الرئيسية / منتخبات / عامة / سقط اللوى: 4 – عالمنا البارد والبدائي جدا

سقط اللوى: 4 – عالمنا البارد والبدائي جدا

بقلم: هادي معزوز

« veux-tu marcher avec le troupeau ? en tête ? ou de ton côté ?… il faut savoir ce que l’on veut, et que l’on veut quelque chose. Quatrième cas de conscience. »

                  f.Nietzsche.

تأملوا معي هاته السلسلة اللامتناهية التي نقوم بها آلاف المرات دون وعي منا، وإن كانت تشكل مجمل حياتنا: نستيقظ صباحا على صوت المنبه الذي نَنفُرُ منه، وفي نفس الوقت نكون حريصين جدا على ضبطه ثانية بثانية.. نلعن العمل الذي كان سببا في هذا الاستيقاظ غير المرغوب فيه، والضروري في الآن نفسه، لكن وفي مقابل ذلك لا يمكن تصور حياتنا دون الحصول على وظيفة قارة تجنبنا عديد الأهوال.. نختار ملابسنا بعناية كبيرة إرضاء لنظرة الآخرين، ثم نجلس على مائدة الأكل لتناول فطور الصباح، وبين الفينة والأخرى نقلب معاصمنا حيث عقارب الساعة التي كلما قطعت ثانية كلما أنقصتها من حياتنا.

منا من يتوجه إلى عمله عبر سيارته الخاصة، حيث لا يفوته طقس المذياع وخصوصا التجسس على أخبار الآخرين.. شخصيا لا أعرف لماذا تنتعش الصحافة بالقتل والحروب والوقوف على فضائح المشاهير ! هل من الضروري أن تكون صحافة ما، كي يكون الإنسان؟ على النقيض من ذلك نجد من يستعمل وسائل النقل العمومية، والتي تكفي للحصول عل نظرة شاملة تلخص حال عالمنا هذا: الأغلبية الساحقة غارقة في هواتفها الذكية، منهم من يلعب، ومنهم من يبحر عبر وسائل الاتصال الاجتماعية ولا شيء غير ذلك، فئة أخرى تتقن التلصص في وجوه الآخرين والوقوف عند ما يظهرونه، وفئة أخيرة لازالت تعيش تلك الحالة المستقرة بين النوم واليقظة.

نقضي بياض يومنا أمام الحواسيب، والآلات، وعديد الطقوس التي لا تنتهي، بل إننا نقوم بأشياء كثيرة في لحظة واحدة: ننقر على أزرار الحاسوب.. ننتظر في الآن نفسه رسالة إلكترونية.. أما اليد الأخرى فإنها تمسك سماعة الهاتف الذي نتواصل به مع أشخاص آخرين في زمان ومكان مختلفين، لو قلنا ذلك لأجدادنا الأوائل لما صدقوا ما وصلنا إليه، ولقالوا عنا أننا بدائيون بالسليقة.

بعد أن تصل عقارب الساعة إلى رقم معين، نتوصل برسالة عُرفية تعلن موعد الغذاء، حيث نتوجه بسرعة إلى المطاعم أو منازلنا، نتناول ما تيسر كل حسب انتماءه الطبقي، دون أن يكف دماغنا على الاشتغال: نتبادل خبرا ما.. نتحدث عن العمل.. نشاهد نشرات الأخبار التي لا تكف على التشهير بالجثث والفضائح الكاذبة منها والصادقة.. نعود إلى العمل بعد ذلك متمنين لو أتيحت لنا هنيهة نمارس فيها القيلولة لكن وكتعويض عن هذا العذاب نلعن العمل ونسبه، ثم نتراجع عن ذلك لأننا لا يمكن أن نتصور أنفسنا بدون عمل.

الذين ذهبوا في الصباح إلى الشغل يعودون مساءً، يتوجهون نحو الحمام للاستحمام، يتناولون وجبة عشائهم ثم يجلسون أمام شاشاتهم كل حسب اختياره ولا أحد حرا، بعد ذلك تقصد هاته الشخصيات الآلية غرف نومها.. ينتهي المشهد كي يتكرر في اليوم الموالي دون انقطاع يذكر..

عندما نتأمل كل هاته الحركية في كل ربوع العالم، نتساءل بدهشة وبشجاعة أيضا: لماذا نقوم بكل ذلك، لماذا نصنع الأسلحة؟ لماذا نهرع إلى متاجر الموضة كلما عرضت إشهارا جديدا لمنتوج جديد؟ لماذا ننشر صورنا ولحظاتنا الحميمة في مواقع التواصل الاجتماعي؟ لماذا تحتل دول دولا أخرى؟ ما الغاية من كرة القدم ونجومها التافهين؟ وهل يمكن للوجود أن يسقط إذا غابت كل هاته الأشياء..؟ من عادتنا أننا نتهم أجدادنا بالبدائية، لكن أكبر بدائية هي التي نعيشها حيث لا عنوان لهذا الوجود، ولا معنى لحياة بدون معنى.

شاهد أيضاً

حقيقة الوجود في ادب سارتر

علي محمد اليوسف بنى كل من (سارتر) واكثر منه فعل (بيكيت) صاحب ادب و مسرح …

8 تعليقات

  1. مقالة رائعة جدا اعجبت بها حقا تستحق التشجيع

  2. الكريمي إدريس

    مقالة رائعة
    موضوع في قمة الروعة

  3. الكريمي إدريس

    مقالة رائعة
    موضوع في قمة الروعة
    👏👏👏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *