الرئيسية / منتخبات / عامة / سقط اللوى 3: حول مفهوم العدم

سقط اللوى 3: حول مفهوم العدم

 بقلم: هادي معزوز

أول مدخل لفهم العدم هو العدم نفسه، حيث الثاني ليست سوى رد صدى للعدم الأول.. يتفق أغلب الناس بداية على فكرة أن العدم نقيض الوجود: الأول كاووس chaos، يناقض الوجود في ذاته، فهو إذن لا وجود، أما الثاني فيتسم بطابعه العيني، أي أنه يحقق للشيء وجوده، أن يوجد الشيء معناه أنه يقبل التسمية la nomination، بغض النظر عن طبيعة وجوده، سواء كان محسوسا أو غير محسوس، وجود الشيء يعني انبثاقه من الممكن إلى التحقق، فيعدو بذلك تحققا للوجود الموجود، ومعه نسقط بين براثن نسيان الوجود، والحق أن هذا النسيان نفسه بقدر ما يكون من صميم الوجود، بقدر ما يعيد الغياب إلى حضور، بقدر ما يموه camoufle الحضور بحضوره، لنصبح بعدئذ أمام معادلة بثلاثة مجاهيل: العدم/ الوجود بما هو وجود/ الوجود بما هو موجود. لكن ما هو الطرف الذي وجب أن نقيس عليه كي نفك شفرة هاته السلسلة المستعصية؟

إن أول خطوة توجب القيام بها هي الوقوف على العدم نفسه لكن من وجهة سالبة، إذا كان العدم نقيض الوجود، فإن العدم لا وجود، وإذا كان لا وجودا فإنه غير موجود، لكن هل يمكن أن ندرك الوجود لو لم يكن هناك العدم؟ بطبيعة الحال لا، لأن الوجود وجود مادام هناك عدم يعدم نفسه، من ثمة نصبح أمام زوجين متضادين وهما الوجود واللاوجود.

الحال أن هاته الطريقة تضعنا في نهاية المطاف أمام تناقض مريب، معلنة عن انهيارها التام، إذ كيف لا ندرك الوجود إلا انطلاقا من اللاوجود، وفي نفس الوقت نقول أن بين الاثنين تضاد صارخ، من هنا توصلنا هاته الملاحظة إلى الحل الثاني: الوجود موجود، والعدم موجود، بيد أن وجود العدم ليس من صميم وجود الوجود بشيء، حيث الثاني وجوده مرتبط بوجود الشيء، أما وجود العدم فإنه وجوده لاشيئي، هل يمكن أن نتخيل العدم؟ الجواب واضح وهو استحالة ذلك، لكن هل يمكن ألا نفكر في العدم، غير ممكن بطبيعة الحال، وعليه فإن وجود العدم هو تفكير في العدم في غياب الشيء، لأنه لو حضر الشيء في هذا العدم لتحول من عدم إلى وجود.

لا يمكن أن نتصور حياة بدون عدم، في مقابل ذلك من الصعب أن لا يوجد اللاشيء، من ثمة فالحياة لا يمكن أن تستقيم كوجود، كما لا يمكن أن تكون عدما، الحياة بناءً على ذلك وصل بينهما، وإذا كانت هي المحرك الأول والأخير الذي تمكن من تحقيق هذا الأمر، فإن العلاقة بينهما تصبح علاقة تكامل، أي أن العدم وجود ناقص، والوجود عدم مفرط في وجوده، وصورة واضحة للعدم نفسه. يتساءل هايدغر في كتابه مدخل إلى الميتافيزيقا قائلا: pourquoi donc y a-t-il l’étant et non pas plutôt rien ?

الحق أن هذا السؤال يضعنا أمام إشكال بصيغة أخرى: لماذا لا يوجد لا شيء؟ أن تتساءل على عدم وجود الشيء، معناه أنك تطلبه، والحال أنه لن يتحقق وجوده إلا بحصوله على صفة الشيئية، لكن أليس يكون العدم نفسه شيئا بما أننا حددنا له وظيفة عدم الأشياء؟ أي أن له وظيفة مثلى وهي أنه يعدم، وإذا كان يعدم فإنه يحجب الشيء على شيئيته، فيستحيل أن يوجد كموجود، إذن فهو موجود كعدم، أو بعبارة أخرى يصبح العدم شيئا فوق صفة الشيئية، وذلك بناءً على الخلاصة أعلاه: العدم وجود ناقص، والوجود عدم مفرط في وجوده. وعليه فقد بقي لنا إذن التأكيد أن العدم هو أصل الأشياء، لأنه بواسطته يحصل الشيء على شيئيته فيتحول إلى وجود، وبدوره هذا الوجود يتم نسيانه عندما نزيل عنه طابعه الخالص أي وجود وضوح، فيستحيل نسيانا ومعه يسقط الإنسان في مطب نسيان الوجود، أي إدراك الوجود بما هو موجود وليس بما هو وجود، وهو الأمر الذي يبعد الإنسان عن الحياة تماما، ليعدو كائنا ميتافيزيقيا يعيش دون حياة.

 

شاهد أيضاً

لماذا أكره بلدي؟!

إبراهيم صباحي أعيش بعيدا عن الأرض التي ولدت فيها، ودائما ما يواجهني آخرون بأسئلة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *