الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / موليم العروسي: قوس الإسلاميين في المغرب في طريقه إلى الإغلاق

موليم العروسي: قوس الإسلاميين في المغرب في طريقه إلى الإغلاق

موليم العروسي في حوار هادئ مع “الأيام”

حاورته زينب مركز

الجلوس والاستماع إلى الباحث موليم العروسي ليس نزهة مأمونة العواقب في حديقة جميلة. وليس وسادة كسولة للصحافي الذي يمتطي الحوار والمقابلة كظهر حمار مطواع وسهل. تضغط على زر آلة التسجيل وتسهو في عوالمك لتقرأ السؤال على المحاور وانتهى وجع الرأس…أبدا. فهذا الباحث المتعدد الاهتمامات، الشاسع الاطلاع الذي ينفذ من شقوق الأشياء ومسامها محللا ومفككا سرعان ما يفاجأ الصحافي المحاور ويزلزل قناعاته وبداهاته ويدفعه إلى الصحو بحضرة القضايا الكبرى التي لاتقبل الاجترار و”سلك” الوقت. كنت وأنا احاور موليم العروسي متشظية بين الاستمتاع بتحليله وبتعليقاته التي لاأريد لها أن تتوقف وبين ضرورة التدخل كتنويع على الكلام وطرح أسئلة وليدة اللحظة. تجولنا في هذا الاستجواب في ألغام الحقل السياسي بين جديته وعبثه، بين صراع أقطابه حول القبيلة والغنيمة، ليقودنا نحو صراع الحداثة والتقليد بالمغرب والخطاب المهيمن في وسائل التواصل الاجتماعي وأشكال الجسد التي أنتجتها الثقافة المغربية وقضايا عديدة بين يديك عزيزي القارئ

ـ ما الذي أصبحت تعنيه السياسة اليوم في المغرب؟ خلق الفرجة، لا جدوى المشاركة السياسية، أو خلق اللامعنى؟

من المكن أن تكون كل هذه الصفات جائزة لتسمية الممارسة السياسية بالمغرب؛ والسبب هو ما نشاهده من عراك وصراع يلبس لبوس الحلقة بالتعبير المغربي أكثر مما يلبس لبوس الاهتمام بشئون الناس الذين فوضوا عبر صناديق الاقتراع لهذه الأحزاب أمور تسسير شئون البلاد. لكن مع ذلك فإن هذه الفرجة الظاهرة التي تعطى للمواطن لكي يتلهى بها أو يستمتع بها، لا أدري، هي في النهاية أمر جدي إذ يتعلق الأمر باقتسام غنيمة الانتخابات بالنسبة للبعض وبالمحافظة على المواقع التي احتلها بالنسبة للبعض الآخر وبحراسة معابد المصالح بالنسبة بالنسبة لفريق آخر. عندما نعي هذه الحالة فإننا نكتشف أننا أمام تراجيكوميديا سوداء يمكن أن تؤدي إلى ما لاتحمد عقباه في القريب العاجل من الأيام.

ـ البعض يعتبر أننا دخلنا مرحلة العبث في المغرب حيث تبدو الدولة كما لو أنها أغلقت قوسا كانت قد فتحته بعد ضغط الشارع عام 2011، فيما يؤكد آخرون أننا لازلنا في مسار التمرين الديمقراطي، حيث لم نجد بعد الشكل السليم لنموذجنا الخاص للديمقراطية؟

أود أولا أن وضح أمر هذه الديمقراطية النموذجية التي يعتقد الكثيرون أنه بإمكاننا إنتاجها؛ الذين يتحدثون عن نموذج ديموقراطي خاص بنا هم أولئك الذين لايريدون الديموقراطية نهائيا.  للديمقراطية موطن فلسفي وثقافي وسياسي نشأت فيه كمثال وكحلم منذ آلاف السنين، وتحققت فيه كممارسة منذ قرنين أو ثلاثة من الزمن؛ هذا الموطن موطن الولادة والتطور هو أوروبا، اليونان أولا ثم فرنسا وبعدها العالم الغربي كما يقول العرب. وإذا نحن رفضنا ديمقراطية الغرب فعلينا أيضا أن نرفض جميع منتجاته حتى التكنولوجية منها لأنها من صلب نفس الفلسفة، يمكننا أن نضع تسميات مختلفة، يمكننا أن نتحايل على أشكال تصريف هذه الديمقراطية لكننا لا يمكن أن نبتكر ديمقراطية جديدة. ولنلاحظ أننا كلما تحدثنا عن النماذج الديمقراطية التجأنا إلى نماذج غربية مختلفة.

أما فيما يتعلق بما تسمينه مرحلة العبث ففي ذلك جزء من الحقيقة. من الأكيد أن ولادة شكل الحكم الذي نحن عليه اليوم وتدبير الحكم الذي حدث في المغرب بعد أحداث 20 فبراير كان فيه شيء من القسرية ومن لي الدراع. أنت تتذكرين أجواء انتخابات 25 نوفمير 2011 وما رافقها من استعراض للعضلات من طرف الاسلاميين سواء الذين يصرحون بالدخول لمعركة الانتخابات أو الذين يمارسون التقية ويعطون الأوامر بشكل سري للتصويت على أي تيار إسلامي كان لأن الأمر يتعلق أولا وقبل كل شيء بوصول الإسلام السياسي إلى دفة الحكم وبعد ذلك مدبرها حكيم كما يقولون.

هذه التيارات الإسلامية فرضت فرضا على المغرب أو لنكن واضحين على المخزن الذي كان يهيئ تكتلا آخر تحت إسم الوفاق. لانعرف ما الذي حدث ولكن بعد زيارة تأمل قضاها الملك في فرنسا عاد قبيل الانتخابات وكانت قرار ترك العدالة والتنمية يمرون بل وتهييئ الظروف لذلك (من إعطاء الإشارات للأعيان بالانسحاب من السباق وحتى التدخل اللطيف لبعض أعوان السلطة). هذا التدخل الخارجي الذي فرض الإسلاميين والذي استغلوه بطريقة فجة، إذ في كل مرة كان رئيس الحكومة يردد على شكل تهديد أنه هنا لأنه منع حدوث الكارثة وبطريقة أخرى، تُفهَمُ من كلامه، حافظ على الملكية (كان يبحث عن شرعية كشرعية عبد الرحمان اليوسفي للتقرب من دوائر القرار)، هذا النوع من الكلام وطريقة وصول الإسلاميين بالقسر لايمكن أن تروق للملكية وتبقى رهينة لهذا النوع من الخطاب. فهي اعتبرت في ذلك الوقت أن الأمر يتعلق بقوس كان يمكن أن يغلق بعد سنتين، تماما كما حدث في مصر وفي تونس، لكن طبيعة السلطة المغربية وتاريخها جعلها تتروى وتنتظر. القوس الآن في طور الإغلاق ويجب الاستعداد في نظري لمعارك أخرى أكثر وضوحا ومع شركاء أكثر صدقا.

ـ لم تعد قراءات جان واتربوري، ريمي ليفو… تسعفنا في فهم ما الذي يميز النخبة السياسية المغربية من حيث الهوية، الانتماء، الاستقلالية، الأفق الذي تعمل من أجله، كيف تحلل الأمر في تقديرك؟

من الممكن جدا أن تكون كل تحليلات جون واتربوري لازالت تحتفظ بصلابتها ولا زالت متساكنة أو متعايشة بالمعنى الذي اكتشفه السوسيولوجي المغربي من أصل فرنسي بول باسكون. لكننا عند فهم الواقع تعترضنا مشاكل كثيرة ومنها ضعف الأبحاث المتعلقة بطبيعة الأحزاب. فإذا كنا نعرف أن أحزابا مثل الاتحاد الاشتراكي نشأ وتقوى بفضل الطبقات المتوسطة من عمال وموظفين وتجار صغار ومتوسطين واستعمل للضغط والتفاوض عددا من النقابات والهيئات التي نشأت على هوامش هذه الفئات،؛وأن حزب الاستقلال نشأ بين أوساط طبقات حضرية تقليدية حاولت أن تزاحم الاقتصاد الفرنسي الذي أزاحها وسد عليها أفق الاقتصاد العصري ثم تقوت بفضل استقطاب عدد لايستهان به من الأطر التقنية العليا إما بإغرائهم بمناصب حكومية أو بإدماجهم داخل التركيبة السياسية للحزب؛ وإذا كنا نعرف ما يسمى بالأحزاب الإدارية المرتبطة بأوساط السلطة والمال، فإننا لانعرف جيدا الطبقة التي يعتمد عليها اللاعب الأول اليوم في السياسة المغربية أي التوجه الإسلامي. من أين يستمد قوته المجتمعية وعلى أية طبقة يعتمد في مفاوضاته على اقتسام السلطة. لدينا فقط تخمينات: هناك عدد من التجار المتوسطين والمتوسطين جدا وغير المنظمين في هياكل، هناك المهربون الذين يتواجدون غالبا على الطرق التجارية الكبرى وعلى هوامشها (كون مدينة الفيندق تعتبر البحبوحة الأساسية للتشدد الديني يعتبر علامة أساسية للباحثين). إذن يتعلق الأمر بحزب له جمهور لانستطيع إدخاله في خانة معينة يشبه إلى حد ما الأحزاب الفاشيستسة التي ظهرت في أوروبا بين الحبين العالميتين؛

وعلى الرغم من ذلك فإن هناك إشارات قد لاتخطئ والتي تظهر لنا أن نظام اقتسام السلطة لا زال يدور في الفلك الذي تحدث عنه واتبوري، إذ لايمكن أن نفهم ما الذي يجمع  حزب التقدم والاشتراكية بحزب العادالة والتنمية. لامرجعية مشتركة ولا علاقة قرابة تاريخية، لاشيئ من كل هذا. الارتباط الوحيد والذي ذكره جون واتتربوري هو البيت؛ بحث أن البيت العائلي لحزب التقدم والاشتراكية من خلال مولاي اسماعيل العلوي ورابطة القرابة مع عبد الكريم الخطيب ومن تمة مع بيت آل بنسليمان بمدينة الجديدة وامتدادات كل هذا بمدينة سلا يمكن أن يكون التفسير الوحيد الذي يعود بنا إلى نظرية واتربوري وهو لربما الخيط الوحيد الذي تحتفظ به السلطة للتحاور مع هذه الجماعة…

ـ في الوقت الذي كنا نأمل أن يقتل الابن أباه داخل الأحزاب السياسية للتخلص من عقدة أوديب سياسيا، جرى العكس في كل مرة كان يقتل الأب الحزبي إبنه، ما الذي حدث بالضبط؟

هذه الفكرة كانت ممكنة التحقق في انتفاضة 23 مارس 1965 بالدار البيضاء ومن تمة في ربوع المغرب لكنها أجهضت، ثم كان من الممكن أن تتحقق مع حركة 20 فبراير لكنها أجهضت…وكانت دائما تظهر تجلياتها في خروج الشباب من التنظيمات التقليدية وخلقها لتنظيماتها الخاصة. وهذا ما حدث بعد 20 فبراير، لاحظنا تكوين حركة أنفاس ثم بعد ذلك حركة أمل وأخير حركة تغيير (Changer). هذا دليل على أن الشباب ضاق درعا بإقصائه من تسيير الشئون الخاصة ببلده وهو يبحث الآن عن آفاق جديدة، لكن للأسف الشديد لا تعرف هذه الحركات أنها تناضل من أجل نفس المبدأ وبقيت مرتبطة بالظروف والإيديولوجيات التي تربى فيها مؤسسوها.

ـ تبدو التشكيلات الحزبية اليوم مثل توائم خرجت من نفس البطن، هل يبدو لك أن الدولة حاربت الحزب الواحد وخلق تعددية شكلية حتى أصبحنا أمام الحزب الوحيد، أي وجود نمط واحد لكل الأحزاب، هل أولاد عبد الواحد كلهم واحد؟ ما السياق الثقافي والسياسي لهذا السلوك؟ ما أثره على اللعبة السياسية برمتها؟

التعدية تفترض الديمقراطية لكننا في المغرب لازلنا بعيدين عن الديمقراطية بالمعنى الذي تعنيه أي حكم الشعب نفسه بنفسه. أي أن يفوض الشعب لشخص ما أو مؤسسة حزبية ما لتسير شئونه وفق تعاقد في صيغة برنامج ثم محاسبته هو ليس غيره. لكن نرى في المغرب أن حتى الوزير الأول عندما رقاه الدستور إلى رئيس الحكومة فإنه ظل يردد أنه مجرد موظف عند الملك، فهل سنحاسب الملك؟ نحن لم نتعاقد مع الملك عند التصويت. ليس هناك تعددية هناك صور لأحزاب.

ـ أفرز المغرب الحديث أشكالا عديدة للجسد، هناك الجسد المحجوب عن الرؤية، جسد عورة يجب أن يخفى، وهناك جسد ملك للسلطة وعبره تتجسد قوة الدولة وعنفها المشروع كما في سنوات الرصاص، ثم هناك الجسد العاري الذي عبره تحتج فئات اجتماعية ضد التهميش والقهر، وهناك الجسد الانتحاري الذي يشكل أداة للاحتجاج، ما هو السياق الثقافي والاجتماعي لكل هذه الأجساد المتعددة في مغرب اليوم؟

فعلا لقد كان الجسد دائما إحدى الرهانات السياسية والاجتماعية المهمة. فهو آلة للعمل والإنتاج ولذا وجب تطويعه وسلب حريته باستعباده وقهره، وهو آلة لإنتاج النسل وإدامته وإكثار أفراد القبيلة والعشيرة والأمة…ولذ وجب ضبط تعاطيه مع هذا المعطى الأساسي وذلك بضبط الحاضن الأساسي للمني ولتوزيعه واستثماره ألا وهي المرأة؛ والجسد وسيلة للمتعة وللزينة كما تقول الأديان لذا يتحول في كثير من الحالات إلى بضاعة للتبادل والتهريب والاختطاف…وبما أن الجسد يخضع لكل هذه الضغوطات فمن الطبيعي أن يتمرد وأن يحاول التحرر والانعتاق واستعادة حريته الطبيعية التي بها نشأ أولا كجسد حيواني غريزي ومن بعد كجسد ثقافي فكري حضاري وسياسي.

ومن هنا تعددت طرق احتجاجه، فقد يحتج ضد سياسة الدولة والمجتمع والعائلة والمؤسسات بصفة عامة. قد يحتج بإظهار نفسه واستفزاز الآخرين وقد يحتج بإعدام نفسه وجعل الآخرين يحسون بالذنب وقد يحتج بأشكال جمالية مرتبطة بتميزه وخروجه عن المألوف والمتعارف عليه باللباس أو المظهر بصفة عامة، وقد يحتج أيضا بالانخراط في المحظور والمحرم والممنوع. في عالمنا العربي اليوم بل وحتى الأوروبي نعيش فترات انتقال كبرى على المستوى الثقافي والحضاري والسياسي ولذا من الطبيعي أن تتضارب وجهات النظر بين أنماط فكرية مختلفة وتؤدي بالنهاية إلى احتجاجات قد تصل إلى العنف أو الانتحار (يسميه البعض استشهادا) أو التعري أو إشهار ممارسات كانت إلى عهد غير بعيد في طي الكتمان (المثلية الجنسية).

لقد بدأت بوادر التعبير بالجسد ووضعه موضع خطر عندما تسد الأبواب بمباردة من الصحافي العراقي منتظر الزيدي عندما غامر بجسده ورمى الرئيس الأمريكي بحذائه، ويجب أن لا ننسى أن المعطلين بالمغرب كانوا قد جربوا إحراق أجسادهم بالمغرب أمام البرلمان في فترة حكومة عبد الرحمان اليوسفي على ما أعتقد قبل أن يفعلها محمد البوعزيزي بتونس، ثم حركة فيمن الأوروبية وأمينة التونسية إلى حركة المثليين المغاربة الذين أعلنوا صراحة أن نوازع أجسادهم الجنسية لا علاقة لها بالنمطية التي يحاول النظام الذكوري أن يخضعهم لها…كل هذا يُظهر بشكل يكاد يكون جليا أن التحول كبير في المجتمع وأن الحرية تصطدم بجدار القانون الذي لازال يمتح من العقلية القبلية البدوية.

ـ عملت وزارة الداخلية على منع البرقع، أنتم من المدافعين عن الحريات الفردية، كيف يبدو لك الأمر؟ ما هي الإسقاطات العميقة لهكذا قرار؟

أولا لم أطلع على أي وثيقة رسمية تمنع البرقع أو أي شكل من أشكال اللباس.

ـ لقد منعت السلطات خياطي هذا النوع من اللباس من استمرار انتاجه مع ضرورة التخلص من ملابس جاهزة؟

ما راج في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي هو دورية موقعة من طرف أحد رجال السلطة في جهة ما من المغرب يراسل تجارا بصدد إنتاج وتسويق البرقع. الأمر يتعلق إذن بمنع يدخل في باب صناعة وإنتاج الأشياء وكذا تداولها. لم  يصل الأمر بعد إلى حد التدخل في حرية الأفراد ولباسهم في الفضاء العام. الآن هل سوف تتعدى وزارة الداخلية عتبة المنع التجاري إلى ملاحقة الناس في الفضاءات العمومية ومنعهم من لبس البرقع لاأدري.

لكن وعلى الرغم من كل هذا فالمنع لايمكنه أن يكون إلا بقانون ولا علم لي أن الحكومة أصدرت أو استصدرت قانونا يتعلق بهذا النوع من اللباس. إذ يمكن للدولة أن تمنع الثوب الذي يغطي كافة الجسد ويمنع من التعرف على هوية حامله أن تمنعه في الفضاءات العمومية: أي أنه  يمنع الحجاب الكامل الذي يغطي و يحجب الجسد من الرأس إلى أخمص القدمين أو الرأس والوجه فقط. وعندما نقول الفضاء العمومي فإننا نقصد به الشوارع والحدائق ووسائل النقل العمومي من تاكسيات وباصات وطائرات وقطارات …كما أنه يمنع في الإدارات والمتاحف والمدارس والمطاعم…كما يمنع بنفس الطريقة كل شيئ يوضع على الوجه ويمنع من التعرف على هوية حامله أيا كان مسلما أو مسيحيا أوسيخيا…هذا النوع من اللباس يمكن أن يطرح مشكلة أمنية.

أضف إلى ذلك وهذا اعتقاد شخصي فإن البرقع الذي يعني ثوبا بثقبن يوضع على وجه المرأة أو الدابة فيه إدلال وامتهان لكرامة المرأة ويبدو لي أنه من الصعب على مجتمع يقول بكرامة الإنسان أن يقبل به على المستوى الأخلاقي والقيمي وحتى الحقوقي.

ـ ما معنى الاستثناء المغربي في السياق الإقليمي والكوني، هل الاستثناء مجرد وهم أم هو حقيقة؟

هناك الاستثناء الأول وهو جغرافي ولا يمكن لأي بلد أن يشبه المغرب فيه. المغرب الموجود بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط بطقس خاص ورياح وجبال لا توجد في مكان آخر من العالم استثنائي، كما هو استثنائي أيضا بما استطاعت شعوبه على مر التاريخ أن تعجن من ثقافات مختلفة في شيء اسمه الثقافة المغربية: فيها الطبخ واللباس والموسيقى والمد الروحي المغربي والمفكرين والشعراء والفنانين االتشكيليين ومصممي الأزياء، كل هذه الأشياء تجعل المغرب استثنائيا. فيه كثير من أوروبا ومثله من افريقيا، فيه السهول والجبال والصحاري فيه الحر الشديد والثلج والقر؛ هل تُرجم كل هذا على مستوى السياسة؟ لا أدري وإنما يبدو لي في بعض الحالات أن الاستثناء المغربي في السياسة هو التردد في الأخذ بأسباب التقدم ولذا فهو في نظري سَلَفِيُ بامتياز، سلفي لا بالمعنى الديني وإنما بالمعنى الفكري، أي أنه لا يأخذ الأشياء إلا إذا كُرِّست ويبقى متشبثا بما تركه الأسلاف، لا يغامر ولا يأخذ المبادرة وفي هذا مشكل كبير بالنسبة للشعوب والدول التي تريد المنافسة على الريادة في هذا العالم أو على الأقل في العالم الأفريقي.

ـ كباحث في الجماليات ومهتم بتحليل الرموز، كيف يبدو لكم هذا الصراع اللغوي بين دعاة الدارجة والمتشبثون بالفصحى، هل هو محض صراع حول من يمتلك الحق في الإنتاج داخل المتروبول الثقافي والرمزي بالمغرب؟ أم هو تعبير عن هويات ومشاريع تمثل رؤى نخب لها مصالحها ومواقعها؟

مشكلتنا هي أننا لانجرؤ على الحديث بلغتنا، نحن نستحيي أو نخاف أو لانستطيع الدفاع عن لغتنا اليومية. الدارجة أوالدارجات المغربية تلك اللغات المتعددة التي تتداول في المغرب دخيرة أساسية لأن الكتاب والصحافيين والشعراء يمتحون منها دون وعي منهم. عندما نتصفح جدران الفايسبوك نقرأ أو نسمع نرى إلى أي حد هي غنية ومرنة لغاتنا الدارجة. نحن نحلم بالدارجة نبكي بها مواتانا ونغني بها في أفراحنا. بها كانت امهاتنا تغنين لنا ونحن أطفالا وبها نبارك الأعياد لبعضنا؛ هي من إنتاجنا اليومي من معاناتنا وأفراحنا، كيف يمكن أن ننعتها بالأقل درجة من أية لغة أخرى.

الآن إقحام هذه اللغات الجميلة في رهانات الصراع الإيديولوجي مشكل آخر. هل تصلح للتدريس أم لا؟ هل اعتمادها في التدريس يعني القضاء على اللغة العربية المُنَمَّطة (لا أقول الفصحى)؟ هذا كلام لا معنى له، يجب عدم خلق الخصام المفتعل بين لغتين هما في الأصل واحدة. من يمكنه أن يجزم أنني أنا مثلا موليم العروسي أكتب بالدارجة أو بالعربية المنمطة؟ أنا أكتب داخل هذا الفضاء اللغوي والرمزي المغربي الذي تتداخل فيه العربية والأمازيغية والفرنسية والحسانية والأسبانية، أنا اتجول بينهما مكرها أو أختيارا آخذ ما تيسر لي وما يُيَسِّرُ لي التعبير عن دواخلي. لذا عندما نستقبل الطفل في المدرسة لأول مرة يجب أن لا نخلق لديه ذلك الخصام والصراع بين لغته الأم وبين اللغة النمطية التي سوف يكتب ويقرأ بها. هذا دور البيداغوجيين المختصين ومن المفروض أن لا يتطاول عليه أحد سواء من السياسيين أو غير السياسيين.

ـ أضحت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بأشكال الحقد وبدعاة الكراهية الذين يشيدون بالقتل ويعتبرون الانتحار الإرهابي انتصارا للقضية، هل تشكل وسائط التواصل الاجتماعي وأدا للديمقراطية والاختلاف؟

بشكل من الأشكال نعم، لأن وسائل التواصل الاجتماعي لا تتيح الفرصة للشرح والتحليل والتدليل على الأفكار، إنها مكونة من ستاتوهات سريعة ومختصرة ولذا فهي تخدم الشعبوية أكثر من الديموقراطية. علينا أن نجرب أننا عندما نضع مثلا نصا طويلا على الحائط فهو لا يقرأ ويظهر ذلك من عدد اللايكات التي يحصدها بينما لو وضعنا جملة قصيرة أو صورة فقط فإن المتصفح يعتبر أنه فهم المقصود بسرعة ويمكن أن يعلق ويقتسم الستاتو.

ولكن الفضاءات المفتوحة في وسائط التواصل الاجتماعي تقابلها فضاءات أخرى داخل نفس الوسائط لمجموعات قررت أن تجتمع في صفحة واحدة أو صفحات وأن تناقش وتتبادل الأفكار والآراء وفي هذه هناك أمل في تطوير العمل الجماعي والوصول  في بعض الحالات إلى قرارت مهمة وخلق شبكات بأهمية كبيرة في التحول المجتمعي والحضاري الذي تعيشه الإنسانية اليوم.

ـ قدمت الحداثة دوما على أنها خطر، وغالبا ما تتم شيطنة الحداثيين الذين ينتهون إلى أن يصبحوا تقليديين في السياسة كما في الفكر، إلى ما يعود هذا؟ هل فقط لأننا اكتشفنا الحداثة عن طريق المستعمر الكافر؟

نحن لم نكتشف الحداثة عن طريق المستعمر الكافر. هذا كلام يخص بقية العالم العربي وهو ما تسوقه كتابات المشارقة عندنا. في هذا الباب يمكن أن يعتبر المغرب استثناء. من الاستثناء المغربي تاريخيا هو أنه البلد العربي الوحيد الذي لم تحتله الإمبراطورية العثمانية. ولذا بقي مستقىلا وحافظ على طابعه الأمازيغي في كثير من مظاهر الحياة.

الحداثة عرضت علينا من طرف أوروبا ولم نقبلها كانت تبعد عنا في البداية بأربعة عشرة كيلومتر ثم انتقلت إلى سبتة أي فوق أرض المغرب ولم نقبلها. رفضتها البنية التقليدية التي كانت تعتبر أنها أدت ما عليها تاريخيا وأن ليس لديها شيء تتعلمه من الآخرين. لم ترى في الحداثة فرصة للحفاظ على استقلال الوطن فضلت الحفاظ على التقاليد والعقائد وكانت تعتبر ذلك أهم من الوطن. الولاء للعقيدة بالنسبة للبعض والولاء للمصالح الضيقة بالنسبة للبعض الآخر وتحالف هذين الاتجاهين هو الذي يجهض الانتقال إلى الحداثة.

وهذه هي وضعيتنا اليوم، هل نريد وطنا مستقلا قويا منخرطا في الابتكار أم الولاء لأفكار ومعتقدات وتنظيمات تجرنا إلى الوراء؟ هذا هو الاختيار الصعب

ـ دائما ما ينتصر التقليد على الحداثة التي تتراجع لصالح هيمنة التقليد في المؤسسات كما في السلوكات الاجتماعية وفي الممارسة التربوية كما في الفكر والسياسة، هل لأن التقليد له سلطان قوي يتمثل في النظام البطريركي وفي ثنايا المجتمع أيضا؟

لاأظن ذلك فالتقليد ينتصر في الخطابات أكثر من الواقع

عندما نتحدث عن شكل وتدبير المدرسة والإدارة والعلاقات بين الناس في القوانين وتدبير الناس لحياتهم اليومية من إدارة وبنوك ومستشفيات…فهذه الأمور كلها مستوحاة أو مقتبسة أو مأخوذة مباشرة من المجتمعات الحديثة ولا علاقة لها بالماضي إلا فيما ندر ؛ولكن عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن هذا الأمور فإن اللغة التي تقفز إلى الفم هي اللغة التقليدية. كيف يمكن أن تشرح مثلا أن شابا وشابة يلبسان بطريقة تكاد تكون من حي هارليم بنيوورك ويمارسان موسيقى ورقص كله إيحاءات جنسية وعندما تتحدث معهم عن التغيير في المغرب وعن المشاكل التي يعنيها لا يجدان ما يجيبان به إلا أن على المغرب أن يطبق الشريعة الإسلامية لأنها هي الوحيدة التي يمكن أن تضمن لنا التقدم؟ لكن لو قلت لهم أنهم هم في حالتهم هذه يخالفون الشريعة سوف يفكرون بطريقة أخرى.

عندما تواجه الناس بحالاتهم الخاصة يفهمون أن الأمر مختلف تماما عن الأفكار التي تتيح لهم التعبير حتى ولو كان ما يعبرون عنه ليس هو ما يريدونه فعلا. لو سألت سيدة عن فصل الدين عن الدولة لقالت لك أعود بالله نحن دولة إسلامية، لكن لو طرحت معها مشكلة الإرث ومشكلة الطلاق ومشكلة التعدد لقالت لك هذا جور وظلم ويجب أن تتغير الأمور. لو سألت النساء السلاليات مثلا عن علاقة الدين بالدولة وسلطةالأب لقالت لك أن لا شيء فوق سلطة الأب لكن عندما تعلق الأمر بحق من الحقوق فإنهن أعدن النظر في كل شيء. للمدرسة دور خطير في هذ الباب.

وكما قلت في أحد حواراتي:

التقدم على شاكلة الشعوب المتقدمة هو قدر الإنسانية إنما هناك عثرات تاريخية وهاته ليست الأولى في تاريخ المغرب، التي تعطل عجلة التاريخ، نتمنى أن تكون خطوة للوراء من أجل خطوتين إلى الأمام وأن لاتدوم أطول من اللازم.

شاهد أيضاً

فوكو أمام كانط أو بصدد مسألة الأنوار

خالد بولعلام – المغرب “ما الأنوار؟” سؤال كانط  فتح، حسب فوكو، الواقع على الحداثة في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *