الرئيسية / منتخبات / حميد زناز / نحو سقوط الجمهورية الخامسة في فرنسا حميد زناز

نحو سقوط الجمهورية الخامسة في فرنسا حميد زناز

كاتب من الجزائر

لم يعد يفصلنا سوى ساعات قليلة عن موعد إجراء الدور الأول من الانتخابات الرئاسية في فرنسا و لا يزال الغموض يلف مصيرها، فلا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث و هو أمر فريد لم تعرفه الرئاسيات في هذا البلد خلال كل فترة الجمهورية الخامسة، أي منذ ظهورها سنة 1958. كانت النتيجة شبه مؤكدة دائما قبل الاقتراع بحوالي أقل من شهرين، أو على الأقل تتفق استطلاعات الرأي على المرشح الأكثر حظا للفوز. أما اليوم فالصورة قاتمة و المستقبل مبني للمجهول !

فما هي أسباب هذا التغيّر غير المسبوق الذي بات يحيّر المحللون و الطبقة السياسية و عامة الناس في فرنسا و يثير الكثير من القلق و الخوف من غد قد يكون حاملا لكل الاحتمالات و الأخطار ؟ كان الصراع السياسي في فرنسا واضحا، سهل القراءة ، كان صراعا تقليديا بين قوى اليمين و قوى اليسار و بعض الوسط، أما حركات التطرف يمينا و يسارا فكانت سهلة الترويض سرعان ما يتم احتواء جزء منها و يركن الجزء الآخر في الهامش يمارس المعارضة عن طريق مكبرات الصوت في المظاهرات و الاحتجاجات الاجتماعية و النقابية.

أما اليوم فقد انهار التياران الكبيران المرتكز عليهما الاستقرار السياسي التداولي في فرنسا أو بالأحرى فقد انتحرا باعتمادهما انتخابات أولية من أجل اختيار مرشحيهما للانتخابات الرئاسية المقبلة إذ ثبت بالتجربة ان تلك الانتخابات الاولية لا يجني منها منظموها سوى التمزق و الصراع داخل الأحزاب و ربما الانفجار كما نرى اليوم مع “الجمهوريين ” و ” الاشتراكيين” إذ تمرد كثير من أعضاء الحزبين على اختيار المناضلين و المحبين و انتقلوا إلى تأييد مرشحين آخرين من خارج أحزابهم ، فمنهم من ذهب لمساندة إمانوييل ماكرون و منهم من أصبح يساند مارين لوبان المتطرفة يمينا أو جان لوك ميلنشون المتطرف يسارا. كل ذلك لسبب بسيط لم يحسب له الاشتراكيون و لا الجمهوريون أدنى حساب مفاده أن الانتخابات التمهيدية لا تترك مجالا للتفاوض و إنما تعزز التعارض بين التيارات التي تكون متعايشة داخل الحزب الواحد و تفتح الباب على مصراعيه للتصدع، لأن الاقتراع في التمهيديات هو اقتراع ايديولوجي يفوز فيه دائما الأكثر تشددا ثم يحرم الحزب من التفتح على الآخر سواء كان فردا لكسب وده أم حزبا سياسيا للتحالف معه.

بكلمة واحدة يمكن القول دون أدنى مبالغة في استعمال الكلمات أن فرنسا تعيش اليوم زلزالا سياسيا قد يعصف بالجمهورية الخامسة و تراثها المرتكز على اليمين و اليسار و يفتح المجال لتجربة أخرى إذ كل استطلاعات الرأي باتت تشير إلى أن مرشحي أكبر حزبين فرنسيين ، الحزب الاشتراكي و حزب الجمهوريين ، بنوا أمون و فرانسوا فيون، قد أصبحا أقرب إلى الاقصاء من المشاركة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية المقبلة.

إنها ثورة سياسية حقيقية يمكن تفسيرها فضلا عما سبق بأمر آخر أكثر أهمية هو ظهور قطبية ثنائية جديدة كانت مستترة فغدت اليوم مرئية: فمن جهة إيمانوييل ماكرون مرشح معسكر “المجتمع المنفتح” أو “العولمة السعيدة” و في الجهة المقابلة مارين لوبان ممثلة “الوطنية” أو “فرنسا أولا”. و بغض النظر عن الاسمين المذكورين، فمن هذا الخلاف الجوهري الذي يقسم فرنسا إلى قسمين متنافرين سينطلق النقاش القوي الذي سيطبع الحياة السياسية في فرنسا من الآن فصاعدا.

 

شاهد أيضاً

كيف يتفلسف اليابانيون: مدرسة كيوتو أنموذجا

حميد زناز غالبا ما يتبادر إلى ذهن الناس عند ذكر “كيوتو” تلك المعاهدة الشهيرة المرتبطة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *