الرئيسية / فكر وفلسفة / حوارات / حوار: في الحاجة لمواجهة الفكر الخرافي باستحضار وتقوية العقلانيَّة

حوار: في الحاجة لمواجهة الفكر الخرافي باستحضار وتقوية العقلانيَّة

حوار مع عمر بوساحة رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية :

بعد مرور أكثر من عقدين على أحداث القتل وإرهاب التنظيمات الإسلامية التي شهدتها الجزائر، وبالرغم من مواجهة هذا التطرف الديني على المستوى العسكري، إلا أن الحضور الثقافي لهذا الفكر المتطرف ما يزال مهيمنا في المجتمع الجزائري، وهو حضور يتزامن وسياق انتشار مظاهر “التدعش” في العديد من مجتمعات شمال إفريقيا، الأمر الذي يستدعي البحث عن آليات لفهم هذا الوضع من أجل مواجهة هذا التوجه المتطرف الآخذ في الانتشار في مجتمعاتنا، نسائل  الدكتور عمر بوساحة، رئيس الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، وأحد الفاعلين الأساسيين في الحقل الفكري في مواجهة الفكر المتطرف، حول دور الفلاسفة الجزائريين والفلسفة والفكر النقدي في مواجهة هذا الوضع البالغ التعقيد بالإضافة إلى مساءلته في قضايا أخرى.

حوار مع ابن مدينة بسكرة الجنوبية التي زارها ذات يوم كارل ماركس وعاش فيها الكاتب الفرنسي أندري جيد.

حاوره أمين مقدم

وأنتم اليوم مقبلون على المؤتمر السنوي لجمعية مدرسي الفلسفة، كيف أتت فكرة تأسيس الجمعية وما هي أهم تجاربها، وماهي الدوافع وراء تأسيسها؟

فكرة تأسيس الجمعية جاءت من أجل دعم “العقلنة” الحياة الثقافية في الجزائر، ومن أجل إخراج الفلسفة من أسوار الجامعات إلى الشارع الجزائري، “يعني ماشي نعطي للواحد الفلسفة بل منح آليات الفهم والتحليل وكيفية معالجة قضايا الحياة اليومية وتشكيل فلسفة حياة”،  كما نقوم بتنظيم ملتقيات وندوات فكرية وأيام دراسية، ونقدم دروسا وشبه دروس متخصصة للطلبة الجامعيين، كما نقوم بإصدار عددين للمجلة العلمية للجمعية في كل سنة.  وبالرغم من أن تجربة الجمعية لم تتجاوز خمس سنوات، إلا أن تجربتنا ترجع لحوالي 15 سنة، حيث كنا كأساتذة فلسفة قبل تأسيس الجمعية ننظم مجموعة من الأنشطة والمحطات الفكرية، تنظيم “يوم الفلسفة في الجزائر”، الذي هو في الأصل فكرة اليونسكو، حيث راكمنا بعض التجارب وتبلورت لدينا فكرة تأسيس الجمعية، واليوم الجمعية منتشرة على المستوى الوطني حيث لدينا 40 مكتبا ولائيا (جهوي)، يقوم كل مكتب منها بتنظيم مجموعة من الندوات والمناظرات بالإضافة إلى المساهمة في المجلة الأكاديمية التي تصدرها الجمعية.

الهجمة الدينية في الجزائرية هي مشابهة بشكل طفيف مع نظيرتها المغربية، فالوضع الثقافي في الجزائر بعد ظهور الحركات الإسلامية يختلف عن الوضع قبل ظهورها، اليوم انتشرت ظواهر عديدة لم يكن لها حضور في المجتمع الجزائري، فاليوم الحجاب واللحى واللباس الأفغاني أصبحت كلها من المظاهر الأكثر انتشارا مقارنة مع مرحلة التسعينيات، اليوم أصبحت الثقافة في الجزائر تتراجع إلى المجالات الدينية والتقليدية، وفي بعض الحالات تتراجع حتى إلى المجال “الخرافي”، وأمام هذا الوضع أصبحت الضرورة تدفعنا كفلاسفة من أجل التدخل في هذا المشهد للدفاع عن الفكر العملي لأننا كأساتذة فلسفة اعتبرنا هذا الوضع ينذر بكارثة مجتمعية، ووجدنا أنفسنا ملزمين بالشرح والمرافعة بأن مجموعة من القضايا يحلها العلم وليس الخرافة، وهنا أريد التوضيح بأن الفكر الديني ليس في مجمله فكرا خرافيا، لكن الفكر الديني المنتشر في بلداننا اليوم يستند على أساس أسطوري خرافي والدجل، وهو السبب الذي يدفعنا لاستحضار الفلسفة كفكر نقذي، أي أنه حينما نقول إن الفلسفة ستتوجه للمجتمع أي أن العقلانية ستتوجه للمجتمع، وليحول المجتمع مركز اهتمامه من الثقافة اللاعقلانية والخرافية إلى العقلانية واستحضار العلم والعقل.

+ عاشت الفلسفة في المغرب سنوات من الظلم والحيف خلال سنوات مضت، ظلم وصل حد إلغاءها من المقررات الدراسية في بداية الثمانينيات، ألم تعش الفلسفة في الجزائر مثل هذا الوضع؟ وهل لم تتعامل السلطات الجزائرية بنوع من الكيدية مع الفلسفة؟

في الجزائر لم تلغ الفلسفة تماما من تاريخ المدرسة الجزائرية، لكن هذا لا يعني أنها لم تتعرض للهجوم، فمثلا في فترة الستينيات والسبعينيات وإلى حدود الثمانينيات، كان المجتمع يعرف حضورا قويا للإيديولوجية الاشتراكية، لكن هذه السطوة الإيديولوجية لم تضر بالفلسفة، وكان متاحا للفلسفة في الجزائر أن تلعب دورا ولو محدودا على مستوى حرية الفكر بخطاب نقذي، لكن فترة التسعينيات والإرهاب التي عاشتها الجزائر، فترة شهدت ضغطا قويا للمجتمع على السلطة من أجل دعم قيم المحافظة، ضغط دفع إلى إعادة النظر في برامج الفلسفة والموضوعات التي تدرس، فمثلا أقراني الذين درسوا الفلسفة خلال السبعينيات درسوا مواضيع حذفت اليوم من المقررات والبرامج الدراسية الحالية، اليوم لا نجد أثرا لمواضيع الألوهية والمصير الإنساني ومجموعة من الموضوعات الميتافيزيقية المحرجة أي وجود في مقررات الفلسفة في الجزائر. كما أصبح أستاذ الفلسفة في الجزائر يعيش اليوم تحت ضغوطات المجتمع، كما دخلت على البرامج الدراسية للفلسفة اختيارات مجموعة من الأساتذة للنصوص التي تنسجم مع ما يريده التلميذ وهي نصوص أقرب منها للديني من الفلسفي، ولاحظنا أننا أصبحنا أمام الشريعة بدلا من الفلسفة ونوع من الخليط الديني والفلسفي.

+تحدثم سابقا عن انتشار الفكر المتطرف داخل مجتمعات شمال إفريقيا، في نظركم ما هي المقاربة المطلوبة في المرحلة الحالية لدعم العقلانية في الدول المغاربية؟

في نظري العمل  المطلوب على مستوى منطقة شمال إفريقيا في المرحلة الحالية، هو عمل تنويري بالأساس، هنا أذكر على سبيل المثال أن الإعلام الغربي يعرف شبه تضخيم من دور العسكر في الجزائر، مع العلم أن الحالة الجزائرية تشابه نظيرتها المصرية والتركية، واليوم لم يعد للعسكر تلك السطوة في الشأن الجزائري، كما سبق لي أن وصفت الحالة الإعلامية الجزائرية المغربية بالصبيانية، لأن الإعلام الجزائري يتكلم بنوع من الصبيانية عن الوضع هنا في في المغرب، كما أن بعض الإعلاميين المغاربة يتكلمون للأسف أيضا بنوع من الصبيانية عن الجزائر، لأنه من غير المقبول أن يقوم الإعلاميون بالكتابة عن أمور يجهلونها، كما أنه ليس من المفروض علينا أن نعيش هذه الحالة الاحتقان على المستوى الإعلامي خاصة وأن ما ينشر في الجهتين هو مغلوط بنسبة كبيرة، وهو الأمر المسيء لمستوى الوعي في البلدين، يعني أنه إذا كان مطلوبا خلق رأي عام وبرمجة بعض العقول على الأقل أن يجري ذلك بنوع من الذكاء، فمثلا نجد في حالات عديدة مشكلة بسيطة بين البلدين يقوم الإعلام في البلدين بتضخيمها و”دق طبول الحرب”، في حين أن المطلوب هو إعلام جدي يتحدث عن الوضع بين البلدين بجدية وموضوعية خاصة وأننا نتحدث عن بلدين جارين بشعبين يمكن اعتبارهما شعبا واحدا يعاني الكثير منهم في الجهتين بؤسا غير مقبول نتيجة لهذا الوضع الحالي بين البلدين، وهنا أذكر بأن مثلا على مستوى الجامعات الجزائرية هناك العديد من الأساتذة الجامعين يتحسرون بمرارة على الوضع الحالي بين المغرب والجزائر، وهو الأمر بالإضافة إلى قضايا أخرى يشير إلى ضرورة استحضار العقلانية بشكل مستعجل، لأنه إذا كان الإسلام السياسي انهزم أمنيا وعسكريا، وانحصر حضوره وكشفت ألاعيبه، إلا أنه على المستوى الثقافي مازال حاضنة للفكر المتطرف، ومواجهة الشعبوية بالفكر النقدي اليوم تحتاج لمجهود كبير، لأن مواجهة امتداد الإسلام السياسي لا تخيفنا، لكن يجب الاعتراف أنه على المستوى الثقافي  ما زالت تمتد بشكل مقلق … ومظاهر الأفغنة التي لم تكن حاضرة في السبعينيات أضحت منتشرة بشكل مخيف، وحرية المعتقد أضحت مهددة في كافة بلدان هذه المنطقة، كما أن القضية الهوياتية خاصة على مستوى اللغة تحتاج لنقاش عقلاني حقيقي..  كل هذه المظاهر الثقافية تشكل حاضنة قوية للفكر المتطرف ولانتكاسات مجتمعية مستقبلية، يعني اليوم نحن مطالبون بمواجهة هذه المظاهر الثقافية على المستوى الفكري وبشكل عقلاني من أجل تشكيل مجتمع ديمقراطي ويقبل الآخر لأن مجتمعاتنا مازالت مهيئة للفكر والخطاب الشعبوي والسياسات الشعبوية، ونحن كجمعية نقول إنه بدون ثورة ثقافية فكرية قوية صعب أن نتحدث عن مجتمع ديمقراطي، فاليوم نجد أنفسنا نفضل الطرح الفكري “للسلطة” على فكر المجتمع، لأنه يجب الاعتراف اليوم أن السلطة أصبحت شرا يحميك من شرور أخرى في المجتمع، فأنا مثلا الآن أسكن في العاصمة وأدرس في العاصمة، لكن أصولي من الجنوب الشرقي الجزائر من مدينة بسكرة والتي تدخل في ما يعرف بمناطق الشاوية في الجزائر، وهي مدينة زارها ماركس وعاش فيها أندري جيد، مدينة عندها عراقة ثقافية قديمة في مرحلة الاستعمار الفرنسي وما بعد الاستقلال، إلا أنها اليوم تعرف انتشارا قويا للمظاهر الثقافية الأصولية.

+ هل كان اختياركم لدراسة الفلسفة ثم امتهان تدريسها مبنيا عن قناعة، أم أنه كان نتيجة للصدفة فقط؟ وهل تتفق مع القائلين بأن مرحلة حكم الهواري بومدين عرفت تمهيدا من طرف السلطة للحضور الإسلامي مثل ما حدث في مصر في عهد أنور السادات مع الإخوان المسلمين؟

+ أنا مثلا اختياري لدراسة الفلسفة وتدريسها في ما بعد كان نتيجة لاختيار شخصي وليس عبثا أو نتيجة للظروف، ويمكن أن أقول إن الانطباع الذي تركه لدي أستاذ الفلسفة الذي درسني في الثانوية هو ما دفعني على المستوى الشخصي للقيام بهذا الاختيار، إلا أنه يجدر الذكر هنا أنه في تلك الفترة بالسبعينيات كان المجتمع الجزائري منفتحا وفيه اتجاه العقلنة وكان ينظر لمدرس الفلسفة باحترام  بل لدرجة أن المعدل المطلوب لدراسة الفلسفة كان لا ينزل على 20/12، وهو ما كان يعني في تلك الفترة اختيار نخبة الطلبة حينها، بل هنا أذكر أن وضع الفلسفة كان مختلفا عن الوضع الحالي لدرجة أن المجتمع كان ينظر للفلسفة أفضل من المواد العلمية، عكس ما هو عليه الحال الآن من أفكار منتشرة في المجتمع تقول إن الفلسفة كفر وإلحاد وزندقة  نتيجة لـ”صبية الإسلاميين” وهي الظاهرة الجديدة في التعليم، لدرجة أن التلاميذ أصبحوا يرفضون دراسة الفلسفة تحت ذريعة كونها إلحادا وكفرا بل حتى التظاهر احتجاجا على دراستها، الأمر الذي دفع مسؤولي التعليم في الجزائر بإدراج الفلسفة كمادة موجبة للرسوب في الباكلوريا من أجل إلزامية دراستها.

أما بخصوص سؤالك حول علاقة عهد الهواري بومدين بظهور الحركات الإسلامية في الجزائر، فأنا أختلف مع القائلين بأن مرحلة بومدين في الجزائر عرفت استحضارا قويا للهوية الدينية وأدت إلى تقوية حضور الإسلام السياسي في الجزائر في مراحل أخرى، واعتبر أن صدام السلطة مع الجمعية الدينية هو ما أجج واستفز تلك الحركة القوية للتنظيمات الأصولية الإسلامية في المجتمع الجزائري، فمثلا إن أعضاء الجبهة الوطنية لاستقلال الجزائر كان أغلبهم يا إما شيوعيا أو اشتراكيا، لكن لا يمكن نفي أنه في فترة حرب التحرير قامت الجبهة بتبني خطاب من أجل الفصل بين الجزائري والمحتل الفرنسي، خطاب يقول إن الجزائري عربي مسلم ويختلف ثقافيا عن الفرنسي لكن التقديم كان دينيا، وهو ما نجده في بيان نونبر المؤسس للجبهة الوطنية لاستقلال الجزائر حيث نجد بالحرف “نحو بناء دولة جزائرية ضمن المبادئ الإسلامية”، وهو ما استغله الإسلاميون في الجزائر في ما بعد، لأن المقصود في بيان نونبر حول “المبادئ الإسلامية” هي المبادئ التي يختلف فيها الجزائري مع الفرنسي وداخل منطق الكفاح ودفع الجزائريين نحو الكفاح ضد المستعمر الفرنسي والمختلف عليه ثقافيا، لكن ما لم نقم به على المستوى الهوياتي هو إعادة النظر في الهوية ما بعد الاستعمار لأن هذه المرحلة فرضت علينا هوية كفاحية من أجل الاستقلال، وهو ما اعتبره المهام المطروحة على أجندة النخب من أجل إعادة نقاش مسألة الهوية عموما، وهو ما نلمس حاجته أمام وضع الحالة الأمازيغية ، لأن مثلا الحركة الاحتجاجية والحقوقية في منطقة القبائل لا نجد جدورها في نقص على مستوى تنمية المنطقة لأن المدن في منطقة القبائل تعرف تنمية على شاكلة مختلف المدن الجزائرية الأخرى، بل نجد جدورها ومحركها في المجال الثقافي الهوياتي بالأخص، وهو ما يتضح من شعاراتها ومواقفها التي يطالب أغلبها بالاعتراف الرسمي بالهوية الثقافية لهذه المنطقة.

+ ألا تعتقدون أستاذي بأنه بالاضافة إلى مسألة الهوية بمنطقة شمال افريقيا التي مازالت تحتاج لنقاشات مطولة وعميقة من طرف النخب في دول المغرب العربي، هناك مسألة المهاجرين واللاجئين التي تعتبر ظاهرة جديدة بالنسبة لكل من المغرب والجزائر والتي تحتاج لنقاش عميق خصوصا في ما يتعلق بإدماج المهاجرين وغياب بنيات استقبال اللاجئين، أو ظواهر الاتجار في البشر، وهل ستعيد هذه القضايا طرح سؤال مركزية الحياة والإنسان الغائبة في هذين البلدين؟

لا يعد مشكل الهوية الذي أرَق كثيرا دول شمال إفريقيا خاصا بهذه المنطقة وحسب في عالمنا العربي، بل هو متعلق بكل البلدان العربية، والتي بسبب حداثة نشأتها وظروفها وموروثاتها الثقافية والسياسية لم تستطع حل هذا المشكل ومشاكل أخرى كالديمقراطية ودولة المواطنة وحقوق الإنسان وغيرها. لقد اعتمدت الأنظمة العربية التي أسست للدولة الحديثة على أيديولوجيات قومية عربية استبعدت في الغالب فكر الأقليات والطوائف المنتشرة في العالم العربي، خوفا منها، كما تصورت، على وحدة بلدانها السياسية والاجتماعية. ونسيت أن القمع الذي مورس على هذه الأقليات هو الذي سيصبح خطرا محدقا على استمرار هذه الوحدة، وهو الذي يحصل حاليا ويهدد دولا عربية كثيرة ويظهر بأقل حدة عندنا هنا في الدول المغاربية.  قيم الحياة واحترام الإنسان لا تزال بعيدة عن ثقافتنا ومجتمعاتنا. فنحن لا نزال لم نصل بعد الى احترام بعضنا البعض فما بالك باحترام غيرنا. الثقافة العربية عموما لا تزال بعيدة عن القيم الإنسانية التي رسختها الحداثة، ولا نزال ننظر للآخر نظرة يطبعها التوجس والخوف والعدائية. قد يكون لهذا أسبابه التاريخية بالتأكيد ولكننا في الحقيقة لا نزال بعيدين عن روح الاستقبال الإنساني لمهاجري إفريقيا حتى وإن كانوا يجعلون من بلداننا معابرا يستخدمونها للوصول الى أوربا. قضية الهجرة قضية معقدة وقد لا يكفي لفهمها اعتماد الجانب الأخلاقي والإنساني فقط، بل الاقتصاد المتردي في منطقتنا هو الآخر يلعب دوره في مواجهة هذه الظاهرة، إذ كيف لدول لم تستطع تحقيق الاكتفاء لشعوبها والعيش الكريم، أن تستقبل مئات الآلاف من القادمين إليها من البلدان الإفريقية، فأوروبا وعلى الرغم مما تعيشه من رخاء لم تستطع القيام بذلك.

 

+ تعتبر المناهج التعليمية عموما في الجزائر والمغرب وباقي بلدان شمال إفريقيا من البرامج التعليمية الغير الحية، والمقصود هنا أن برامج الفلسفة في هذه البلدان هي برامج لا تتجدد في الجوهر عموما، أليس بالأحرى أن تناقش الفلسفة اليوم الحياة اليومية للإنسان بهذه المنطقة، مثل مواضيع الذكاء الاصطناعي، أو العقلانية في المجتمعات الافتراضية، الاختلاف والغير….يعني مواضيع تلمس حياة التلميذ الشاب وتقدم له في الوقت نفسه مداخل أجوبة للإشكاليات الراهنة؟

حال الفلسفة في البلدان المغاربية على الرغم من التفاوتات التي بينها، إلا أنها لا تطمئن، ففي الجزائر على الرغم من أن الفلسفة لم تغب عن البرامج التعليمية منذ الاستقلال  1962 الى اليوم إلا أنها لم تقدم الشيء الكثير لعقلنة الثقافة والحياة. ولذلك أسباب كثيرة أغلبها مشترك بين بلداننا المغاربية ويدور بالخصوص حول هيمنة الفكر الديني على الحياة الثقافية، وهو الشيء الذي جعل الفلسفة تبقى حبيسة المدارس والجامعات. وأدى هذا الوضع كذلك الى تراجعها سنة بعد أخرى كخطاب نقدي يقوم أساسا على جعل الحياة والإنسان موضوعها الأساسي. أما نكبة الفلسفة الكبرى في الجزائر فقد حدثت بعد نهاية الثمانينات  من القرن الماضي فقد أجبر الشارع المدجج بالفكر الوهابي وزارات التعليم إلى إعادة النظر في برامجها التعليمية، وانجرَ على ذلك حذف كثير من الموضوعات الفلسفية المدرجة في المنهاج الدراسي، وعوضت بأخرى هي أقرب للشريعة منها الى الفلسفة، وتزويد كل ذلك بنصوص تسمى فلسفية ولكنها هي عن ذلك أبعد بكثير، تغرف من التراث الديني وأعلامه … والذي زاد في الطين بلة هو الضعف الذي آل إليه تكوين المكونين بسبب تراجع محتويات برامج التكوين الجامعي وتراجع مستوى المنتسبين إلى أقسام الفلسفة. كل هذا وغيره أعطى حضورا باهتا للفلسفة سواء في مؤسسات التعليم نفسها أو في الحياة الثقافية بشكل عام.

+ بالرغم من سنوات الاٍرهاب التي عاشتها الجزائر إلا أنها لم تعرف يوما مظاهر التشنجات الطائفية كما حدث خلال السنوات الأربع الأخيرة في منطقة غرداية، ألا تظنون بأن تأخرنا في البحث عن أجوبة حول الواقع الهوياتي لمجتمعاتنا بعيدا عن اللغة الرسمية أو تلك الأطروحات الهوياتي للعوام، سيسمح بتشكيل أرض خصبة لنمو مثل هذه الظواهر التي يمكن أن تتطور إلا في حروب طائفية؟

قضية غرداية في شرارتها الأولى لم يكن لها أية علاقة بقضايا الهوية ولا المذهبية الدينية والذي حدث أن الإعلام هو الذي جرَها الى هذه الدهاليز. لقد بدأت أولا كقضية عقارات وأملاك تشاجرت حولها بعض القبائل والعروش في المنطقة، وتحولت بعد ذلك وبإصرار شديد من طرف أناس في الظل إلى قضايا مذهبية بحكم أن سكان منطقة غرداية  ” بني مزاب ” هم من أتباع المذهب الأباضي . أما عن هويتهم الأمازيغية فقد روج لها سياسيون . سكان غرداية والمناطق المجاورة لها أناس طيبون مسالمون لم يسجل عليهم التاريخ أي أعمال فوضوية، وهم وطنيون من الدرجة الأولى بحيث قاوموا الاستعمار وشاركوا في كل ما يعزز وحدة الوطن وبنائه . غير أن الساسة في بلادنا المغاربية عوض أن يقوموا بالبحث عن الحلول لمشاكل مواطنيهم، يعملون في الغالب على الزيادة في إشعالها، وهو تقريبا ما حدث في غرداية. ولكن الأمور عادت الى طبيعتها بعد كشف الملابسات التي أحاطت بالمشكل.

نشر بجريدة آخر ساعة المغربية اليوم 20 يونيو 2017

شاهد أيضاً

ايمانويل ليفيناس : نهاية الإنسانوية ومولد إنسانية الآخر

زهير الخويلدي / تونس “يمكن أن يعد سؤال الفلسفة في الإنسان سؤالا استهلاليا وقائما في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *