الرئيسية / تربية و تعليم / الفلسفة للأطفال / المدرسة المغربية بين الأمس و اليوم

المدرسة المغربية بين الأمس و اليوم

المعانيد الشرقي – المغرب


يعتبر المغرب من البلدان العربية التي لها قصب السبق في مجال العلم و العرفان، حيث كان على مر الزمان قبلة لطلب العلم و تخرج من أحضان مدارسه القديمة علماء و كتاب و فلاسفة و شعراء أفذاذ. و قد أدت المدرسة المغربية قديما دورا مهما في نبذ الجهل و طرد الأمية و أسهمت بشكل كبير في إثراء الحقل المعرفي في شمال إفريقيا، لقد كانت ذات فعالية كبيرة، الشيء الذي جعلها تحتل مكانة مرموقة على غرار نظيراتها العربية آنذاك ، بالرغم من تواضع منشآتها و بساطة وسائلها، إلا أن المدرسة المغربية حديثا، و للأسف الشديد، فقدت تلك الرسالة المقدسة التي أنيطت بها وانتابها تضعضع رهيب، و أصبح أداؤها باهتا، رغم توافر الوسائل و تعدد المناهل و اعتماد الطرق البيداغوجية المستوردة من الغرب الناجح.

فكيف تجسدت وظائف المدرسة المغربية بين الأمس واليوم؟ و ما هي الرهانات المنتظرة منها اليوم و في المستقبل؟ وما الذي سيعيد للمدرسة المغربية بريقها و هيبتها و بأي وسائل، ناهيك عن المليارات من الدراهم التي أنفقت من أجلها و التي ذهبت أدراج الرياح ؟
شكلت المدرسة المغربية قديما تلك اللبنة الأولى لقيام حضارة عريقة و أصيلة، حيث قوت شوكة المغاربة و أخرجتهم من براثن الجهل ودهاليز الظلام إلى المعرفة و البيان بكل صنوفه و أنواعه، ففي البداية كانت عبارة عن كتاتيب قرآنية صغيرة، و قليل من المغاربة هم المحظوظون الذين يلتحقون بها بحكم قساوة ظروف العيش و اشتغال الشباب بالزراعة و الرعي.

و مع ذلك، أنجبت جيلا مثقفا، قطع الطريق عن الشعوذة و الجهل و الخرافة و كل أنواع الرذيلة. لكن، ومع مطلع القرن العشرين، و خصوصا عندما طلت الإمبرياليات المستعمرة برأسها، انتشر التسلط و الاستبداد و أصبح التعليم و التعلم حكرا على طبقات بعينها هي المحظوظة. عرفت المدرسة المغربية حينها منعطفا حولها من مجرد منشأة تعليمية، إلى ميدان لتلقين الناس دروسا في” الوطنية ” و استرخاص النفس و النفيس، من أجل هذا الوطن و ترابه.

هكذا فقد نجحت نجاحا منقطع النظير في استنهاض الهمم و ضخ دماء الفداء في نفوس المغاربة قاطبة، و تكون بين أسوارها أبطال شجعان حملوا هم وطنهم فوق أكتافهم، فساهموا بذلك في المقاومة بغرض طرد المستعمر. فأشرقت نور الحرية من جديد، و خاطبهم العاهل المغربي آنذاك ” محمد الخامس ”  طيب الله ثراه – من مدينة البوغاز و عروس الشمال طنجة – و العائد لتوه من المنفى معلنا استقلال البلاد و العباد، من ربقة المستعمر الغاشم، فشرع المغرب شعبا و ملكا في وضع مخططات كثيرة للنهوض باقتصاد البلاد، و كذا وضع استراتيجيات أخرى بالموازاة تهم تأطير و تكوين الشباب في المدارس و المعاهد وتلقينهم العلم و المعرفة، و كان المغرب أنذاك في حاجة ماسة إلى أطره و هو ما عرف حينها بمصطلح ” مغربة الأطر ” ، و لهذه الغاية تجند المغاربة وراء ملكهم للبناء و التشييد.

وما أن كان على المدرسة المغربية في أواخر الخمسينيات و بداية الستينيات من القرن الماضي، إلا أن رصت الصفوف من جديد، و واكبت الركب الحضاري، و قد تأتى لها ذلك، بفضل مدرسين أكفاء، حيث كانت تقتصر أدوات التلميذ على لوحة حجرية، و مدواة، و ريشة للكتابة، و دفتر واحد أو دفترين، و مع ذلك كان التلميذ يضرب أروع الأمثلة في التحصيل و الاجتهاد، و تظهر عليه مظاهر النبوغ مع أولى سنواته الدراسية.

فلا غرابة أن سمعت حينها تلميذا في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي، قد التحق بمركز تكوين المعلمين أو الممرضين أو موظفي الدولة عموما، و هذا إن ذل على شيء، فإنما يدل على نجاعة وظيفة المدرسة المغربية قديما بمدرسيها و مناهجها المتبعة.
لكن مع مطلع تسعينيات القرن الماضي على أحسن تحديد، تلقت المدرسة المغربية الحديثة صفعة قوية و أصبحت مفرغة من وظيفتها ، حيث تدهورت بشكل كبير و صارت جسدا بلا روح، كما أضحت مرتعا للغش و كل أساليب العنف في فضاءاتها و بجوارها أيضا، ذلك أنه باعتبارنا باحثين في السوسيولوجيا، و التربية و حقولها، و لنا دراية بميدان التدريس و طرائقه، اكتشفنا أن التلميذ (ة) أضحى يفر من ذاته باستمرار، و لم تعد له تلك الهوية التي من المفروض الاعتزاز و الافتخار بها ، وقد عاينت مرارا عند خروجي من المؤسسة كيف أن التلميذ يطوي ذفاتره و يعمل على تخبئتها بتلابيبه و ينصرف مهرولا بحركات كأنه سائح بجوار المؤسسة، أو غريب يتربص بالفتيات ساعيا بذلك أن يوقع إحداهن في شراكه.

ونفس الأمر ينصرف على التلميذات، حين خروجهن من المؤسسات التعليمية يخلعن وزراتهن و يضعنهن برفق في محافظهن منسلخات بذلك من هوياتهن، هكذا أصبح حال التلميذ في مدارس اليوم، يعيش على الوهم، و يقتات منه، ولم تعد له هوية خاصة به يعتز بها، بل أصبح يتقمص هويات شتى. فعن أي تحصيل دراسي سنتكلم؟

كل هذه الأشياء، و غيرها كثير، جعلت المدرسة المغربية الحديثة تتلقى ضربات تلو الضربات، مما أفقدها مناعتها و هيبتها، علاوة على أسباب لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرناها آنفا ، ألا و هي موجة الهجرة إلى أوروبا، و البحث في الضفة الأخرى عن العيش الرغيد و الربح السريع، حيث أدار المغاربة ظهورهم عنها صوب الضفة الأخرى، مقلدين إخوانهم أو بني جلدتهم، و الذين يتقاطرون على المغرب بحلول فصل الصيف مرتادين أفخر السيارات و أمتع اللباس و في جيوبهم زاد من المال لا يستهان به، الشيء الذي جعل التلاميذ  يفقدون الثقة في المدرسة، و البحث عن وسيلة تقلهم الى بلدان الشمال – حيث سهولة العيش و اليسار المضمون – مهما كلفهم الثمن في رحلة العبور هذه.

هكذا ظهرت قوارب الموت بشتى أنواعها و صنوفها، و التي أودت بحياة العشرات من الشباب في زهرة عمرهم، فلا هم تدرجوا في أسلاك الدراسة، و لا هم غنموا بعمل خارج ربوع الوطن يقيهم شر السؤال و البطالة.

لكن مع كل هذه التغيرات التي لحقت الجسم التعليمي و بالحقل الاجتماعي من ويلات عموما، فلم تبق الوزارة الوصية على القطاع مكتوفة الأيدي، بل بدل القائمون على الشأن المدرسي قصارى جهودهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لإعادة البسمة إلى المدرسة المغربية و محياها، و قد كان ذلك من خلال نهج سياسة تعليمية جديدة جاءت بها بنود الميثاق الوطني للتربية و التكوين، و من بعده المخطط الإستعجالي، حيث باءت كل هذه المخططات بالفشل الدريع، بعدما صرفت عليها مليارات الدراهم من جيوب الكادحين الذين لا ذنب لهم إلا لأنهم يحملون صفة الانتماء.
فرغم كل هذه الجهود التي بدلت و تبدل من طرف الجهات الوصية على القطاع، إلا أن واقع الحال لم يتغير، بل  زاد هذا الوضع قتامة و اضمحلالا.

هذا العطب الذي أصاب منظومتنا التعليمية، يمكن أن ننسبه بدرجة متفاوتة – لأن أزمة المدرسة المغربية بنيوية أصلا – إلى الإيديولوجيات المتبعة من طرف أصحاب القرار، أي، ( إعادة الإنتاج) = Habitus بتعبير بيير بورديو Pierre Bourdieu ، و التي يمكن تلخيصها في مصطلحات ابتكرها القائمون على القطاع من قبيل ( مدرسة النجاح) ، ( حوكمة الإدارة من الحكامة و ترشيد النفقات و ما إلى ذلك…) بحيث أصبحت عتبات النجاح في التعليم الابتدائي جد متدنية، ذلك أن معدل 10/2.5 على سبيل المثال، ينتقل به التلميذ الى القسم الموالي، ناهيك عن التعليم الإعدادي فمعدل 20/7 ينتقل به التلميذ الى القسم الموالي كذلك. أما بخصوص التعليم الثانوي التأهيلي، فماعدا القسم الإشهادي (البكالوريا)، حيث معدل النجاح هو 20/10 ، أما بخصوص الأقسام الأخرى فبمجرد حصول التلميذ على 20/9.5 ينتقل الى القسم الآخر. فعن أي تحصيل دراسي نتكلم عند غياب المكتسبات القبلية لذى التلميذ باعتبارها دعائم التحصيل الدراسي لما سيأتي من مستويات و دروس؟
هكذا، و باعتبارنا جزءا لا يتجزأ من منظومتنا التربوية، و لنا من الغيرة على القطاع  و أبنائه ما يكفي، فلا يسعنا في هذا المقام، ومن هذا المنبر النبيل، ” كوة “،  إلا أن ندق ناقوس الخطر لما يعانيه الحقل التعليمي ببلادنا، من ويلات و أزمات جعلت منه جسما مترهلا شاخ قبل أوانه، كما نشد بحرارة على المدرسين الشرفاء، الذين يؤدون رسالتهم النبيلة في إعداد النشء و أجيال المستقبل بتفان و نكران للذات، و أن إعادة الهيبة للمدرسة المغربية أمر لا يستقيم دونما رد الاعتبار لرجل التعليم، و تمتيعه بحقوقه كاملة، لما يبدل من جهود في سبيل شحد الهمم و صقل المواهب و تربية الذوق و إعداد جيل قادر على تحمل المسئولية حاملا لقيم إنسانية كونية.

شاهد أيضاً

الفلسفة  والجامعة  في الواقع الاجتماعي

بدر نخلة / القنيطرة، المغرب إن مهمة الفلسفة، ليست في حيادها المعرفي أو العلمي، وليست …

تعليق واحد

  1. شفتو هد المنضومة الي عندنا الله ماعمرها تصلح الاالى اهتمنا بالقيام عاد المناهج المضامين ووووو القيم والاخلاق هي الاصلاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *