحداثيين مبررة؟

إلى أي مدى يمكن للإسلاميين والحداثيين التعايش فيما يخص كونية حقوق الإنسان؟

وما هو مستقبل الحريات الفردية ببلادنا بعد صعود حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة؟

لا شك أنها اشكالات وتساؤلات مبررة لتطرح، حيث لا جدال أن الحزب الذي صعد إلى السلطة في الوقت الراهن الذي طرحت فيه إشكالية الحريات الفردية هو حزب العدالة والتنمية وهو حزب بغطاء محافظ، بغطاء ديني، أو إن صح التعبير وإذا كنت لن أبالغ أنه حزب متطرف وذلك لأنه قد أبرز فيما مضى من السنوات أنه يعادي الحريات الفردية، ويعادي المشروع الديمقراطي الحداثي والمجتمعي الذي كان يبنيه المغرب ويحتفظ بمواقف جد محافظة في مجموعة من المسائل التي يخشى فعلا الثيار العلماني الحداثي على افتراض وجود هذا التيار اليوم في المغرب، أن يتم المساس بها.

هي معركة حقيقية يجب أن تخاض لكن يجب أن نجد من يخوضها لأنه من خلال معركة الدستور حينما أبرز حزب العدالة والتنمية وأثناء تعديله للدستور خصوصا فيما يخص حرية المعتقد، لم يجد من يعارضه هنا في المشهد السياسي أو المشهد العام المغربي، وبالتالي وجد حزب العدالة والتنمية نفسه وحيدا ومسيطرا، لذلك فالتخوفات البارزة حول مستقبل الحريات الفردية هي مبررة نتيجة للأسباب التي سبق أن ثمة طرحها.

من المعلوم أن على الأحزاب أن تكون لها برامج، ومن ضمنها مقاومة الاستبداد والفساد، ولهذا لا يجب أن تتدخل الأحزاب في لباس النساء أو فيما يتعلق بالإبداع الفني، أو الحريات الفردية عموما، ووجب على هذه الأخيرة {الحريات الفردية} أن تكون منضبطة بقوانين، كما هو في سائر دول العالم وبالتالي ليس من حق أحد كشخص أو كمجموعة أن يتدخل فيما له صلة بالقانون أو فيما له صلة بما هو من شأن المؤسسات.

لاشك أن طرح مسألة عطب الإسلاميين في استعمال مفهوم الديمقراطية لمآرب سياسية محدودة دون أن يؤمنوا بقيمه وأسسه ومبادئه يجعلنا نتخوف من احتمال ضياع حقوق الفرد  بخصوص ممارسة حريته الفردية، وهو خوف مبرر لأسباب عدة من أهمها:

– أن الإسلاميين يعتبرون أن الديمقراطية يمكن اختزالها في صناديق الاقتراع، بينما ما يدعوا للاعتقاد والإيمان به هو أن الديمقراطية بمثابة قيم ومبادئ قبل الاتجاه لصناديق الاقتراع، وهو نفس التعريف الذي يتوجه إليه الحداثيين ولعل أبرز دليل يمكن اعتماده هنا هو أن هناك أنظمة استبدادية قمعية وفي مقابل ذلك يثم تنظيم انتخابات نزيهة مثل “إيران” وهذا لا يعني أن هناك ديمقراطية، بمعنى أن صناديق الاقتراع ونزاهتها في الانتخابات لا يعني أن النسق السياسي ديمقراطي قد يكون نسقا قمعيا.

أما فيما يتعلق بالتخوفات حول معركة الحريات الفردية وحسب ما نشاهده داخل الساحة السياسية المغربية، فالحزب في اعتقادنا وكحزب سياسي لا يعلن توجهات أو شعارات سياسية، وهذا ما يجب أن يكون وهو ملزم بأن يعطي الأولوية للجانب الاقتصادي والاجتماعي لمحاربة الفساد السياسي والريع الاقتصادي من طرف قياديي هذا الحزب وهذا سيأخذ من وقت هذا الحزب ما لا يسمح له مثلا بأن يقوم بالمنع لممارسة هذه الحريات الفردية مع التأكيد على ممارسة مهام هذا الحزب على أحسن وجه مع التأكيد على نقطة أساسية والتي وجب نقدها عند الإسلاميين السياسيين وهي ليس لأنهم لهم موقف محافظ من الفن أو الأدب أو الحريات الفردية، من حقهم أن يكون لهم أي موقف كيفما كان، وأن يدافعوا عنه بالحجج الوجيهة، لكن المشكل هو حينما يتصلون بالسلطة، ويطالبون المنع وحضر هذه الحريات هنا يصبحون في موقف ضعف كبير جدا.

النقاش هنا يفرض القول أنه ليس من حق أحد مهما كانت سلطته سواء داخل هذه السلطة السياسية أو خارجها، ولا في المجتمع أن يقوم بالمطالبة، بمنع وحظر مجال الإبداع الفني أو الأدبي لأنه لا يقاس بمعايير تابعة لثيار معين، بل فقط ما يجب أن يكون هو بناء حوار داخل المجتمع وبين عناصره لكي تتصادم فيه الأفكار وتتبادل فيه، والمبدأ الأساسي دوليا هو احترام الحريات الفردية لأنها جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليه.

هناك مسألة لابد من لفت الانتباه لها وهي ما يعرف بسلطة المجتمع، والمغاربة يعبرون أثناء الانتخابات عن نزعتهم المحافظة وحزب العدالة والتنمية هو ذو مرجعية دينية وهي رسالة على من يوصفون بالحداثيين على افتراض أنه يوجد هذا التيار في المجتمع.

لاشك أن أغلب المقاعد هي من قبيل الأحزاب ذات المرجعية المحافظة الذي هو الحزب الإسلامي والعدالة والتنمية وحزب العدالة والاستقلال، ولكن هذا لا يعني أن المجتمع المغربي برمته مجتمع محافظ، فعلى سبيل المثال، المهرجانات والأفلام السينمائية الإباحية….وكل ما هو عمل فني حر، تعرف نجاحات كبيرة وبالتالي حينما يصوت المغربي على حزب إسلامي لا يعني أنه ضد المهرجانات وضد الإبداع وضد الفن….

ولعل أيضا ما يثير الانتباه هنا هو ما يعبر عنه الشعب المغربي من منع تناول الكحول أو بيعها ومنع المهرجانات وفي مقابل ذلك الدعوة إلى نهج سياسة ثقافية جديدة مطابقة لتعاليم إسلامية، لكن لا يصعب علينا هنا وفي ظل هذا التناقض ملاحظة مسألة أساسية في هذا الواقع المجتمعي والسياسي الذي نعيشه وهو أن أصحاب هذه الشعارات والدعوة من قبلهم إلى منع الخمور والعلاقات الجنسية غير الشرعية… هم من يقومون بهذه الممارسات….

لأن القانون ماذا يقول؟

يقول “يمنع منعا باثا بيع الخمور للمسلمين” والسؤال المطروح هو، هل من يستهلك الخمور في المغرب كلهم يهود وسياح؟ كلا…

لعل الإشكال الحقيقي المطروح هو أن المغربي محافظ بطبعه وهي حقيقة ثابتة لكن الإشكال الفعلي هو أنه تنقصنا دراسات سوسيولوجية كافية التي تمكننا من دراسة الفرق بين الخطابات والشعارات التي تقال من طرف المجتمع المغربي المحافظ والممارسات التي تقام، لذلك نتكلم عن النفاق الاجتماعي داخل المجتمع المغربي، لأنه ممكن أمام العموم أن نقول خطابات أخلاقية حيث تعطي صورة جيدة ولأنها قناعة المجتمع، ولكن السؤال هو ما هي الحقيقة؟

الكل يطالب بالحريات الفردية وبضرورة تطبيق القانون حول حماية هذه الحريات، باعتبارها حق من حقوق الإنسان، بل ثمة تجاوز الأمر بمطالبة المغاربة بتغيير القانون، لكن السؤال كيف يتغير القانون؟

يتغير من خلال طريقة وحيدة وهي الصراع الاجتماعي والخلاصة أنه وجب على التيارات كيفما كان نوعها سواء كانت علمانية أو حداثية…إلخ أن تدخل في صراع مجتمعي وتعبر عن رأيها وأن تقنع الناس بأن هذا القانون عليه أن يتغير، وطبعا على الحزب كيفما كان في موقع الحكم أن يكون مسايرا لهذا النقاش العمومي، وينتقل بهذا النقاش العمومي إلى شكل سياسات يكون لها وزنها كممارسة فعلية داخل الأحزاب وداخل المجتمع المغربي.

 

شاهد أيضاً

عُزْلَــُة أَلْأَنــَا ..رِســِالـُة حُـبٍّ فـَلْسَفِيـِّةٍ

عبد الحفيظ ايت ناصر بقلم :عبد الحفيظ ايت ناصر أليست الفلسفة بنت المدينة ؟بلىاذن لماذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *