جديد
الرئيسية / منشورات / جرائد / في صحبة ابن رشد: 13 – المرأة والرجل سيان: تجوز لها الإمامة كفيلسوفة

في صحبة ابن رشد: 13 – المرأة والرجل سيان: تجوز لها الإمامة كفيلسوفة

كوة: العلوي رشيد

“إن الفيلسوف الذي لا ينتج الايدولوجيا، هو أخطر فيلسوف. إنه يعيد إنتاج ايديولوجيا سابقة”، هذا ما صرح به الجابري في “نحن والتراث” (ص 205)، وهو يتحدث عن ابن رشد الذي نظر في حال زمانه وساهم في إنتاج فكر بديل لفكر التطرف والتزمت الذي أسَّس أحكامه ويقينيَّاته انطلاقاً من المُدونة الفقهيَّة.

ارتكز فيلسوف قرطبة ومراكش على البرهان العقلي مستعيناً بالفكر الفلسفي كما وصل إليه ليبني أيديولوجيا مغايرة لايديولوجيا الفقهاء والسلاطين في عصره، بحيث صاغ في السيَّاسة مواقِف جريئة من المدينة وواقع حالها، ومن نظام الحكم التسلطي والاستبداد بالرأي، واقترح مشروع تربيَّة وتعليم عقلاني للخروج من التَّيه السيَّاسي الذي تخبط فيه الحكم الموحدي في عقوده الأخيرة، لأنه سينهار بعد عقد من وفاة ابن رشد جراء غزو ملك البرتغال قرطبة واستسلام جيوش الموحدين.

شكل موقف ابن رشد من المرأة استثناء في زمن المُحافظة والتزمُّت الفِقهي، إنه موقف جريء لم يسبق أن دافع عنه أحد من أهل زمانه، بحيث نادى إلى اعتبار المرأة حاكِمة وفيلسوفة مساوية للرجل في العديد من القدرات والكفاءات بل ومنافسة له في بعض الصنائع التي تبرعُ فيها دون الرِّجال، لذلك يقول: “طالما أن بعض النِّساء ينشأن وهنَّ على جانبٍ كبير من الفِطنة والعقل، فإنه من غير المُحال أن نجد بينهنَّ حكيمات وحاكِمات وما شابه ذلك. وان كان هناك من يعتقد أن هذا النوع من النِّساء نادر الحصول، لا سيما وأن بعض الشرائع ترفض أن تقر للنِّساء بالإمامة أي الإمامة العظمى، بينما نجد شرائع أخرى على خلاف ذلك ما دام وجود مثل هؤلاء النِّسوة بينهم أمراً ليس بالمُحال” (الضروري).

لم يجادل الفقهاء فقط في إمكانيَّة تولي المرأة للإمامة بل تجادلوا أيضا في أهليَّتِها لتولي شؤون الصنائِع والمشاركة في الحرب، لاقتناعهم أنها “ناقِصة عقل ودين” وأن إمامتها لا تجوز، غير أن البعض منهم قد أجاز لها الإمامة كما فعل الشافعي مثلاً على عكس الإمام مالك الذي استند على حديث الرسول “أخروهن حيث أخرهن الله” و”لن يفلح قوم ولو أمرهم إمرأة”، وعن الآية الصريحة: “الرجال قوامون على النساء”.

حافظ ابن رشد على هذا المبدأ الشرعي الذي يبعد المرأة من الإمامة في الصلاة والتقدم في الصفوف، إلا أنه أجاز لها الإمامة السيَّاسيَّة. ففي معرض شرحه لموقف أفلاطون في المساواة بين الرجل والمرأة، نهج سبيلا آخر حيث يقول: “قلت: إن النِّساء من جهة أنهنَّ والرجال نوع واحد في الغاية الإنسانيَّة، فإنهنَّ بالضرورة يشتركن وإياهم فيها (الأفعال الإنسانيَّة) وإن اختلفن عنهم بعض الاختلاف، أعني أن الرجال أكثر كِداً في الأعمال الإنسانيَّة من النِّساء، وإن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النِّساء أكثر حذقاً في بعض الأعمال” ” (الضروري،124)، ويضيف: “من البيِّن إذن أن النِّساء يقمن في هذه المدينة بالأعمال نفسها التي يقوم بها الرجال، إلا أنه بما أنهن أضعف منهم قد ينبغي أن يكلَّفن من الأعمال بأقلِّها مشقةً” (نفسه 124).

لا ينبغي تأويل كلام ابن رشد وكأنه يعالج هنا المساواة كما تبلورت فيما بعد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا بالمعنى الذي أوردته مدونات الأحوال الشخصيَّة المعاصرة بعد نضال قوي للحركة النسائيَّة على مطلب المساواة والذي لم يتحقق كاملاً حتى في يومنا هذا، بحيث لا يزال مطلب المناصفة في المهام السيَّاسيَّة بعيد المنال. ولهذا اعتبرنا أن المساواة التي نادى بها ابن رشد هي من نوع “المساواة المشروطة”، بحيث لا تزال فكرة كون النِّساء أضعف من الرجال في بعض الأمور وهذا ما يفهم من كلامه: “نرى نساء يشاركن الرجال في الصنائع، إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة، وإن كان معظم النِّساء أشد حذقاً من الرجال في بعض الصنائع… فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات ريَّاسة” (الضروري، 124 – 125)، كما أقر لها المشاركة في الحرب: “وإذ قد تبين أن النِّساء يجب أن يشاركن الرجال في الحرب وغيرها، فقد ينبغي أن نطلب في اختيارهن الطبع نفسه الذي طلبناه في الرجال” (الضروري، 126).

صاغ ابن رشد موقف من خلال معاينته لوضع المرأة الأندلسية آنذاك، بحيث أنيطت لها مهام التربيَّة والانجاب والعِناية بالزَّوج والطاعة… حيث يقول بصريح العبارة: “وإنما زالت كفاية النِّساء في هذه المدن (مدن الأندلس) لأنهن اتخذن للانجاب والرضاعة والتربيَّة، فكان ذلك مبطلاً لأفعالهن الأخرى” (نفسه، 125)، وهو ما ينم عن وعيه بأن هذه المهام هي السَّبب في تعطيل قدراتِها الأخرى كالريَّاسة، رغم وجود نساء في زمنه السيَّاسي وفي فترات مهمة من تاريخ هذه المنطقة مارسن الحكم وتقلدن مناصب سيَّاسيَّة كبيرة خاصة في عهد المماليك الأمازيغيَّة، أما زينب النفزاوية فكان يُشهد لها بدورها المحوري في الحكم السيَّاسي في مراكش.

يبقى موقف ابن رشد في المساواة بين الجنسين وضرورة مشاركة المرأة للرجل في الحكم السيَّاسي والتفلسف، موقفاً متميزاً ومنسجماً مع توجهه العقلاني، ومتقدما رغم ذلك من مواقف بعض شيوخ العصر.

شاهد أيضاً

عن الصراع من أجل الاعتراف لأكسيل هونيث

سارة دبوسي – تونس توطئة: احتل كتاب الصراع من أجل الاعتراف للفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني …

6 تعليقات

  1. واصل بالتوفيق

اترك رداً على علي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *